10 يونيو، 2010  |  بقلم: محمد الطويرقي  |  يُصنف في: سياسة

إلى سيادة رئيس وزراء الجمهورية التركية ………………………………………المحترم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ,

سيادة الرئيس أحب أن أهنئك على الشعبية الطاغية التي حصلت عليها في العالم العربي قاطبة , حيث أن شعبيتكم يا سيادة الرئيس لا أعتقد أنها تكررت في الشارع العربي منذ سنوات الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر , ولا أعتقد ان شعبيتكم الآن تشابه في قوتها إلا شعبية الرمز الارجنتيني الكوبي البوليفي  ارنستو تشي غيفارا .

سيادة الرئيس أنا كغيري من المواطنين العرب نشاهد تحركاتكم السياسية الخارجية الأخيرة , ونلاحظ مدى تعاظم الدور الذي تقومون به من خلال رعايتكم لمفاوضات السلام بين سوريا وإسرائيل , وتعليقاتكم القوية على بعض الأحداث السياسية مثل مقاطعتكم لجلسات مؤتمر دافوس الاقتصادي , ومثل هذه التصرفات قد تركت انطباعات معينة عندنا عن تركيا وعن حزب العدالة والتنمية الذي تنتمون إليه .

وعلى الرغم أن الفعل هو واحد إلا أن تلك الانطباعات تختلف من شخص لآخر , وبطبيعة الحال فإن تفسيراتها وبناء الأفكار عليها يختلف من شخص لآخر , ولهذا أردت سيادة الرئيس أن أكتب هذه الرساله لكي لا نسيء الفهم وتكون كل الأمور واضحة وشفافة .

سيادة الرئيس إن رجوع تركيا للعب دور محوري في الشرق الأوسط وأحداثه يجعلنا أمام سؤالين كبيرين هما:

ماذا تريد تركيا ؟ ولماذا ؟

إن إجابة تلك السؤالين سيساعدنا على فهم الواقع ومحاولة إبداء المساعدة لكم إذا كانت الإجابة تحتوي على مصالح مشتركة بيننا كدول ومجتمعات , إما في حالة كانت الاجابة تحتوي على غير ذلك فعذراً سيادة الرئيس , نحن لسنا مستعدين أن ننزل لمستويات متدنية أكثر, فنحن الآن مقيمين أسفل القاع.

إن وضعي لإحتمال تعارض المصالح نابع من تحليل شخصي لعدة مجريات تحدث مقارنة بتاريخنا العربي المعاصر , فنحن يا سيادة الرئيس دخلنا حروب كانت سبب الكثير من الاخفاقات مع اسرائيل وهي ليست بخافية عليك , كانت أولها النكبة , ثم العدوان الثلاثي , ثم النكسة , ثم العبور , وعلى الرغم أنها مجرد جوانب عسكرية إلا أنها ليست الوحيدة , فزعمائنا يا سيادة الرئيس باعونا الكثير من الشعارات في تاريخنا , وبرروا لنا تلك الاخفاقات , فإن كنت لا تعرف أن المنعطف التاريخي ومبدأ الاستقلال والسيادة , والغزو الحضاري , وسلسلة المؤامرات السياسية والاجتماعية والدينية , والتقدمية , والوحدوية , ومحاربة الماضوية , والإصلاح الزراعي والصناعي والعمالي والحيواني والخضري وبقية سلسلة المبررات كانت تساق لنا تباعاً لتبرير تلك الاخفاقات من جهة والتسلط على المجتمعات من جهة أخرى .

وكما تعلم سيادة الرئيس أن شعوبنا تواقه في كل مرة لظهور البطل والقائد المغوار الذي سيحل كل شيء , أعلم يا سيادة الرئيس أن تلك نزعة طفولية , ولكنها للأسف موجودة , وقد تكون تلك إحدى أسباب شعبيتكم الجارفه في مجتمعاتنا . يا سيادة الرئيس لقد شبعنا من قصص البطولات والعنتريات ولا أعتقد أنك تتوق لكي تكون البطل المغوار اليوم وتتحول غداً إلى مجرد أحد رموز الظاهرة الصوتية , فتلك إن حدثت فإنها ستكون طامة ليس عليك فقط ولكن على دولة تركيا الشقيقه .

سيادة الرئيس إن معيار البطولة الحقيقية هو في عدد المكتسبات المادية والبراغماتية التي نحصل عليها كشعوب , ولهذا ليست البطولة في خسارة المزيد من تلك المكتسبات , لقد تعلمنا من تاريخنا الطويل يا سيادة الرئيس أن تركيا الحديثة منذ تأسيسها على يد رمزكم مصطفى كمال اتاتورك تعاملت مع الواقع بالواقع , وتعاطت مع كل حدث بما ينسجم مع تلك النظرة , وهذا ما جعل تركيا اليوم لديها ما تفاوض عليه المجتمع الدولي والعالم , فكما تعرف سيادتك أن مشكلة العرب مع اسرائيل أن ليس لديهم ما يفاوضون به سوى المزيد من العطائات , بينما انتم لديكم المزيد من الحرمان .

