قبل أيام اجتمع رؤساء الدول العربية الأعضاء في الجامعة العربية وأصحاب المصير المشترك في قمة كانت في إحدى الأقطار العربية التي تشكل جزءاً من خارطة الأقطار العربية في دولة الكويت آسف أقصد قُطر الكويت !.
وتشاور الأعضاء في عدة مشاريع كان على رأسها موضوع غزة وما شهده هذا القطر التنتوف ( الصغير ) غزة من أعمال عسكرية إسرائيلية .
كان المقرر لهذه القمة أن تكون قمة اقتصادية ولكن لأن القُطر التنتوف غزة شهد أزمة فكان لابد من أن يتخذ أصحاب المصير المشترك قرارات حاسمة بشأنه , كيف لا وهم أعضاء في الجامعة العربية التي أسست لكي تجمع كلمة الدول العربية على رأي واحد وتجمعهم على كلمة واحدة ,
ومع أن فكرة اجتماع دول كثيرة على رأي واحد في كل شيء تعتبر فكرة سخيفة إذا ما كان هذا الاتفاق أساسه المصلحة المادية التي تعود على المتفقين إلا أن الحدث جعلني أتأمل شكل الأزمة التي يقع فيها بني يعرب في كل مرة ,
فالمصيبة التي دائماً ما تحل بهم هي أنهم في كل مشكلة يقع فيها العربي دائماً ما يبحث عن حلول لا تزيد إلا تفاقم المشكلةً وأنه حتى وإن حاول أن يؤسس حل لمشاكله دائماً ما يذهب لمسارات خاطئة فهو لا يكتفي بالمشكلة ولكن يزيدها بحلوله بلاءاً وهذا ما يحدث في هذه القمم ,
الحقيقة المرة التي تُعرف بالمتلازمة العربية هي أن النظرة العامة لمعظم تلك الشعوب الحرة الأبية هي نظرة أبعد ما تكون عن الواقعية والبراغماتية فهم في الغالب أصحاب نظرة إن سلمنا بأنها تتبع الفلسفة المثالية فهي نظرة تعتمد على العاطفة التي تُسر إذا سمعت الشعارات والمطنطنات والخطابات الحنجورية وتغضب وتثور إذا كان الخطاب الذي تسمعه خطاب واقعي عملي براغماتي ,
وطالما أن هذه هي صفات القوم فلا عجب أن يجيد الآخرون الطريقة التي يتعاملون بها مع بني يعرب ويستغلونها لتحقيق مصالحهم البراغماتية الواقعية ,
فإسرائيل قد تعترف بالهزيمة رغم أن الواقع والأرقام تؤكد أنهم منتصرين لكي يفرح بني يعرب بذلك التصريح ويتلقفوه لكي يزايدوا على أن شعاراتهم فعالة وناجحة, فلا مشكلة عند الإسرائيليين أن يعترفوا بهزيمة طالما هذا الاعتراف يزيد من مكاسبهم الواقعية ,
ففي الوقت الذي يقتل فيه ألاف البشر في لبنان وبضع عشرات تجاوزت المائة في إسرائيل اعتبر ذلك نصر للمقاومة الباسلة المناضلة الشغيفة ( تعني الشريفة بلهجة نصغ الله )
وفي الوقت الذي يموت بضع عشرات من الجنود الإسرائيليين بعضهم بنيران صديقة وأكثر من ألف وثلاثمائة قتيل وآلاف الجرحى والمصابين من الفلسطينيين يخرج علينا هنية ومشعل والرفيق احمد جبريل مهنئينا بالنصر الذي حققوه في حربهم العالمية مع الإسرائيليين وتخرج الجماهير العريضة ( على رأي عادل إمام ) للاحتفال بالنصر الإلهي للمقاومة الشريفة حماس دون أن تكون هناك حسابات واقعية لما حدث .
