28 سبتمبر، 2009  |  بقلم:  |  يُصنف في: اجتماع, كل التصنيفات

يصرخ أحدهم بأعلى صوته منادياً بالوسطية وأننا أمة وسطاً وأننا يجب أن نكون بعيدين عن التطرف بشتى أشكاله ويرد عليه آخر بأننا نريد وسطية من داخل ثقافتنا وديننا وعاداتنا وتقاليدنا ولا نريد وسطية خارجة عن حدود هويتنا ويقول متهماً الأول أنه يدعوا للتغريب وتذويب الهوية ,

وهناك  ثالث يجلس في كهف جبلي يراقبهم عن بعد وهو يشرب شاي العصرية وخلفه الكلاشينكوف ورهطٌ من الملثمين ويضحك على جدالهم فهم بالنهاية بالنسبة له مجرد خونة خارجين عن الملة وموالين للكفار والصهاينة ومتخاذلين عن الجهاد وحينما تسأله هل ما إذا كان يرى نفسه وسطياً لرد عليك بالإيجاب وأنه يحب علي ابن أبي طالب ويترحم عليه كما أنه يترحم على معاوية ابن أبي سفيان وبهذا ينفي عن نفسه صفة الخارجية وأنه في هذا المكان بسبب أنه يرى نفسه باحثاً عن الوسطية ومقيماً لشعيرة الجهاد التي ضيعها المتخاذلون والذين يبتعدون عن الوسطية التي يعرفها ,

كما أننا لا ننسى الرابع الذي يرى بأن الرأسمالية ماهية إلا شكل جديد من الإقطاعية , وأن أصحاب رؤوس الأموال يجنون أرباحهم على تعاسة العمال المضطهدين , مقابل حفنة من الدولارات  تدفع لهم آخر الشهر والتي تذهب في الديون والقروض ومختلف أنواع التأمينات ,

ولا ننسى أيضاً الخامس الذي يرد على الرابع والذي يرى في السوق الحر و الاقتصاد والعولمة النظام الأمثل الذي حقق نجاح واكتسح العالم دون ثورة أو باستخدام سلاح وهي سبب تطور الحياة وتنافس الشركات وزيادة إنتاجية السوق وتوفر الكثير من الخيارات للمستهلك وبسبب تلك المنافسات المحمومة تم توفير ملايين الوظائف والتي حققت الرفاهية لمعظم شعوب العالم أكثر من النظم اليسارية ( الاشتراكية ) التي يؤكد عليها الواقع من خلال الأرقام والإحصائيات .

والكل يرى نفسه وسطياً في كل شيء في السياسة وفي الاقتصاد وفي الاجتماع وفي كل شيء .

بين كل هؤلاء المتصارعين هناك الشريحة الأكبر من الناس الذين أطلق عليهم صفة ( الضايعين في الطوشة ) الذين تتجاذبهم التيارات والإيدلوجيات والفلسفات بمختلف أشكالها , والذين تُعجبهم الشعارات البراقة فهذا يغريهم بالجنة وبالحور العين والنعيم في الآخرة وذلك يغريهم بالعدل الاجتماعي والمادي وآخر يغريهم بزيادة الدخل والعديد من الفرص وكل صاحب فكر أو فلسفة يبحث عن جمهور وأتباع حتى أنه يُصبح من عاشر المستحيلات أن يكون الإنسان لا منتمياً لشيء حتى وإن حاول ذلك فالحياة سوق شرسة هذا إذا لم تكن غابة يتصارع فيها مئات الأسود والذئاب , ( طيب وين الجديد :يقول قائل ) .