أنا أعتقد يا سيادة الرئيس أن القوة الفعلية لتركيا الآن بالنسبة لما هو في صالح قضيتنا العربية ليست امكانية تركيا العسكرية وليست امكانية تركيا الاقتصادية , وإن كانت تلك تشكل فارق ولكنها ليست من الأولويات , ولكن القوة الحقيقية هي أن تركيا تستطيع أن تلعب دور الوساطة بيننا وبين اسرائيل , وأن تقدم لنا خدمات الطرف الثالث , فعلاقتكم مع اسرائيل تستطيع ان تحل الكثير من المشاكل بيننا وبين اسرائيل .

ولهذا استغرب يا سيادة الرئيس من تصاعد التوتر بين دولتكم ودولة اسرائيل , ومدى امكانية استغلال ذلك في صالحنا , سيادة الرئيس أنه ليس من المفيد لنا أن تنضم تركيا لدول المقاطعة لإسرائيل , لأن ذلك لن يشكل اي ورقة ضغط على اسرائيل طالما أن اسرائيل معتمدة على الدول المتقدمة مثل امريكا والاتحاد الاوروبي والصين وروسيا , سيادة الرئيس أن ورقة السلام مع اسرائيل المطروحة على الطاولة , تريد دفعة سياسية من دولة بمثل دولتكم , فهي ليست بحاجة إلى دولة تضاف إلى دول المقاطعة مع اسرائيل . خصوصاً أن اسرائيل اعتادت المقاطعة من الدول العربية , بل إني استطيع أن أجزم مقاطعتها زادت من اعتمادها على الاتحاد الأوروبي .

فدافع الضرائب الاوروبي والأمريكي يا سيادة الرئيس اعتاد أن جزء من ضرائبه تذهب لدعم اسرائيل منذ ما يقارب الخمسين عام , فهو ليس في موقف المعترض ولا اعتقد انه سيعترض في يوم من الأيام , لأنه لو كان هنالك نية للإعتراض لحدث ذلك خلال تلك الخمسين سنة اللعينة , ولكنها للأسف لم تحدث , ولهذا نحن يا سيادة الرئيس عمقنا من تلك العلاقه بين الغرب واسرائيل . والمثير للدهشة أيضاً أن اسرائيل استطاعت في فترة وجيزة أن تتحول من دولة شاحذة إلى دولة منتجة , تساهم مع المجتمع الدولي ومع الدول المتقدمة , بينما يا سيادة الرئيس بقينا نحن نلطم ونبكي ونصرخ ونفقد المزيد والمزيد من مكتسباتنا .

سيادة الرئيس أن علاقتكم مع اسرائيل سيكون لها دور محوري مهم في الوصول للسلام مع اسرائيل , ولهذا أريد من سيادتكم أن توضح لنا اذا كان العكس هو الصحيح بكيف يكون ذلك ؟

قد أكون انا مستعجل قليلاً وأن لديك مسببات وقراءة مختلفه للأحداث , وقد تكون تلك مجرد مناورة سياسية بين دولتكم واسرائيل , ولكن بما أنني مواطن عربي يهمني كغيري مصلحتنا الوطنية أحببت أن أعرف تلك الاجابات .

سيادة الرئيس توجد قراءة للأحداث والدور التركي مختلفه قليلاً واتمنى أن لا تكون صحيحة , تلك القراءة تقول بأن تركياً تريد الضغط على الاتحاد الأوروبي ليسمح لها بالإنضمام للاتحاد من خلال افتعال تلك المناورات السياسية مع اسرائيل ,  لا أخفيك أنها بالنسبة للكثيرين وخصوصاً البعيدين عن الحقل السياسي والقراءة السياسية تفسيراً منطقياً .

المشكلة يا سيادة الرئيس إن كانت تلك القراءة صحيحه فإنه من غير المنطقي أن أطلب منك تأكيدها أو نفيها ولكن اتمنى أن لا تكون .

أخيراً أحب أن أقول بأن خير مثال لانتشال العرب من واقعهم هو في تغير الفرد العربي وإعطائهم المثال الذي يحتذى من خلال دولة مقاربة لهم عقائدياً ومع هذا تعيش في ديمقراطية كاملة وحرية , وبها مؤسسات مدنية وحقوقية , وحياة عصرية ومنفتحة . وهذا ماهو المفروض على تركيا أن تقوم به .

شكراً لسعة صدرك سيادة الرئيس , إلى اللقاء

التوقيع : مواطن عربي خائف ومتوتر .