هذه الحروب الفلكية والكونية بين حزب الله وإسرائيل أو حماس وإسرائيل بالضبط مثل أن يكون هناك ملاكم ضعيف جداً يبارز ملاكم عالمي فحسابات الملاكم الضعيف قائمة على أساس أن الفوز يعتبر هو في التقليل من النقاط التي قد يحصل عليها الملاكم القوي وبالتالي إذا الملاكم القوي لم يحقق الرقم القياسي فإنه يعتبر ذلك هزيمة رغم انه منتصر على أية حال ولكن لأنه لم يحقق الأرقام القياسية فهو يعتبر نفسه انه لم يحقق هدفه ,
هذا ما يحدث بين إسرائيل وبني يعرب في كل مرة فبعد الرقم القياسي في هزيمة الجيش العربي في ستة ساعات والذي لم يُكسر هذا الرقم إلى اليوم فإن كل ما دون ذلك يعتبر انتصار للمقاومة العربية أي أن حرب لمدة شهر تُسقط آلاف القتلى في لبنان يُعتبر انتصار للمقاومة و هزيمة لإسرائيل لأنها لم تستطع تحطيم رقمها القياسي القديم وقس على ذلك كل الحروب التي سيخوضونها البواسل والأبطال العرب مع إسرائيل في المستقبل ,
المشكلة أن اتخاذ قرار الحرب من عدمه لا يكون بناءاً على استفتاءات شعبية أو الموازنة الدقيقة بين الوضع الحالي حتى وإن كان سيئ لكنه استقرار وبين حالة الحرب , بل قرار عشوائي لا يتماشى إلا مع الخطب الصوتية ,
وطالما الشعوب العربية سعيدة بما تحققه حماس وخاصة أهل غزة فأنا أبارك لحماس الانتصار ولأهل غزة المزيد والمزيد من الانتصارات ويسعدني أن أشاركهم فرحتهم وسأتمنى لهم في كل حرب يخوضونها أن يحققوا أهدافهم ,
عودة لأعضاء المصير المشترك فإنه للأمانة أنهم يجيدون اللعبة بدهاء ومكر فهم على المستوى الشخصي براغماتيين جداً ولكنهم على المستوى ألأممي يمارسون المتلازمة العربية ,
فمثلاً دولة ضخمة كبيرة مثل دولة قطر العظمى (ما تفعله قطر هو دور دولة عظمى ) تجيد لعب دور الاراغوز فهي لديها علاقات قوية جداً مع أمريكا وعلى أرضها اكبر قاعدة أمريكية في الشرق الأوسط .
ومن مطارها تنطلق الطائرات الأمريكية في عمليات عسكرية وتدريبات فهي تعلم أن العلاقة مع أمريكا مهمة جداً لان المصالح التي تحققها قطر من أمريكا هي مصالح واقعية براغماتية بينما تمارس في نفس الوقت الدور الآخر والذي تبيعه على بقية شعوب بني يعرب ألا وهو دور الدولة التي غاضها الحال العربي والدولة التي دائماً ما تقف بجانب الأخوة العرب المناضلين المستضعفين المساكين فبقدرة قادر تصبح قطر من دول الصمود والممانعة وتنضم إلى الرفيق سوريا ,
وكذلك سوريا بدأت تمارس نفس الطريقة فهي من تدفع وتحرض المعارضة اللبنانية وتبيعهم ( ألحكي ) كي تستفيد منهم ورقة ضغط في المفاوضات الغير مباشرة مع إسرائيل بل إنها صرحت بأن الرفيق سوريا لا مانع لديه من المفاوضات المباشرة وهي من تحرض حماس للعب نفس الدور في فلسطين وهكذا .
