تحدثت في مقال سابق لي عن أن الديمقراطية تحتاج لأرضية ثقافية معينة حتى تستطيع أن تعمل بشكل صحيح وحتى أن تكون الديمقراطية وسيلة للتطوير وليست وسيلة للتعطيل , غياب تلك الأرضية والتي أراها ضرورية يحول الديمقراطية من وسيلة للتطوير والتقدم إلى وسيلة للتعطيل والتأخر ,  تعصف بالكويت في الأيام الحالية أزمة سياسية عويصة فما بين نواب في البرلمان يطالبون باستجواب الحكومة إلى رفض من قبل الحكومة للمثول أمام النواب للاستجواب وتقديم استقالتها عوضاً عن قبول الاستجواب ,

وفي خلال تلك الصراعات يقف أمير البلاد في الوسط محاولاً مسك العصا من المنتصف فمرة يقبل باستقالة الحكومة ومرة يأمر بحل البرلمان وإعادة تشكيل البرلمان وفي مرات أخرى يلوح بتعطيل الدستور وأخذ قرارات غير دستورية  محاولاً التوفيق بين برلمان وحكومة . إلا أن تجربة الديمقراطية الكويتية تحتاج لإعادة نظر مهمة وذلك لاستقراء تلك الأحداث من خلال المنظور الثقافي لها , يوجد في البرلمان الكويتي عدة تيارات متناقضة فيما بينها فهناك تيار سلفي وتيار إخواني من جهة وتيار ليبرالي وعدة أطياف أخرى مستقلة وأعني بمستقلة أنها لا تصنف نفسها تحت أي تيار .

ما يهمني الحديث عنه هنا في هذا المقال هو التيار السلفي الذي دخل العملية الديمقراطية رغم الغرابة في ذلك , مصدر الغرابة هو موقف الفكر السلفي من العملية الديمقراطية  فالسلفية كانت تحرم الديمقراطية وتعتبرها الحكم بغير ما انزل الله وفي ذلك كتب الكثير من شيوخ السلفية حول العالم فتاوى تحرم الديمقراطية والخوض فيها والقبول بالدخول تحت نظامها وأحكامها

ففي موقع الشيخ سفر الحوالي وهو سلفي معروف بتطرفه في آرائه يقول : < بالنسبة لنا نحن المسلمين فتعتبر الديمقراطية كفر , الديمقراطية شرك >

ويقول الشيخ سفر معللاً حكمه استناداً إلى تفسيره لآيات قرآنيه يعتقد أنها الدليل على كفر وشرك الديمقراطية حيث قال : < لأنه وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44] فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ [النساء:65] ويقول عز وجل: ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الجاثية:18] هؤلاء لا يعلمون، فالتحكيم الديمقراطي هو اتباع لأهواء الذين لا يعلمون، أما نحن فإنما أمرنا وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ [المائدة:49] فديننا والحمد لله هو تحكيم كتاب الله وسنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أما هذه الديمقراطية فهي كفر وشرك كما بينا والمجال لا يتسع للتفصيل. >

وكلام الشيخ سفر الحوالي لا يختلف كثيراً عن الشيخ العثيمين الذي قال في فتاويه < الديمقراطية نظام أرضي ، يعني حكم الشعب للشعب ، وهو بذلك مخالف للإسلام ، فالحكم لله العلي الكبير ، ولا يجوز أن يُعطى حق التشريع لأحدٍ من البشر كائناً من كان .>

بعد هذه الأحكام القطعية التي أصدرها بعض شيوخ السلفية في العالم نجد أن هناك من السلفيين من دخل في اللعبة الديمقراطية ورشح نفسه لدخول البرلمان الكويتي وهو يعلم حرمة ذلك العمل وهنا على الناخب الكويتي أن يتساءل لماذا أصوت لشخص دخل عملية سياسية يراها حراماً ؟ ألا يكون ذلك سبب منطقي بعدم التصويت لمن هو متناقض في مواقفه وآرائه وأحكامه ؟

في الحقيقة أن التيار السلفي دخل العملية الديمقراطية من مدخل فقهي محدد ومعين وإجابة السؤال السابق هو في الفتوى الذي أفتاها الشيخ العثيمين نفسه .

