نعاني نحن في مجتمعاتنا العربية “النامية” عامة والمجتمع السعودي خاصة من ازدواجية الانتماء , فنحن كسعوديين ( أو سعوديون ) لا نعرف حقيقة هل نحن ننتمي إلى كيان الدولة “المملكة العربية السعودية ” أم إلى كيان “الأمة الإسلامية “, أم نحن ننتمي إلى الاثنين معاً .
هذه المشكلة تتجلى بشكل واضح حينما يقف أحدهم مخاطباً الجمهور , فتارة يخاطبهم بصيغة ” الأمة الإسلامية ” وتارة يخاطبهم على أنهم ” مواطنون ” .

المشكلة أن معظمنا كعوام لا نعرف ولا نعي ورود هذين المفهومين في الخطاب الواحد , فنجد أن تطبيقات ذلك المفهوم لدينا يوقعنا في مطب الازدواجية والتناقض في حالات كثيرة.
وللأسف أن عمومنا نتجاوز ذلك المفهوم ونمارس التناقض بشكل لا يدعونا إلى الوقوف قليلاً والتفكر في التناقض الذي نقع فيه.
لاحظت أن هناك سياقات محددة لكل مفهوم ” الأمة والدولة ” وغالباً ما يكون كل مفهوم متحصن في سياقه المنفصل عن سياق المفهوم الآخر.
وأستطيع أن أجمل تلك السياقات داخل نطاقين تكون فيها على درجة عالية من الوضوح .
تلك النطاقين هي ( السياسة , و الاقتصاد ) .
السياسة :
هناك سياقين رئيسين في نطاق السياسة يرد في كل واحد من تلك السياقين مفهوم الأمة ومفهوم الدولة .
السياق الأول هو السياق الشعبي العاطفي , وهو السياق الذي يكون فيه المُخاطِب غالباً ما يريد أن يحصل على دعم الجمهور مستخدماً في ذلك النزعة الدينية لتحقيق أهدافه . سواءً كانت تلك الأهداف التي يريدها شخصية أو أممية ولكنها سياقات ترد دائماً في نطاق السياسة وانعكاساتها تكون في نطاق السياسة فقط .
والخطابات الصادرة دائماً من الحكومات الثورية أو الحركات السياسية الثورية أو الأحزاب التي تكون أجندتها السياسية مبنية على الفكر ألأممي دائماً ما تستخدم مصطلح الأمة .
حتى لو كانت تلك الأحزاب تريد تحقيق أهداف وطنية داخلية , كأن تريد مثلاً الترويج لبرنامجها الانتخابي أو الحزبي .
بل حتى إذا كانت تلك الأحزاب تمارس السلطة فإنها دائماً ما تعتمد على مفهوم الأمة في التعبير عن ذاتها طالما أن ذلك لا يخرج عن النطاق السياسي.
السياق الآخر هو سياق التعامل الواقعي مع الدول الأخرى وخصوصاً إذا ترتب على ذلك التعامل مكاسب سياسية فهنا يُستخدم مفهوم الوطن ” الدولة ” بدلاً عن مفهوم ” الأمة “.
أي أن استخدام المفهومين في نطاق السياسة يعتمد أساساً على المكسب الذاتي . فإذا كان المكسب السياسي يأتي من الجمهور فإن المفهوم المُستخدم هو الأمة , وإذا كان المكسب يأتي عن طريق دول أخرى فإن المفهوم المُستخدم هو الوطن “الدولة” .
الاقتصاد :
أستطيع القول بأن مفهوم الوطن ” الدولة ” هو المتسيد في هذا النطاق . فالمُخاطِب يستخدم هذا المفهوم إذا كان الحديث عن الاقتصاد كأن يكون الحديث مثلاً عن تبرعات دولية أو دعم حكومي أو حتى انعكاسات اقتصادية على الخدمات ويختفي تماماً مفهوم الأمة في هذا السياق فأنا لم اسمع في يوم من الأيام وزير اقتصاد أو مالية في أي دولة عربية أو إسلامية يتحدث مستخدماً صيغة ” الأمة ” أو حتى وزير عمل أو وزير خدمة .

ونحن كمُخاطَبين لا نحس غالباً بالفرق .
اعتقد أن سبب ذلك يعود إلى المُخاطَب لا إلى المُخاطِب , وذلك لأنني أعتقد بأنه لا يوجد فينا شخص مستعد بأن يكون لانتمائه ألأممي انعكاس على حياته الاقتصادية وتبعات سلبية .
ويظهر ذلك واضحاً في مشكلتنا مع السعودة وتوطين الوظائف وخلق فرص عمل للمواطنين وإحلال السعودي مكان الأجنبي رغم أن ذلك الأجنبي هو جزء من الخطاب السياسي الشعبي “الأممي” ولكنه يختفي تماماً في اللغة الاقتصادية لغة الأرقام والمكاسب . فنجد أن الفرد منا ينزع نحو التجزؤ أكثر في حالة الخطاب الاقتصادي وغالباً يقف ذلك التجزؤ عند حدود الوطن ” الدولة ” .
الإشكالية تكمن في أنه من المفترض أن يكون الخطاب السياسي متجانساً مع اللغة الاقتصادية وان تكون كلا النطاقين مترابطين في الحديث .
فإذا كنا نحن كمُخاطَبين تتحرك عواطفنا وتتفاعل حواسنا و أفكارنا مع الخطاب ألأممي السياسي ونخرج في مظاهرات مرددين هتافات أممية. وننادي حكوماتنا بتحمل المسؤولية السياسية بل حتى العسكرية من أجل أهداف أممية فلماذا نغضب ونمتعض في حالة انعكاس تلك الشعارات الأممية على حالتنا الاقتصادية ؟
هناك نطاقات كثيرة تكون فيها ازدواجية ليست فقط السياسة والاقتصاد بل حتى الثقافة والاجتماع فهي كلها مترابطة ومتداخلة لحد بعيد . والشواهد كثيرة في هذا الموضوع .
هذه مجرد خاطرة لفتت نظري للتناقض أتمنى أن تتبلور أكثر وأعرف هل أنا مواطن في دولة أم في أمة أم في كلاهما معاً . وماذا ينعكس على حياتي في كلا الحالات ؟


انا مهتم بالسياسة والثقافة العامة والكتابات الدينيةهذه المدونة أكتب فيها ما يعبر عن وجهة نظري في لحظة كتابة المقال وهذا لا يعني أنني سأبقى مقتنعاً بكل فكرة كتبتها مدى الحياةبل أن هناك الكثير من الأفكار قد تتغير وتتبدل إذا تغيرت الظروف واستطعت فهم الواقع بشكل مختلفباب النقد مفتوح على ( البحري ) سواءً في التعليقات أو في الرسائل الخاصة!





