نشر في وسائل الإعلام مؤخراً قضية اجتماعية خطيرة ورغم أن مثل تلك القضايا موجودة في الكثير من الدول العربية والإسلامية إلا إنها قد تكون مخالفة للقوانين وتختلف هذه الدول فيما بينها في مدى فاعلية تلك القوانين والتي من المفترض أن تمنع مثل تلك الممارسات التي تعتبر انتهاكات لحقوق الإنسان بشكل عام والطفل بشكل خاص تلك القضية التي أتحدث عنها هي زواج شيخ كبير في السن بطفلة عمرها 8 سنوات في مدينة عنيزة في منطقة القصيم السعودية وتسجيل ذلك الزواج بشكل شرعي وقانوني في المملكة .

ولشرح القضية وتفصيلاتها سأذكر القصة : يوجد هناك شخص عليه دين مالي لدى شخص آخر كبير في السن وهذا الشيخ الكبير يطالب بماله من الرجل فاقترح الرجل أن يزوج بنته الطفلة ذات ألثمان أعوام لهذا الشيخ الكبير مقابل أن يخصم عليه مبلغ المهر من الدين الذي عليه .

فطبعاً تم الزواج أو بالأحرى الصفقة التي تمت بين الرجلين وكانت الضحية هي الطفلة الصغيرة وأهلها الذي ترافعوا في المحكمة لفسخ عقد النكاح المبني على صفقة مالية بين الرجلين . القاضي حكم برد الدعوى  وقال القاضي في بيانه إن الزواج شرعي وصحيح ولا سبيل لفسخ العقد .

وبالإصرار على العريس المريض قال لهم إذا طلقتها من يأتيني بمالي ؟ .

طبعاً القضية أثارت كما قلت موجة استهجان كبيرة بين المواطنين واعتراض على تزويج أطفال . طبعاً مثل هذه الأمور يستحيل أن تحدث بهذا الشكل في دول متقدمة لأن القوانين هناك تضع سن محدد قانوني يعامل الشخص وفق هذا القانون فلو كان اقل من ذلك السن يعتبر قاصر ولو كان اكبر من ذلك السن بيوم واحد يكون في حكم الراشدين.

والزواج لابد وان يكون بين شخصين راشدين وليسوا قاصرين .

يختلف ذلك السن من دولة إلى أخرى فبعض الدول ترى بأنه سن الثامنة عشرة وبعض الدول تراه الحادي والعشرين أو ما بينهما.

لكن لا توجد دولة تضع السن القانوني والذي يعتبر فيه الشخص راشد هو 8 سنوات.

فما يحدث لهذه الطفلة هو في الحقيقة تعدي وانتهاك صارخ لحق الطفل وكسر لشخصيته بشكل كبير .

في السعودية لا يوجد سن محدد للزواج استناداً لفتاوى معينة دينية لا ترى بان هناك سن محددة للزواج  وحينما راجعت الفتاوى في هذه المسألة وجدت أن هناك اختلاف كبير بي أهل العلم في هذه المسألة فمنهم من يرى ان الفتاة يمكن أن يتم تزويجها قبل سن التاسعة ولا تعطى للزوج  - لأنها سلعة في نظرهم – حتى تبلغ ومنهم من يرى بان البلوغ شرط في الزواج وأصحاب ذلك الرأي هم قلة من أهل العلم وبعضهم يرى بأن الزواج يكون صحيح حتى لو كانت الطفلة اصغر من ذلك بكثير كأن تكون عمرها سنة أو سنتين.

وآخرين يرون إن المقياس في دخول الزوج على الطفلة هو مقدرتها على الممارسة الجنسية فلو كانت مطيقة للوطء وعمرها ثمن سنوات فإنه من حق زوجها أن يجامعها  .

طبعاً معظم تلك الفتاوى تستند على ما فعلة النبي -صلى الله عليه وسلم – حينما تزوج عائشة وهي عمرها ست سنوات على حسب الروايات المشهورة ودخل بها وهي ذات التسع سنوات .