حيث يقول في فتواه : < سئل الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله عن حكم الانتخابات ، فأجاب : “أنا أرى أن الانتخابات واجبة ، يجب أن نعين من نرى أن فيه خيراً ، لأنه إذا تقاعس أهل الخير ، مَنْ يحل محلهم ؟ سيحل محلهم أهل الشر ، أو الناس السلبيون الذين ما عندهم خير ولا شر ، أتباع كل ناعق ، فلابد أن نختار من نراه صالحاً . >

أي أن الشيخ معتقد أن الديمقراطية حرام وأنها حكم بغير ما أنزل الله ولكن في حالة وجد هذا النظام في دولة معينة فبالتالي يجب أن يدخل أهل الصلاح من وجهة نظرة للبرلمان حتى يغيروا المنكر حتى يفتح الله عليهم ويستطيعون أن يحكموا بما أنزل الله من وجهة نظره .

من هنا نستطيع فهم لماذا يطالب دائماً النواب السلفيين باستجواب الحكومة بشكل متكرر لأنهم يعرفون أن الحكومة ستقدم استقالاتها ولن تقبل بالاستجواب  فتتعطل العملية السياسية بشكل مستمر وأن تتأزم الأوضاع وتقف الحياة الاقتصادية وبالتالي تظهر العملية الديمقراطية أنها وسيلة فاشلة للحكم ويخلوا لهم المسرح السياسي حتى يمارسون فيه أسلوبهم في الحكم  تحت الوصاية الدينية التي يحاولون فرضها في كل مناسبة .

فنفس الأفكار ونفس التيار حينما فاز في الانتخابات التشريعية في الجزائر ممثلاً في جبهة الإنقاذ الجزائرية أعلنوا في أول يوم بعد الفوز بأنها ستكون آخر مرة تقام فيها انتخابات لأنهم مؤمنين بأن الديمقراطية حرام , أي أنهم يستخدمون الحرية والديمقراطية للانقلاب عليها , ولكن في الكويت كان التيار السلفي أكثر مكراً حيث أنهم يستخدمون الديمقراطية لتعطيل الديمقراطية نفسها . أقترح على الأمير في الكويت أن لا يسمح بالتيار السلفي الدخول في العملية الانتخابية حتى تصدر فتوى رسمية من قبلهم تحكم بمشروعية العملية الديمقراطية وأن يتبرءوا من فتاوى السلفية السابقة التي تحرم وتكفر الديمقراطية .   

صدرت قبل أيام مذكرة توقيف بحق الزعيم السوداني عمر البشير من المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي وكان أول رد من الزعيم السوداني هو “يمصووها ويشربوا مويتها ” بعد ذلك أردف تصريحه بقرار لطرد أكثر من عشرة منظمات إغاثة دولية تعمل في إقليم دارفور , ورد معللاً قراره بأن هذه المنظمات تعمل ضد السودان وتلفق التهم ضد الزعيم عمر البشير وبالتالي فإن المسئولين الحكوميين السودانيين يرون بأن طردهم يأتي في صالح السودان وشعب السودان . وحينما اعترض المجتمع الدولي والكثير من ضحايا دارفور على ذلك القرار خرج تصريح معللاً بان هناك أكثر من مئة منظمة دولية للإغاثة الدولية تعمل في السودان ولا مشكلة إذا طُرد حوالي العشرة منها ! . هنا على المطلع لهذه الأخبار أن يتساءل هل يشكل الإنسان كفرد أي قيمة لدى الحكومة السودانية ولدى الزعيم عمر البشير ؟

