قبل عدة أشهر نُشر في وسائل الإعلام احتجاجات واسعة من جهات سنية وشيوخ مسلمين سُنة عن حملات تشيع تقوم بها بعض الدول الشيعية في المنطقة مثل ايران وبعض التيارات الشيعية المتفرقة في الدول العربية والإسلامية مثل العراق وسوريا وغيرها من الدول .
والحجة في تلك الإحتجاجات ان هذا الأمر يؤثر على علاقة الدول العربية بإيران على اعتبار انها تحدث خلل في التوزيع او التوازن الطائفي في المنطقة وعلى اعتبار ان انتشار التشيع هو في حقيقة الأمر – من وجهة نظرهم طبعاً – انه تسويق لمشروع الثورة الإيرانية التي انفقت الكثير من الدول الخليجية والعربية الاموال الطائلة لصدها وإيقافها عن طريق مساعدة العراق في الثمانينات . غير ان ما يغيب عن البال ان مسألة الدعوة للتشيع ومحاربته يضع المسألة السياسية في الواجه ولكنه يتكئ على مفهوم موجود لدى قادة المجتمعات بل حتى مثقفيه بصفة عامة وهو اعتبار ان الشعوب عبارة عن قطيع يتم تقسيمة بالنسب التي يتفق عليها شيوخ المذاهب ورجال الدين وفرض الوصاية القسرية على الجميع . فلو وضعنا مبدأ محاربة المشروع الثوري الإيراني فإن المسألة لا تخرج عن كون ان رجال الدين وشيوخه بل حتى سياسيه يفرضون الوصاية الفكرية على الشعوب .
وما يؤكد كلامي هو محاربتهم لدعاوي التبشير التي تقوم بها بعض المؤسسات المسيحية في بعض الدول العربية او الافريقية . فهل هناك مشروع ثوري مسيحي ايضاً ؟ ام ان المبدأ الأساسي في كل هذا هو الوصاية اللعينة ؟
ثم أليس من حق الإنسان الذي يحمل اي دين كان او معتقد ان يدعوا لدينه ؟ اليس من حق المسلم ان يدعوا للإسلام في اوروبا ؟ وأليس من حق السني ان يدعوا لسنيته في دول كثيرة ؟ اذا لماذا يُمنع الدعوة للمسيحية في بعض الدول ؟
ثم ان حتى ايران التي متهمة بالدعوة للتشيع والتي تنادي بحرية العقيده هي نفسها لا تسمح بالدعوة للسنية في دولتها الديمقراطية على حد زعمها ؟
فلماذا هذه الازدواجية اذا ؟
ثم ان الإنسان العربي المسلم السني حينما يسمع احتجاج شيوخه على دعاوي التبشير او التشيع الا يشعر بالنقيصة في حقه حينما يجرد من فاعلية اختياره لمنهجه السني ؟
الا يشعر هذا الانسان بأنه مجرد رقم في رصيد الاعداد التي تم تقسيمها بين رجالات الدين انفسهم وقادة تلك الطوائف ؟ الا يعني هذا ان ليس هناك قيمة من كونه مسلم سني سوى انه ولد في تلك البيئة فقط وانه مجبر ولم يختر عقيدته بمحض ارادته ؟
الا يعتبر هذا امتهان لإرادة الانسان وحقه المشروع في اختيار دينه ؟
حينما يدعوا احد الأشخاص لفكرة اقتصادية معينة ثم يمنع الاخرين من طرح افكارهم الاقتصادية الا يعني هذا ان الفكرة التي يطرحها هشه ولا تحتمل وجود فكرة اخرى مضاده لها ؟
اذا لماذا لا نعتقد بنفس الامر مع المعتقدات الدينية ؟ لماذا نرى ان دعوة الاخرين لمعتقداتهم ممنوع ودعوت رجالاتنا الدينية لعقائدنا مسموح ؟
هذه إشكالية في الوعي عندنا تقوم على أساس خاطئ تماماً بحيث انها لا تضع اي اعتبار للتعددية ولا لقبول الاخر فكما ان المسلم الشيعي يرى ان دينه وعقيدته صحيحة فكذلك المسلم السني يرى عقيدته صحيحة فلكل شخص منا حقه المشروع في عرض دينه وعلى الاخرين الاختيار بالطريقه التي تعجبهم ولا وجود لدعوى مشكلة في التبشير او الدعوة لاي معتقد .
قال الشيخ د.القرضاوي انه مستاء من طريقة شيوخ الدين الشيعة الذين جلس معهم على طاولات الحوار فهم يدعون للتسامح والتآخي وقبول بعضهم البعض ولكن على كل طرف ان لا يبشر او يدعوا لمذهبه في المناطق الجغرافية للآخر فهل نعتقد انهم سيصلون في يوم من الايام لحلول حقيقية ؟ ثم يستطرد الشيخ د.القرضاوي بأنه في السابق لا يتذكر ان مصر بها شيعي واحد والآن بها عشرات من الشيعة . فلو اخذنا كلامه على انه قاعدة فمن حق اذاً قساوسة اوروبا التي بها ملاين العلمانين وملاين المسلمين ان يتذمروا بنفس الطريقة ويقولون اوروبا كانت كلها مسيحية ولم يكن يوجد علماني واحد او مسلم واحد .
طبعاً لو اتيح للقساوسة فرصة قول مثل ذلك فلن يتأخروا ولكن القانون يمنع تلك التجاوزات منهم .
كنت اتمنى ان أقرأ في المنتديات من يكتب للقرضاوي رسالة احتجاج من مسلم سني يرد بها على الاسائة المبطنة التي يوجهها له الشيخ من حيث لا يعي ويبين له انه حينما اصبح مسلم سني كان ذلك بمحض ارادته وان عقليته اختارت الإسلام السني ديناً له لانه يراه الاكثر منطقية وليس لانه ولد في مجتمع مسلم سني .
كما اني كنت اتمنى من شيعي ان يرسل لشيخه او مولاه ويحتج فيها بانه اختار شيعيته بناءاً على وجهة نظره التي تعتقد ان مذهبه اكثر منطقية .
في الاخير احب ان اقول ان اسلوب المحاصصة الذي يتبعه رجالات الدين يسيء للأفراد المتبعين لذلك الدين او المذهب اكثر من كونها رساله احتجاج فأسوأ شيء عند الإنسان أن يمارس شخص آخر وصايته على افكاره ودينه ومعتقده .
محمد الطويرقي
27-نوفمبر-2008


انا مهتم بالسياسة والثقافة العامة والكتابات الدينيةهذه المدونة أكتب فيها ما يعبر عن وجهة نظري في لحظة كتابة المقال وهذا لا يعني أنني سأبقى مقتنعاً بكل فكرة كتبتها مدى الحياةبل أن هناك الكثير من الأفكار قد تتغير وتتبدل إذا تغيرت الظروف واستطعت فهم الواقع بشكل مختلفباب النقد مفتوح على ( البحري ) سواءً في التعليقات أو في الرسائل الخاصة!