وأنا متأكد تماماً أن سوريا بعد عدة سنوات سنراها تعلن السلام مع إسرائيل وستبيع الورقات التي لعبت بها وكذلك إيران التي تلعب بذات الورقات في الضغط على المجتمع الغربي في مفاوضاتها بخصوص برنامجها النووي الذي شارف على الانتهاء ,
وبالعودة لجامعة المصير المشترك نرى أن هناك دول قليلة في الجامعة لا تمارس ذات الدور بل هي تعرف أن الظروف الحالية تجبرها على الدخول في سجالات من نوع معين وذلك لمصلحة شعوبها ورخائهم الاقتصادي ,
فمثلاً الإمارات تستطيع أن تجعل من جزرها الثلاث عاشوراء للتباكي وضياع الشرف العربي وأن تضحك على شعبها مثل ما يضحك عباس وهنية على شعوبهم فبدل أن يدفعوا بدولتهم للازدهار والتطور والنمو كما تفعل الإمارات جعلوها جنازة للطم اليومي فكم من قمة عقدت وكم من قنوات ونشرات أخبار وصحف ومقابلات ومؤتمرات دولية من اجل شقفة الأرض المتبقية وكم من مليارات صرفت لتسوية ليس النزاع مع إسرائيل فقط بل حتى للنزاع بين المنظمات والفصائل الفلسطينية والنزاع بين الفصائل الفلسطينية المهاجرة في الدول العربية الأخرى وحكومات تلك الدول ,
لكن لو نظرنا لبقية دول الخليج العربي الذي اعتبرها من انجح الدول وأكثر الدول براغماتية والتي دائماً تسعى لمصلحة واستقرار دولها حتى وان كانت تلك الدول الخليجية لا توجد بها ديمقراطيات باستثناء الكويت إلا إنهم يحسنون توفير الأمن والسلامة لمناطقهم وهذا ما جعل الشهيد البطل المغوار صدام حسين يغزو الكويت الشقيق طمعاً وكلنا عايشنا ورأينا بأعيننا كيف هاجروا مساكين إلى السعودية بعد أن بطش بهم صدام الهمام وأحسسنا بالمعاناة والفجيعة معهم ولولا تدخل الملك فهد بن عبد العزيز لحسم الموقف لبقت الكويت المحافظة التاسعة عشر في المحافظات العراقية إلى اليوم الغريب أنه بالعودة إلى ذلك الزمن وخصوصاً قمة القاهرة في عام التسعين لرأينا أن مطلب الملك فهد كان فقط أن تخرج القمة بإدانة للعراق فقط لم يكن يريد أي أمر آخر ومع هذا أكثر من أربع دول لم تصوت لمشروع الإدانة , أين إذا المصير المشترك الذي أزعجونا به ؟
بكل بساطة لان المصير المشترك شعار تردده الشعوب العربية ولا تعي معناه وأن الوحدة العربية مجرد هراء محض .
ولم يحرر الكويت الشقيق إلا جهود شقيقته المملكة العربية السعودية والجيش الأمريكي الذي أجبر العراقي بالقوة على الخروج ,
والإتحاد الأوروبي أساسه اقتصادي وليس مصير مشترك بدون أساس اقتصادي ولكل دولة في المنظومة الاتحادية لها فوائد مادية من الدخول في ذلك الاتحاد ولهذا أصبح المصير المشترك عندهم حقيقة وليس مجرد شعار يروج على الشعوب فما هي الفائدة التي سنجنيها نحن السعوديين من الاتحاد العربي أو حتى الإسلامي ؟
ولماذا أتقاسم ميزانية دولتي مع دولة تقع في غرب القارة الإفريقية ؟ لماذا أتحمل مشاكلهم وانقساماتهم واصرف عليهم من ميزانيتي ؟
صحيح أن لهم واجب إنساني ولكن في الحالات الصعبة أعطيهم مبلغ مالي ولكنه تبرع وليس واجب وتعتبر مساعدة لأنني لست مجبر أن أتقاسم ثروتي النفطية مع أناس أصلاً لا يربطني بهم سوا ما يقال بأنها لغة ولكن المصلحة المادية – صفر – فإذا كانت اللغة والدين توجب التضحية من اجل الآخرين لكان على أسبانيا أن تتقاسم ميزانيتها مع أمريكا الجنوبية لأنهم يدينون نفس الدين ونفس اللغة ! ,
ولهذا أنا أرى أن مجلس التعاون الخليجي هو الاتحاد المنطقي الوحيد فأعضاء المجلس مستفيدون من اتحادهم يبعضهم البعض اقتصادياً وسياسياً, وأن كل قرار في إطار توحيد الجمارك والعملة والتنقل بين مواطنين دول المجلس فيما بينهم ومعاملة كل مواطن في دول المجلس بنفس معاملة المواطن في أي دولة خليجية أفضل وأنفع مئة مرة من كل القرارات التي تخرج بها قمة الدول العربية ذات الشعارات الطنانة الرنانة .
أحب أخيراً أن أقول أني شاهدت في قناة الجزيرة أثناء تبرع أبو متعب لأهل غزة تعليق لأحد القادة في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين يقول فيه : أن ما تقدمة العربية السعودية هو واجب عليها أصلاً الثروات والميزانيات الضخمة في السنتين الأخيرتين أتت نتيجة ارتفاع سعر البترول الذي كان سببه الحرب اللبنانية وحرب غزة , فهم لا يقدمون فضل أو منه ولكنه واجبهم ولا ينبغي أن نشكر احد على مليار دولار فنفط العرب لكل العرب ! .