في الحقيقة لإجابة هذا السؤال علينا أن نترقب مثول الزعيم السوداني للمحاكمة على التهم التي ستوجه له من قبل المدعي العام الدولي وفي حالة إدانته سنعرف بما لا يدع مجال للشك إذا كان البشير كان يهمه القتلى  الذين سقطوا ضحايا للعنف في الإقليم السوداني المنكوب أم لا , ولكن قبل أن يمثل للمحاكمة أحببت أن أجيب على السؤال هذا من خلال التصاريح التي ينطق بها الرئيس السوداني بنفسه والتي أتت على لسانه . فالتقارير الصادرة عن عدة منظمات دولية للإغاثة تعمل في السودان على أن ضحايا دارفور بلغ 300 ألف قتيل ومليونان ونصف مشرد ولكن البشير كذب هذه الإحصائيات وقال أن عدد الضحايا فقط عشرة آلاف ! . أي أن البشير يعترف بسقوط ضحايا ولكن ليس بالعدد الذي تقول به الأمم المتحدة فرده على أن الضحايا مجرد عشرة آلاف تعني أن الفرد الواحد لا قيمة له أصلاً وكأنه يعترض على المدينين للجرائم بأنه يقول لماذا انتم منزعجون فكل الذين قُتلوا مجرد عشرة آلاف ! هنا أقول للزعيم السوداني عشرة آلاف بس ؟  يا بلاش يا زعيم ( فدى راسك ) .

في الواقع أن المنظمات الدولية التي تعمل في الإغاثة الدولية ليس في صالحها الكذب لأن عدد الضحايا لا يمكن إخفاءه كما أن هذه المنظمات في حالة الكذب ستواجه مشكلة في المصداقية وخصوصاً أنها منظمات تعمل في الإطار الدولي وتتبع لجان الإغاثة للأمم المتحدة وتقاريرها معتمدة في حالة أرادت الأمم المتحدة اتخاذ أي إجراء بحق حكومة من الحكومات .

*******

على الصعيد العربي تحركت عدة دول عربية لمناقشة مذكرة التوقيف بحق الزعيم السوداني ومابين معارض للمذكرة ومابين معترض على توقيتها وذلك لأنها تؤثر على السلم في السودان .

فلن أرد على موقف المعارضين للمذكرة بالكلية لأنهم لو وافقوا عليها فهذا يعني أنهم سيضعون أنفسهم في مكان الزعيم البشير فهم لا يقلون عن الزعيم السوداني في الوحشية . ولكن ما أنا بصدد مناقشته هو أنني لا أعرف إذا كان الوضع الحالي يمكن اعتباره في أي قاموس عبارة عن سلم , فأي سلم يتحدثون عنه وأكثر من ثلاث ملايين إنسان يواجهون الموت البطيء في ظل هذه الظروف الصعبة إنسانياً كما أن طائرات البشير مازال سكان دارفور يسمعون هديرها في مهمات قصف للمنطقة ولبعض مخيمات اللاجئين . والسؤال هو ماذا فعل الزعماء العرب تجاه الوضع المأساوي في الإقليم ؟ هل سمع أحد أن هناك إدانة واحدة خرجت من الجامعة العربية للزعيم السوداني أو المتسببين في الجريمة البشعة هناك , مع العلم  أن الأمم المتحدة تعتبر أزمة دارفور من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها العالم في الوقت الراهن , وللأسف فإن من يحاول حل مشكلة دارفور لا يسكن في المنطقة العربية بل خلف البحار والمحيطات فالقضية وكأنها تقع في جزر الكاريبي أو التبت وليست على الأراضي “العربية ” .