هذا هو الاستناد الشرعي للقاضي الذي برر موقفه بان الزواج صحيح لأن الرسول فعله .بالتأكيد إن الحكم الذي يكون صادر في عام 2008 لابد وان يأخذ في الحسبان المتغيرات الحادثة في العالم وان يملك المقدرة على أن يضع فقه الواقع في الحسبان لا أن يتم محاكمة أشخاص في ظروف ومتغيرات مختلفة بأحكام فيها خلاف فقهي لأزمان ماضية .

وكما إن الرسول لم يحرم امتلاك العبيد وترك أصحابه يمتلكون العبيد فهذا لا يعني أن نمارس ذات الفعل الآن حتى وان كان جائز شرعاً في ذلك الزمان لأن الظروف الحالية والمتغيرة تقتضي بان يكون الحكم متوافق مع الواقع لا أن يكون متعالي على الحاضر .

هذه القضية وهذا الحكم يدفعنا للتفكير بشكل اكبر بكثير من قضية زواج طفلة وحكم شرعي صادر بحقها بل يتعداه لمفهوم وضع قانون محدد يتم الاستناد عليه لا أن تكون الأحكام القضائية مبنية على رؤية القاضي وميله لأحد الآراء الفقهية دون غيرها .

فإن وضع قانون محدد يجرم أو يسمح بزواج الأطفال هو أساس لابد وان يكون موجود حتى نناقش ذلك القانون ولا نناقض الفعل لأن أسلوب معالجتنا للمشاكل دائماً ما ينبع من خلال تعاطينا مع الفعل وليس مع القانون .

فالكثير منا قد يعترض على حكم ما ولكن في حالة اعتراضنا من يكون الملام ؟ هل القاضي الذي حكم وفق رأيه وميوله الفقهية أم صاحب الفتوى ؟ ولهذا الحاجة الملحة التي أراها بان يكون هناك قانون محدد لسن الزواج ويكون هذا القانون بذرة لوضع قوانين محددة مستمدة من الشريعة الإسلامية فعلى الأقل تكون هناك قوانين واضحة وجلية وبالتالي تكون المناقشة  حينها على القانون الذي وضع لا على حكم احد القضاة  فالقاضي حينها ستكون وظيفته هي الحكم وفق تلك القوانين التي تم وضعها والتي تكون مستمدة من الشريعة الإسلامية .

كما أن عدم وجود قوانين محددة وترك الأحكام القضائية تستند على ما يراه القاضي مناسباً لهو مناقض لمفهوم القانون . فمن أساسيات أي قانون في العالم أن تكون بنود ذلك القانون واضحة وجلية وان لا تحتمل معاني مختلفة أو تفسيرات مختلفة. فما بالنا ونحن لدينا قوانين يتم تفسيرها بشكل مختلف من قاضي لآخر. هذه تذكرنا بالدعوة القديمة والتي لابد وان تكون فاعلة بان يتم تقنين القضاء ووضع أشكال وأطر واضحة وجلية للقوانين وتكون مستمدة من الشريعة الإسلامية لان يترك القاضي يحكم بالشكل الذي يرتأى وان تترك الأحكام للآراء والأمزجة .

نُشر في الأيام الأخيرة عدة أخبار متفرقة عن بعض رموز الحداثة في الوطن العربي مابين شعراء ونقاد وغيرهم وقد استوقفني بعض تلك الأخبار والمساجلات

فقد نشر في بعض وسائل الإعلام عن الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي بيان بأنه عازم على تشكيل جبهة لمقاومة قصيدة النثر على اعتبار أنها لا تقوم على دعائم أساسية ولا تحتوي على الموضوعات التي يجب أن تحتوي عليها القصيدة أو الشعر من وجهة نظره فهو يقول: -مؤكدا على أن الشعر والنثر نقيضان بالرغم من أن لغتهما مشتركة، إلا أن وظيفة الأولى غير مطابقة لوظيفة الثانية، فالنثر وظيفته الاتصال والإخبار والإفهام، ولغته تقوم على الاتفاق والاصطلاح والوصف والسرد والشرح والمنطق، ومن هنا فالعلم والخبر والجدل والفكر نثر، أما الشعر فهو فن مختلف قائم على الحدث والنبوءة والخيال

