تفاجأت وأنا أقرأ كلام معالي محمد العيسى وزير العدل السعودي المنشور في جريدة الرياض يوم السبت الماضي عن الإختلاط , حيث قال في مختصر كلامه أنها كلمة دخيلة على الثقافة الإسلامية ودخيلة على التاريخ الإسلامي .
لا أعرف ماذا يجب أن يقال في موقف كهذا حقيقة , هل أفرح وأصفق أم ابكي وانتحب على أيام وسنوات ضاعت ومازالت تضيع كل يوم ونحن مازلنا نستمع لترهات هؤلاء البشر من الناس ,
بكل بساطة تستيقظ صباحاً وتستفتح بالجريدة الحكومية الوطنية وترى شيخ من هيئة كبار العلماء ووزير عدل يقول لك إن مفردة "الإختلاط " دخيلة على ثقافتنا وتاريخنا .
يا سلاااام شايفين كيف الموضوع سهل وبسيط , هم كلمتين "الإختلاط " : دخيل على ثقافتنا .
سنين طويلة والشعب الغلبان هذا يُمارس عليه أنواع التسلط الديني تحت مسميات كثيرة وفتاوي أكثر وتسوق على أنها هي الفتاوي الإسلامية الوحيدة وأن "جمهور النصر أقصد العلماء " متفق على هذه المسميات والألفاظ بل يصل في بعض الأحيان أن يخبرك إمام مسجد حارتك التي تصلي فيها بأن إنكارها قد يخرجك من الملة لأنها من ماهو معلوم من الدين بالضرورة , ثم فجأة وبقدرة قادر وفي غمضة عين تختفي هذه المسميات ويظهر طرف آخر كان ملتزماً الصمت ولم يعبر عن رأيه لعقود طويلة ويقول لك بانها دخيلة على ثقافتك الإسلامية !.
أين كان هذا الرأي من سنوات ؟ لماذا لم يتحدث معالي الوزير وصاحب الفضيلة من قبل ؟ لماذا الآن أصبح الحديث والكلام عن الإختلاط مستحب ؟
هل لأن الإرادة الملكية أصبحت تتوافق مع آرائهم ( على أساس انها من زمان لم تكن تتوافق معاهم ) أصبح الصدح بها واجباً ؟
أليس من حق هذا المسكين الذي يرجع لفضيلتهم ويستفتيهم في كل شؤون حياته أن يبينوا له بأن هناك مفاهيم كثيرة تختلف فيها التفسيرات والرؤى والأولويات وأن كل صاحب رأي يؤخذ منه ويرد ( حالياً ) ؟
أليس من حق هذا المسكين أن يعرف بأن الدين له تفسيرات كثيرة ومعاني متعددة وأن مفردة اتفاق جمهور العلماء شبه غائبة لأن الدين عبارة عن نص وأن النص حمال أوجه ؟ وكل نص يمكن تفسيره بعدة طرق وبعدة مفاهيم ؟
إنه لمن المؤسف حقاً أن أصوات وأراء مثل آراء شيخنا معالي الوزير تكون مختفية كل هذه السنين ونحن منذ أن ولدنا ونحن نسمع أن الإختلاط حرام لأنه وسيلة للخلوة الغير شرعية الذي هو وسيلة للزنا , ليس ذلك فقط بل أن هناك مئات الأشياء التي تُصبح في حكم الحرام لأنها تؤدي للإختلاط الذي يؤدي بدوره للخلوة التي بدورها تؤدي للزنا .
ونبقى في سلسلة من المحرمات التي لا يحرمها غيرنا على وجه الأرض لأنها قد تؤدي في نهايتها إلى حرام .
المشكلة أنه ما يبدأ أحد الشيوخ بمعارضة المفهوم السائد في حكم أمر معين حتى نرى أصوات اخرى تبدأ في التأصيل لهذه الأقوال وإضفاء الشرعية عليها , فبعد أن صرح وزير العدل برأيه في مسألة الإختلاط حتى سمعنا القاضي في المحكمة الشرعية في الرياض الدكتور عيسى الغيث , يبرر ويأصل لرأي وزير العدل وعلى الرغم أن هناك كثير من المرجعيات الدينية في العالم الإسلامي توافق رأي وزير العدل , لعل أهمهم هو الدكتور يوسف القرضاوي ورأيه في مسألة الإختلاط , إلا أن المساندة ومفهوم "الفزعة" وارد حتى عند من نأخذ منهم كشعب تشريعاتنا الدينية * ,
كم من مشروع تنموي كان سيفيد المجتمع تمت عرقلته ورفضه ومحاربته تحت غطاء تحريم الإختلاط ؟
وكم من فتاة حرمت من التعليم الطبي بسبب أن طبيعة عملها في المستقبل سيكون فيه اختلاط ؟
هل كل هذا ضاع هباءاً منثوراً وفي لمحة بصر يتحول المصطلح إلى عادة دخيلة على مجتمعنا وثقافتنا ؟
يا سبحان الله .
سابقاً كان التصوير حرام بجميع أشكاله وهذه فتاوي الشيخ بن باز , المفتي العام السابق للمملكة , خير دليل وشاهد على نظرتهم السابقة , ونحن نعرف ما حصل بعد ذلك من أنهم أصبحوا أكثر الناس تُلتقط لهم الصور . ( لا أقصد ابن باز شخصياً ولكن مدرسته وبقية الشيوخ )
هذا غير الدشوش والقنوات الفضائية التي كانوا يرون فيه الشر المطلق والزنا السمعي والبصري , بل أنهم كانوا يصفون من يمتلك الدش بالدياثه , تخيل أن تكون ديوث لأنك تمتلك قنوات فضائية ؟ فتاوي الدشوش لصالح الفوزان
ثم نراهم يتسابقون على القنوات الفضائية بل وبعضهم يوقع مع القنوات عقود احتكارية ؟
كذلك فعلوا مع البرق والهاتف والجوال والتلفزيون والراديو وغيرها من وسائل الإتصال ثم ما اسهل ان ينقلبوا على فتاويهم ويسوقون لذلك أنواع المبرارات تحت غطاء نشر الدعوة .
ونحن ما زلنا نستمع لفتاويهم ونعتبرها بأنها هي الدين فقط , وما عداها ليس من الدين أو بدعة ,
متى يمتلك فينا الشخص حريته الفكرية المغتصبة من قبل هؤلاء الذين يصفون حساباتهم التيارية ؟ ويعبر عن رأيه وإرادته حتى وإن اختلفت مع اراء الشيوخ والمفتين ؟
————————————————
هوامش
* فهم المفسرين والمحللين لها حتى وإن ادعوا بأن الإسلام ليس به رهبانية أو وسيط بين الإنسان وربه , إلا انهم عملياً هم الوسطاء لفهم ما يريده الله منا .



انا مهتم بالسياسة والثقافة العامة والكتابات الدينيةهذه المدونة أكتب فيها ما يعبر عن وجهة نظري في لحظة كتابة المقال وهذا لا يعني أنني سأبقى مقتنعاً بكل فكرة كتبتها مدى الحياةبل أن هناك الكثير من الأفكار قد تتغير وتتبدل إذا تغيرت الظروف واستطعت فهم الواقع بشكل مختلفباب النقد مفتوح على ( البحري ) سواءً في التعليقات أو في الرسائل الخاصة!