******

بدأ الشارع العربي بترديد الشعارات الطنانة التي أطلقها الزعيم البشير في خطبه الجماهيرية منددين بمذكرة التوقيف وذلك لأن المذكرة صادرة من الغرب ولأن الشعب العربي يعيش أزمة ثقافية مع الغرب فكل ما سيصدر عنه يعتبر في محل إدانة حتى لو كانت القضية فيها حقوق إنسانية ومما يزيد من تلك الجماهيرية هو بعض الكتاب والصحفيين الذين يطالبون بالوقوف مع البشير والتضامن معه وكما يدعي أحدهم وهو من غير السودانيين بان حكومة البشير حكومة شرعية والجماهير التي خرجت تبين حب الشعب السوداني لزعيمه هنا أريد أن أسألهم ألم تخرج الجماهير في صربيا منددين بمحاكمة زعيمهم الصربي الأسبق والذي ارتكب جرائم بحق المسلمين ؟ وألم تخرج الجماهير في العراق إبان اجتياح جيوش الحلفاء مرددين شعارات بالروح بالدم نفديك يا صدام ؟ على رغم أنه ارتكب جرائم بشعة بحق مواطنيه الشيعة والأكراد في إبادات جماعية لا تفرق بين العسكري والمدني ؟ بل حتى لو أردنا محاكمة هتلر فإنك ستجد من يخرج ويهتف بالروح بالدم نفديك يا زعيم العالم هتلر. فالذي يتناساه معظم الكتاب في الصحف أن البشير أتى للسلطة عن طريق انقلاب عسكري ولم يأتي عن طريق صناديق الانتخابات كما أنه كان يرفع شعار الإسلام أثناء الانقلاب .

أتمنى أن يلاقي المجرم عقابه وأن يمثل أمام المحاكمة سواءً كان رئيس دولة أو وزير أو جندي مرور فيد العدالة لابد وأن تطال المجرم مهما علا شأنه  .

شاهدت ليلة البارحة الاحتفالية التي نظمتها قناة الرسالة الفضائية بمناسبة مرور ثلاث سنوات على تأسيسها , وكان “الدكتور” طارق السويدان يجلس مع مقدم البرنامج ويستقبلون شخصيات متنوعة من الذين شاركوا في صناعة القناة وإعداد البرامج وبعض الشخصيات المختلفة التي تعتبر مهتمة بصناعة الإعلام “الإسلامي” أمثال الأستاذ مالك الأحمد  ,

وقد تطرق الحديث عن الكثير من الجوانب التي جعلتني متسمراً أمام القناة أثناء عرض البرنامج المخصص للاحتفالية وقد نوقشت في تلك الحلقة بعض المواضيع التي جعلتني أفكر كثيرا في كتابة الفكرة التي أنا بصدد طرحها في مقالي هذا , أثناء الحوار بين مقدم البرنامج وطارق السويدان والأستاذ مالك الأحمد

طرح الأخير الكثير من السلبيات التي يراها متواجدة في ما يسمى “الإعلام الإسلامي” من ضمنها أن القنوات الدينية مازالت تعاني من الرتابة والنمطية التي حتماً تؤدي للملل !

كما قال موضحاً أن البرنامج الديني لم يخرج عن شخص جالس على كرسي ومكتب ويتكلم ويوجه وينتهي البرنامج ويأتي برنامج آخر بنفس الأسلوب ونفس الطريقة مما ينعكس ذلك على خلق نمطية جعلت المتابع يتذكرها كلما سمع باسم أي قناة دينية وقال أن قناة الرسالة تعاني من نفس المشكلة ,

كما قال أيضاً أن ضعف الإخراج والصورة و الجرافيكس أيضاً أحد عوامل ضعف القناة الدينية حينها قاطعه طارق السويدان أو المقدم وقال له أنها كل ما ذكرته صحيح ولكنها تبقى قناة دينية وهناك مساحة محددة لا نستطيع الخروج عنها َ , طريقة الحوار الأنفة والردود تعطينا اعتراف على لسان أهل “الإعلام الديني ” أن المحاذير الإعلامية والخطوط الحمراء الدينية  التي لا ينبغي الخروج عنها تعيق من تقدم القناة ومن كسر الرتابة والملل الذي يعانون منه ,

وهذا يحيلني إلى الحقيقة التي أنا مقتنع بها وهي أنه لا يوجد شيء في العالم اسمه إعلام ديني وإذا ما كان فإن مآله الفشل , وهذا ما قاله الأستاذ مالك الأحمد حينما تنبأ به لمقدم البرنامج وقال له : أن 50% من القنوات “الإسلامية” ستفشل ولن تنجح وبرر ذلك بأن معظم القنوات الدينية كانت عبارة عن مشاريع جراء ردة فعل معينة أو حماسة في فترة مؤقتة وبعد ذلك تخف الحماسة وتبدأ القناة بالتدهور وضربوا مثال بقناة الناس وهي قناة إسلامية سلفية لا يخرج بها إلا الذكور فقط ,