وبناءاً عليه فإن قصيدة النثر لا تدخل ضمن تلك الموضوعات التي وضعها الحجازي كأصنام مبطناً حديثه بأن شعراء النثر ليسوا شعراء أساساً , مجرداً حضارتنا وثقافتنا من رموز حداثية شكلت جزءاً من الإنتاج الإنساني الثقافي بشكل عام فأدونيس والماغوط و زكريا محمد ليسوا بشعراء إذا قلنا إن قصيدة النثر ليست بشعر فهل كانوا هؤلاء كتاب خواطر ؟


ثم كيف استطاع حجاي أن يجرد قصيدة النثر من الخيال والنبوءة التي وضعها كأساسات لا يجب أن تتكسر إذا سلمنا بديمومتها ؟ وهل كل قصائد النثر لا تحتوي على الخيال والنبوءة  والحدث ؟

يذكرني هذا الصراع بين حجازي وقصيدة النثر بالصراع القديم الذي كان يدور بين التقليدين وكتاب الشعر الحر والذي كان حجازي احد أهم رموزها على اعتبار انه شاعر تفعيلة  فقد كانوا يرون أن قصيدة التفعيلة لا ترتقي لأن تكون شعراً فهي بلا قافية وتكتب بشكل مختلف عن الإطار القديم للقصيدة من وزن وقافية فكان الصراع حقيقة بين التقليدين والحداثيين ولكن للأسف حداثيين اليوم يمارسون نفس الأسلوب القديم ضد حداثيين اليوم دون أن يعوا بأنهم أصبحوا بما يقدمونه  تقليديين بالمقارنة مع حداثة اليوم .

لا أعرف إذا كان كتاب قصيدة النثر سيمارسون ذات الدور على أحد الفنون المستحدثة القادمة فيتحولون من حداثيين إلى تقليدين ؟ هذا ما أكدته لي الملاسنات التي نشرت على  صفحات الجرائد في السعودية بين محمد العلي وهو شاعر قصيدة نثر ومن روادها في السعودية وعبدالله الغذامي الناقد الثقافي حيث وصف العلي الغذامي بأنه مجرد ناقد مدعِ ومعترضاً على نقد الغذامي لأدونيس والذي قال عنه الغذامي في كتابه النقد الثقافي بأنه حداثي رجعي بسبب اعتماده على آليات جديدة في النقد الثقافي أظهر فيها  الشكل النسقي لأدونيس .

فهل يعتبر العلي أدونيس صنم لا يجوز نقده ؟ أم اعتراضه على الغذامي بدافع شخصي ووظف أدونيس لصالحة ؟

مهما كانت الإجابة فإني أرى أن ما يفعله العلي وغيره ما هو إلا صورة نسقيه جعلت الحجازي يهاجم الحديث حتى لو كان ذلك المستحدث مؤثر وهو نفسه ما جعل الذين يكتبون القصيدة العمودية يهاجمون شعراء التفعيلة  فهم بالنهاية يعبرون بصوت النسق كما قال الغذامي في كتابه النقد الثقافي دون أن يعوا بأن تبدل أشكال الفنون هو أمر ضروري في الحداثة .

وهذا ناتج عن أن الحداثيين في المجتمع العربي بشكل عام هم حداثيين منتج لا حداثين مبدأ .

فغالب رموز الحداثة في الثقافة العربية هم من الأدباء أي أنهم أصحاب منتج حداثي فقط وهذا يؤكد أنهم لو أجادوا كتابة غيرها لفعلوا أي أنهم لا يملكون المبدأ الذي من المفترض أن يحملوه كرموز حداثية هو ذات المبدأ الذي كان سيجنبهم فضيحة الصراع مع ما هو أكثر حداثة من منتجهم .