الجديد هو أنني أرفض الشعارات البراقة والمكاسب الوهمية والتصنيفات الغير ملموسة أو محسوبة بدقة والتي دائماً ما يحاولون أن يضحكوا علينا بها ( بياعين ألحكي : كما وصفتهم في مقال سابق ) ,

مشكلتي ليست الترويج لأفكار فلكل صاحب فكرة الحق في الترويج لأفكاره إن لم تكن مؤذية بشكل مباشر للبشرية ( كالقتل والسرقة والنهب ) ولكن مشكلتي في الطريقة التي يسوق فيها صاحب الفكرة فكرته , فحينما يكتب احدهم أو يتحدث عليه أن يحترم من يحدثه ولا يبيع عليه ألحكي بشعارات من قبيل : الوسطية , والعدل , وغيرها . هذه الشعارات الغير قابلة للقياس أو التعريف بشكل يتفق عليه كل الناس بشكل مُحكم وصريح, تجعل أي شخص يتبناها ويروج لفكرة على أساسها  , فمن يستطيع أن يمنع أي إنسان مهما كان مجرماً وقاتلاً من استخدام كلمة الوسطية ؟

المشكلة أن الناس مازالت تصدق وترخي مسامعها لكل مروج أن يخدعها بتلك المصطلحات , فالنازية والاشتراكية والكنفوشوسية والبوذية والهرطوقية والخربوطية كلها تنادي بالعدل والمساواة والوسطية والاعتدال ولا أعرف إذا كان هناك تيار فكري أو ديني يقول عن نفسه بأنه متطرف ( حتى أفيجدور ليبرمان يرى نفسه وسطي ومعتدل! ) .

قد يقول قائل علينا أن  نترك الحكم للآخرين على الفاعل وهم بالتالي يحددون ما إذا كان الفاعل وسطي أم متطرف , هذا صحيح إذا كنا نتحدث عن شراء سيارة أو إيجار شقة أي تكون الأمور على نطاق ضيق ولكن المشكلة أن التيارات الفكرية والدينية والسياسية والاجتماعية  خياراتها واسعة جداً وليس من السهل على الإنسان كفرد أن يلم بجوانبها ونطاقاتها بشكل كامل وبالتالي يكون من الصعب عليه تحديد المكان الدقيق للوسط .

إذا ما الحل ؟

الحل هو في تغير نظرتنا وحكمنا على الأمور من المنظور المثالي البراق ذلك المنظور الذي يجعل الإنسان يفقد مكاسبه وطموحاته المادية في مقابل بحثه عن تلك الشعارات العائمة والغير مقاسه .

هل هذا يعني أننا يجب أن نتخلى عن جوانبنا المعنوية وشعاراتنا ؟

لا . ولكن أن تكون تلك الشعارات على نطاق الفرد فقط وأن يُقتصر استخدامها للفرد ولا أن تكون شعار لتيار فكري أو سياسي حتى لا يُستغل الإنسان وهو يلهث خلف تحقيق قيمة نسبية لا يمكن أن يحددها إلا هو فقط وأن تحديدها يختلف من زمن لزمن ومن شخص لآخر .

فنحن نعرف أن كثير من الدول ومن الأحزاب السياسية التي وعدت الناس بتحقيق تلك الشعارات حتى تصل إلى سدة الحكم وصناعة القرار وبعد ذلك أطلقت تلك المسميات على مكتسباتها رغم أن الواقع يثبت أنها ضيعت المكاسب المادية التي كان بالإمكان الحصول عليها , فكم من تيار سياسي ضيع الأرض والأموال والبشر في مقابل تحقيق الشعارات من قبيل العزة والكرامة وتلك السلسلة من الشعارات وهو واقعياً ومادياً قد خسر الأرض أو جزء منها وخسر الإنسان وتكبد ملاين الدولارات في إعادة تصليح ما خسره من مكتسبات مادية وأنفس بشرية ؟

هذا ما أدعوا للحذر منه كل إنسان يسمع من ينادي بالوسطية أو بالعدل دون أن يسأل ماذا يكسب وماذا يخسر وهل بمقدوره أن يحاكم أو يحاسب من وعده ثم أخلف وفق مقياس ومعيار معلوم ومحدد .