بعد ذلك تطرق الأستاذ مالك الأحمد  رداً على سؤال مقدم البرنامج عن تاريخه الشخصي مع الإعلام ذاكراً أن هناك فشل في مسيرته الإعلامية ونجاح وحينما سؤل الأستاذ مالك الأحمد عن إنتاجه الإعلامي خلال مسيرته الطويلة أجاب انه أنتج برنامجين وثائقيين اثنين فقط ! احدهما نجح واستطاع بيعه وذلك بعد أن أخذ فتوى من احد الشيوخ في هيئة الإفتاء في السعودية تجيز له استعمال الموسيقى التصويرية حتى ينجح في تسويقه على المؤسسات الإعلامية والقنوات الفضائية والبرنامج الآخر لم يستطع بيعه

وأنا بدوري هنا أسئل الأستاذ مالك الأحمد إذا كنت أنت شخصياً النجاح الذي حققته عبارة عن برنامجين وثائقيين اثنين فما هو الفشل من وجهة نظرك ؟

ومن ثم أليس من الأفضل لك هو إعادة النظر في مفهومك الكامل للإعلام ككل والذي يندرج تاريخك كله تحت مشروع ” الإعلام الديني ” ؟

لقد برر الأستاذ مالك الأحمد سبب فشل “بعض” مشاريعه إلى عدم وجود دعم مادي وإلى عزوف القنوات عن المشاريع ذات الطابع الديني  .

في الحقيقة أن عزوف تلك القنوات عن البرامج الدينية يعود إلى أن البرامج الموجهة الدينية لا تعي ضروريات الفن المعاصر والتي تعني بالضرورة إلى وجود مقومات أساسية تتعارض مع الخطوط والقيود الدينية التي تشكل العائق الحقيقي أمام وجود ما يسمى إعلام ديني ,

تلك القيود تتعارض مع فن الصورة وفن الصوت وفن الدمج بينهما , فكيف يكون هناك جذب بصري دون أن يكون للجمال حضور هذا الجمال يعني بالضرورة لوجود امرأة تتحلى بمستوى معين من الجمال ورغم من أن هذه الحقيقة تزعج الكثيرين ولكنها تبقى حقيقة يجب أن يعيها أهل الإعلام الديني صحيح أن هناك بعض النجاحات لبعض البرامج لم تكن تحتوي على العنصر الأنثوي ولكن نجاحاتها فردية ولا يعتد بها والمقياس الحقيقي والمعيار الضروري هو الجمال بأنواعه كلها و جميعها وما اتفق عليه معظم الجمهور بأنه يندرج تحت مسمى الجمال  ومن ضمنها الأنثى الجميلة صحيح أنه ليس كل النجاح هو امرأة جميلة ولكن لا نستطيع أن ننكر انه المفتاح الأول والرسالة الأولى للجذب لكلا الجنسين ,

الأمر الآخر هو كيف يكون هناك جذب سمعي إذا لم يكن هناك موسيقى وهذا بدوره يتعارض مع المحاذير الدينية والتي تعتبر الموسيقى محرمة وفي أفضل الأحوال تباح الموسيقى الدينية أو التصويرية وتحرم الأنواع الأخرى من الموسيقى مثل الأغاني والطرب , هذا لا يعني إلا أن صناعة الإعلام بعيدة تماماً عن الأفق الديني الإسلامي والذي يتعارض مع أساسيات الإعلام فالإعلام صناعة لا يستطيع التعامل معها إلا من يؤمن بمبادئها والتي تعني العولمة والتسامح والليبرالية والحرية تلك المفاهيم التي هي بالضرورة بعيدة بالكلية عن البانوراما الفكرية للعقل الايديلوجي ,

المشكلة أن هناك الكثير من المؤسسات الإعلامية المؤدلجة من غير الإسلامية مثل القنوات التي تؤمن بالشيوعية والاشتراكية فشلت أيضاً في المنافسة وذلك لأن من أسباب الفشل أيضاً هي الايديلوجيا فالإعلام المؤدلج غالباً يفشل ويعود ذلك للكثير من العوامل أهمها أن الايديلوجيا رسائلها مباشرة  ومعروفة سلفاً وهذا ما يجعل المشاهد يمل منها والفن الذي يرتبط بالإعلام بالدرجة الأولى أصبح في الوقت المعاصر يتخذ المواربة وعدم المباشرة كوسيلة للوصول وهذا ما يفقده دائماً الإعلام المؤدلج .