نشر في موقع  السي إن إن الإخباري خبر مفاده أن ” إيران تحذر الإمارات من أن تكون منبراً لأمريكا وبريطانيا “  ويقول الخبر أن جمهورية آية الله الخامنئي أدلت بتصريح على لسان وزير خارجيتها منوشهر متقي ان بلاده تحذر دولة الإمارات العربية المتحدة من أن تكون جسر عبور لسياسات أمريكا وبريطانيا في المنطقة دون ان يحدد ماهية تلك السياسات التي تراها إيران لا تعبر عن دولة الإمارات ولكن عن أمريكا أو بريطانيا .

ويعتبر هذا تطور خطير في العلاقات التي قد تربط دول مجلس التعاون الخليجي مع الجار الفارسي حيث ان تلك التصريحات مفادها أن إيران بدأت فعلياً في لعب دور إقليمي في المنطقة وبداية لفرض رأيها على سياسات دول الجوار والتي تراها الجمهورية الإيرانية بأنها تعبر عن سياسات خارجية .

رغم أن دولة الإمارات العربية أعطت فرصة لمعظم المستثمرين من دول العالم ومن بينهم المستثمرين الإيرانيين وقدمت لهم الفرص والتسهيلات  وخصوصاً الإيرانيين التي لن ولم يحلموا بها في أي دولة في العالم أن تقدمها لهم إلا أن الإرادة الدينية المتمثلة في الرؤية الأيدلوجية التي تنطلق منها السياسات الإيرانية أبت إلا أن تعمل على منطق فرض الرأي والإساءة إلى دول الجوار دون أن يتم الالتفات للمصالح الحقيقة لبلدهم .

فالمنطق الأيديولوجي الذي يرى بأن هناك واجب قومي وديني ومشروع سياسي قائم عليه هو أسمى وأرفع من المصالح المادية التي قد تعود بالنفع على الدولة .

هذا المنطق الإيديولوجي هو نفسه الذي اسقط الإتحاد السوفيتي وهو نفسه الذي جعل الكثير من الدول تعاني الفقر والجوع والاضطهاد في سبيل القضية وفي سبيل الشعارات الرنانة الذي أبتلينا بها في الستينات والسبعينات الميلادية .

بعكس الدول التي ارتأت إلى حل تلك الإشكالات المتعلقة بالقضايا الوطنية  عن طريق الاقتصاد وتوفير فرص العمل لشعوبها ودعم البرامج الإنمائية في بلدانها وعمل نقله حضارية  اجتماعية وثقافية لواقعها . فالساسة الإيرانيين لا يعون فداحة الخطأ الذي يقعون فيه لأنهم للأسف من يعبر عن سياساتهم هم ملالي قم وأصحاب الأحلام القومية وغيرهم .

وبالتالي تم سرقة الشعب لتلك الأغراض والأهداف اللاواقعية . وعودة لموضوع المشكلة التي نشأت بين الإيرانيين والإمارتين على الجزر الثلاثة المتنازع عليها بين الدولتين إلا أن دولة الإمارات ارتأت على أن يكون حلها بطريقة حضارية وذلك برفع ملف الجزر إلى الأمم المتحدة بعد أن فشلت في دعوة الإيرانيين إلى حلها عن طريق الحوار بين البلدين .

إلا أن الإيرانيين مصرين للمضي قدماً في فرض الرأي بالقوة فبطبيعة الحال إيران لن تمارس هذا الدور الذي تدعيه على دولة إسرائيل لأنها تعلم تماماً خطورة الطرف الآخر ولكنها تعتقد إنها تستطيع إتباع أسلوب فرض الرأي على الدول التي تعتقد بأنها ضعيفة عسكرياً بالنسبة لها .

