قال لي بعد أن اخذ فنجان قهوته من تحت آلة القهوة زمان لم نكن نعرف سوى القهوة العربي وكانت أفضل من الأمريك
.
فقلت له مقاطعاً كل ما هنالك ببساطة أن القهوة العربي ارتبطت لديك بذكريات فقط والمسألة تعتمد على الذوق فأنت ألان لا تستطيع أن تعدل مزاجك إلا بقهوة العم سام التي تشربها كل يوم فأنت أصلا مدمن عليها .
تذكرت حينها أن مقولة صديقي عاشق القهوة ما هي إلا تعبير حقيقي عن ثقافة سائدة تمجد الماضي وتعبده ودائماً ما تعتقد بان ما فات هو أفضل مما هو آتي بالضرورة ويظهر ذلك جلياً مع كل اختراع أو نشاط جديد في المجتمع وقد يعتقد القارئ أن هذا الأمر محصور فقط على شيوخ وعلماء الدين حينما يحرمون معظم الاختراعات الجديدة منذ أيام البرق واللاسلكي والراديو والستالايت وغيرها من الحاجات التي أصبحت تغير شكل حياتنا ومظاهرها غير أن الأمر ليس حكراً عليهم فقط بل يتعدى ذلك ليشمل كل الناس تقريباً ويكون احد أوجه الثقافة العربية بشكل عام .
ونرى ذلك حتى في مجال الفن فالأغنية القديمة أجمل والفلم القديم أجمل وفنانون السبعينات والستينات أفضل من الجيل الذي بعدهم وهكذا والمشكلة أنهم نسوا بأن هؤلاء الفنانين أيضا كان معظم النقاد والناس ينظرون إليهم نظرة احتقار لأنهم يقارنونهم بمن قبلهم وهكذا تستمر النظرة المتعلقة بالماضي نحو كل جديد .
لا أعرف سبب ذلك الحب للأسلاف وماضيهم متجذر في ثقافتنا وهذا للأسف ما يكبل حياتنا ويؤخر تقدمنا البسيط الذي لا يبرح أن يُوجد حتى يلاقي من يحاربه ويحتقره ثم بعد مرور فترة من الزمن يصبح هو الأفضل وهو الماضي الجميل .
هناك مقطع لعادل إمام في مسرحية مدرسة المشاغبين يقول فيه بشكل ساخر ” فين مدارس زمان ؟ فين أيام رفاعة الطهطاوي وقاسم أمين ” هذا المقطع بالذات معبر جداً واعتقد أن كاتب السيناريو يعرف تماماً ما أريد قوله .
فهو يصور لنا كيف أن قبل ثلاثين عاماً كان هناك من يترحم على أيام الطهطاوي وغيرهم وانأ متأكد انه يعلم بان اليوم هنالك من يترحم على الزمن الذي كان قبل ثلاثين وعشرين عاماً وسيستمر ذلك الأمر لأن الاعتقاد بأفضلية الماضي متجذر في ثقافتنا للأسف الشديد .
ولو كان لدينا آلة للزمن نعود بها للوراء ووضعنا بها احد عشاق الماضي لوجدنا انه لن يستطيع الصبر او البقاء هناك فلن يحتمل مثلاً أن يقضي يومه دون مشاهدة تلفاز أو قنوات فضائية ولن يحتمل أيضا أن يعيش في زمن يموت فيه الناس من الأنفلونزا أو الجدري أو الطاعون أو أي من تلك الأمراض التي انقرضت وقضى عليها الطب الحديث ثم هو لن يحتمل مثلاً إذا أراد أن يتصل بأحد أصدقائه أو أقاربه أن يذهب لباب بيته ويطرق عليه ثلاث طرقات كي يخرج صبي صغير ويقول له أن أبي غير موجود في البيت وقد يأتي مساءاً ويعود صاحبنا أدراجه فهو طبعاً لن يكون يملك جوال كي يحدد موعد مقابلته مع صديقة في ساعة محددة بل في دقائق محدده
. ماذا لو أراد صاحبنا أن يستحم فهل سيستخدم سخان يعمل على الفحم أو يغلي ماء دافئ كيف يستحم به في شتاء بارد . اعتقد انه سيفضل ركوب الآلة والذهاب ليس فقط للحاضر بل للمستقبل .
خلاصة القول أن من الأفضل لنا أن نعيش واقعنا بجماله وسلبياته ونتطلع للمستقبل وأن نترك الماضي الذي رحل ولن يعود بدل الترحم عليه فلن يزيدنا ذلك إلا تأخر ورجعية وقتل لكل جديد وإبداع فاليوم مقاييس الفن اختلفت ومقاييس الجمال اختلفت فمن كانت ملكة جمال الشاشة بمعايير اليوم تحتاج لعمليات تجميل ودخلت أمور كثيرة غيرت وجه العالم ووجه الواقع بشكل كبير فليس من المنطق أو المعقول أن نحكم على الحاضر أو المستقبل بآليات الماضي واجترار كل موروث في كل مناسبة دعونا نعيش اليوم وفقط


انا مهتم بالسياسة والثقافة العامة والكتابات الدينيةهذه المدونة أكتب فيها ما يعبر عن وجهة نظري في لحظة كتابة المقال وهذا لا يعني أنني سأبقى مقتنعاً بكل فكرة كتبتها مدى الحياةبل أن هناك الكثير من الأفكار قد تتغير وتتبدل إذا تغيرت الظروف واستطعت فهم الواقع بشكل مختلفباب النقد مفتوح على ( البحري ) سواءً في التعليقات أو في الرسائل الخاصة!