في الواقع أن الداعين للإعلام الديني يتناسون أنهم يستخدمون آلية مقلوبة بحيث أنهم يدمجون بين الدين والإعلام وهنا أنا لا أعترض على استخدام الدين للإعلام للوصول فهو وسيلة للحرية ولكن الاعتراض هو أن يكون الدين موجه للإعلام  هنا سيكون مآله الفشل وذلك لأن الدين لا يستطيع حكم جميع وسائل الحياة ولو كان بمقدور الدين حكم الحياة بشكل كامل لما رأينا من يزني ومن يعص ومن يسرق ومن يغتصب ومن يرتكب المعاصي الدينية فكيف يريد أن يوجه ويحكم وسيلة حياتية بشكل كامل ؟

وبالعودة للبرنامج كان هناك اعتراض للأستاذ مالك الأحمد على تكرار نجوم ( هكذا تسميهم قناة الرسالة )  معينين أمثال الشيخ عايض القرني وقال أنهم مستهلكين  وهنا اعترض الدكتور طارق السويدان وقال أن جماهيرية عايض القرني كبيرة وهو بالأخير مطلوب منه كمدير للقناة أن يحقق جانب ربحي ولهذا ضروري أن يكون عايض القرني متواجداً واستشهد بالنجاح الذي يحققه سلمان العودة في برنامجه على قناة الامبي سي الحياة كلمة  ورغم أن سبب نجاح سلمان العوده يعتبر موضوع مختلف عن ما أنا بصدد الحديث عنه ولكن استطرد طارق السويدان وقال أنه مطالب بعدم الاتكال في الجوانب المالية على سمو الأمير الوليد بن طلال فقط وان يحقق هو جزء من الدخل باعتماده على الإعلانات وغيرها  والسؤال الذي يطرح نفسه هل يمكن يا دكتور طارق السويدان أن تصل في يوم من الأيام أن تعتمد على أرباح القناة دون الاعتماد على مصدر دخل ثابت أو ممول ثابت مثل الأمير الوليد بن طلال ؟

حقيقةً لا أعتقد لاني كما أسلفت سابقاً أن لو كان هناك نجاح للرسالة فهو يعود بالدرجة الأولى لوجود مصدر وممول ثابت مثل الأمير الوليد بن طلال والذي هو بدوره نشاطاته الربحية كثيرة جداً ومتنوعة مثل قنواته الأخرى من باقة روتانا وفوكس موفيز وغيرها وأنا هنا أعني بالإعلام فقط وليس مصادر الدخل الأخرى التي يمتلكها الأمير وهذا ما هو موجود في قنوات مثل مجموعة الأمبي سي العملاقة التي لا تنافسها مجموعة أخرى في أسعار الإعلان عليها وحتى قناة إقرأ فبعد العشر سنوات من تاريخها لم نرى أقرأ أخرى ولأنها هي مثل أختها الرسالة تعتمد على ممول ثابت يصنع دخله من قنوات أخرى مثل قنوات الرياضة والشوتايم .

ولذلك لا أعتقد أن يأتي يوم تكون هناك  قناة دينية يمكن أن نقول بأنها مشروع ربحي وكل مشاريع القنوات الدينية يمكن تسميتها بمشاريع الصدقة الجارية والوقف الإسلامي لمن يريد أن يزكي أمواله من أصحاب القنوات الأخرى أو من التجار الذين لديهم طموح ديني معين ولكن سرعان ما ستختفي إذا مات هذا التاجر أو ماتت حماسته .

هذا ما أحببت أن أعلق عليه وآسف على الإطالة .