هذا يدفعنا حقيقة للسؤال عن سبب سعي إيران لامتلاك الطاقة النووية وهل هو لغرض سلمي كما تدعي أم أن الأمر يتعدى ذلك ويكون لأغراض عسكرية  ومنطق فرض الرأي على المنطقة وتصدير الثورة الخمينية إلى دول الجوار؟ وبالتالي علينا قبل أن تتطور إيران في مشروعها النووي بالدعوة لعقد مجلس التعاون الخليجي واتخاذ سياسات واضحة وجلية لإيقاف المشروع الإيراني بالتضامن مع المجتمع الدولي قبل أن تتمكن إيران من لعب دور البلطجة والذي أصبح ذلك واضحاً وجلياً في تصريحات مسئوليها وقادتها الذين لا يعترفون بقوانين المجتمع الدولي ولا بقرارات مجلس الأمن الداعي لوقف تخصيب اليورانيوم . فهل كانوا الأمريكان والأوروبيين محقين في توقعاتهم بان الإيرانيين بصدد تحويل مشروعهم النووي إلى مشروع عسكري ؟

3 ديسمبر، 2008  |  بقلم:  |  يُصنف في: كل التصنيفات

الحداثة وضرورياتها

قال لي إن الحداثة في الفن ليست مجتزأة أو مجرده عن غيرها من صور الحداثة في الحياة التي نعيشها فهي جزء من كل , لابد وان تكون متواجدة في جميع صورها . إنها عاصفة كاملة ليست مجرد مطر لوحده آو رياح لوحدها أو غيوم لوحدها بل هي عاصفة كاملة. هذه كانت كلمات صديقي الفنان التشكيلي حينما كنت أسامره في صومعته الصغيرة التي يسكن إليها وفيها هارباً من بيئة مشوهه في الخارج. بيئة بها كل شيء بشكل متناقض ففيها تجسيد وقوة للتقليدية  وفيها الحداثة ببعض صورها وأشكالها وحتى مرحلة ما بعد الحداثة بالقليل من تجلياتها . هذا الذي يحدث في واقعنا مشكلة في فهمنا لأنفسنا وذواتنا إنها مرحلة غريبة التي نعيشها ففيها صراع محتدم بين  القليدية  وبداية الحداثة والحداثة وما بعد الحداثة .

نتناقل نحن في أحاديثنا عبارات لا نعيها تماماً بل إننا نصر عليها بين فترة وأخرى. ونعتبرها من ضمن المسلمات التي من حقنا إن نضعها كمعيار يحدد طريقة تعاملنا مع حياتنا الحاضرة والمستقبلية. بينما هي في الحقيقة خاطئة إذا نظرنا لها من زاوية أخرى . فمقولة إننا نتعامل مع مفاهيم الحداثة والتي هي جزء منها بالضرورة بمعيار خاطئ يجعلنا دائماً ضحايا التناقض الغريب والذي يعود علينا بعقد تتراكم في ثقافتنا وتشكل انساقنا الثقافية .

و المشكلة إننا لا نعي خطورة تلك العبارات والتي اعتقد أنها اللبنات الأساسية في تشكل نسقنا الثقافي. فمثلاً يردد الكثيرين مقولة نأخذ ما نريده ونترك مالا نريده عندما نتحدث عن الحرية آو الديمقراطية آو أي منتجات الحداثة التي نعيشها. هذه المقولة اعتقد إنها احد أهم المعايير الخاطئة التي نضعها كمسلمات وقوانين بينما هي تشكل التركيبة المتناقضة لواقعنا وهي كما اعتقد – مع العذر للدكتور الغذامي في تحرير نظريته – أحد الأشياء التي تشكل انساقنا الثقافية والتي تضفي عليها صورة التناقض .

فكيف نستطيع أن نمارس الحرية بطريقة مجتزأة وتحت هذا المعيار في الوقت الذي نتجاهل الخطوات الأساسية والأركان التي صاغت تلك النظريات والتي أخذت سنوات كثيرة من التطوير والمراجعة في الدول المتقدمة ؟ وكيف نطالب بديمقراطية مجتزأة قبل أن نصنع البيئة اللازمة لها ؟ نحن تماماً في عملنا ذلك مثل الذي يطالب بسيارة مرسيدس قبل أن يكون هناك طرق تسير عليها وقبل آن نتعلم القيادة .

ولم تقف المشكلة عند هذا الحد بل إن المعيار الفضفاض الذي وضعناه ترك مساحة تتسلل من خلالها آليات الكلاسيكية والرجعية في الحكم على منتج الحداثة. فإن من يقيم ما نريده وما لا نريده هي مجموعة من القيم التقليدية والتي أصلاً لا تتوافق مع مخرجات الحداثة والتي هي ضدها بطبيعة الحال .

ولإيضاح الفكرة استكمل مثال السيارة الذي وضعته بأن ما يقيم نوعية السيارة التي نختارها هو معيار اختيارنا للخيل آو الناقة التي نمتطيها. فمن هنا كان الواقع مشوه ومتناقض تماماً والذي بالضرورة جعلنا نشكل نسق ثقافي مشوه وغريب لو حاولنا النظر إلى حداثتنا والتي هي جزء من الحداثة العالمية.

والواقع مليء بتلك الأشكال البائسة التي أنتجها النسق الثقافي فمثلاً في الكويت الدولة الخليجية الشقيقة توجد ديمقراطية حقيقية ومتكاملة ولكن هذه الديمقراطية تم استغلالها من قبل التيار التقليدي  فتحولت من حل لتحقيق العدالة وتقدم المجتمع إلى وسيلة لتأخر المجتمع والتعطيل لمسيرة الوطن . فمن أجل أهداف إيديولوجية لا علاقة لها بتقدم المجتمع يتم تعطيل المسيرة. وهذا نتيجة أن الأسس والبيئة الضرورية لكي تحقق الديمقراطية غايتها لم تكن متوفرة.

فالكويت مثل أي بلد عربي نامي لا يوجد به الحد الأدنى من الوعي الضروري لكي تكون الديمقراطية فاعله فيه . فأصبحت تجربة الكويت الديمقراطية مثال لما قد تؤول إليه الأمور في دولة أخرى إذا لم تتحقق البيئة اللازمة من توفير للوعي وتهيئة الواقع لاستخدام الديمقراطية .

وكذلك الأمر حينما نتمنى وجود حرية للتعبير آو تطور للفنون آو غيرها من أشكال الحداثة فلو لم نكن مهيئين بالشكل الصحيح والذي يبدأ من رفض القوانين والمسلمات التي تشكل نسقنا الثقافي والتي هي تضر بالحداثة وتخرجها بشكل مشوه ويمر بإيجاد الوعي الكافي الضروري لكل مخرجات الحداثة فلن يكن هناك فائدة من حركة التحديث التي نطمح لها .

أتذكر وأنا أكتب مقالي هذا مقولة وردت في رسالة شخصية أتتني من شخص له خبرة طويلة في الحياة ومعاصراً للكثير من التغيرات الثقافية والفكرية والتي اعتبرها إحدى أهم نتائج تلك الخبرة التي حصل عليها في حياته والتي يقول فيها ” هذه الحرية هي التي أطلقت عقال الفكر الغربي إلى منتهاه ، فاني أشبه الحرية كبندول الساعة يجب أن تترك له الحرية لكي ينطلق لليمين والشمال ، فان كنت تحد من حركتها ولا تريدها أن تتحرك إلا باتجاه اليمين فإنها ستتوقف ، فلذا فان الحرية يجب أن نقبل بها حسنها و سيئها ” في الختام أحب أن أقول أن هناك الكثير مما يجب الحديث عنه في هذا الموضوع ولكن هذا فقط مدخل لنقاش ملح وضروري  .

محمد الطويرقي

3-12-2008