——————————————

 

بالمناسبة : المملكة العربية السعودية ارسلت قافلة مساعدات لغزة قبل عدة ايام ووصلت دون شوشرة ولا مشاكل

1 يناير، 2010  |  بقلم: محمد الطويرقي  |  يُصنف في: سياسة

ترددت كثيراً قبل كتابة هذا الموضوع , فالحديث عن القضية الفلسطينية هو حديث على الرغم من أنه أشبع بحثاً وطرحاً إلا أنه مايزال حديث الساعة , سواء كان ذلك الحديث رصد للأخبار المتلاحقة عنه أو تحليل وتفسير لمخرجات تلك القضية التي منذ بدايات القرن ولم يخفت صوتها أبداً , وأعتقد أنها لن تخفت طالما يتم التعامل معها على شكل سلعة يتم تبادلها في بازارات الشعوب .

 

 

إلا أن ما يجعلني اتطرق لهذا المحور الكلاسيكي والممل جداً , ليس لأنه بالنسبة لي يشكل مساحة من اهتماماتي ولكنه وسيلة يتعامل المجتمع معي بها . فمن خلالها يحاول الكثيرين جاهدين بشكل مباشر أو غير مباشر جعلي فرداً من قطيع يتم تحريكة كيفما اراد الرعاة الدينين أو السياسين . وأعتقد أن رعاة القطعان هم أكثر من لا تهمه القضية لجوهرها ولكنها تهمة لتحقيق اهداف هي بعيدة كل البعد عن القضية ذاتها . قد تكون تلك الأهداف في بعض الأحيان شخصية , أو حزبية أو مؤسساتية لا تعنيني أصلاً , ناهيك عن كونها ضد مبادئي الشخصية .

 

الذي جعلني حقيقة أكتب هذا الموضوع بشكل مباشر هو الأخبار المنشورة في الصحف العربية مؤخراً حول القرار المصري ببناء جدار حديدي على حدودها مع قطاع غزة لمنع التهريب والتسلل من خلال الأنفاق بين غزة والجانب المصري .

 

حيث أن معظم الصحف العربية ووسائل الإعلام المختلفة في العالم العربي , كانت تنشر الخبر بصياغة إيحائية أن مصر تعمل كحارس حدود لإسرائيل , وكمساعد لها في مواصلة حصار الشعب الفلسطيني المحتجز في غزة . ورغم أن الصياغة للخبر هي صياغة مؤدلجة تماماً لأنها لا تقبل احتمالية أن تكون مصر تريد حماية حدودها أصلاً من المخربين داخل أراضيها, وخصوصاً بعد أزمة خلايا حزب الله اللبناني التي تم القبض عليها داخل الأراضي المصرية والتي كانت تعمل لصالح جهات خارجية وخصوصاً إيران التي توصف علاقتها بالقاهرة بالمتوترة جداً, وهو تبرير حتى وإن كان غير مقبول إلا أنه مطروح للتفكير ويُعتبر بالنهاية تبرير , فمصر لم تبني هذا السياج على الأراضي الفلسطينية , ولم تعتدي على أحد , كل مافي الأمير انها تبني سياج داخل حدودها وعلى اراضي سيادتها القانونية والطبيعية .

 

إن المتأمل في الوضع الفلسطيني الحالي والحصار الإسرائيلي على غزة تحديداً , يدرك الأزمة العميقة لبنية التفكير العربية , سواء كان ذلك عند الفلسطينين انفسهم أو كان عند بقية العرب المتفرجين من الخارج , وحتى يتمكن المرء من الحكم وتحديد موقفه الخاص من هذه القضية , عليه أولاً أن يرى الصورة بشكلها العمومي الكامل , وأن لا يحاول فهم جانب منها بشكل مجتزء عن بقية الجوانب , أو النظر لها كأحداث منفصلة ومجتزءة من سياقها الكامل .

 

فالقضايا السياسية لا يمكننا أن نفهمها دون فهم أركانها الأساسية وأبعادها الزمنية وخصوصاً تلك القضايا التي تخرج عن نطاق اهداف السياسة الطبيعية وهي المصالح إلى أبعاد اجتماعية وثقافية ودينية ونفسية , ولهذا علينا أن نفهمها ككتلة واحدة لها بنية متكاملة , نحاول فهمها كما هي , ونكون قد ارتكبنا خطأ فادح إذا حاولنا فهمها بشكل تفكيكي تشريحي كل جانب على حدى , فهنا تصبح أولاً صعبة على الفهم وثانياً تفقد المبررات المنطقية لأحداثها , وهذا ما يجعل الكثيرين يتلاعبون بالقضية ويحولونها إلى سلعة تخدم أهدافهم ومصالحهم الشخصية وتجعل معظم الناس مجرد افراد قطيع يتحركون بواسطة اشخاص معينين أو أصحاب إيدلوجيات معينة .

 

كذلك هناك أمر هام لابد أن يؤخذ في الاعتبار عند الحديث عن القضية الفلسطينية , وهو أن هناك الجانب العاطفي الذي يركز عليه معظم العرب عند الحديث عن القضية الفلسطينية , والذي يدخل من ضمنه عناصر مثل الدين والقومية وغيرها من العناصر التي يرتكز عليها الجانب العاطفي , وهناك الجانب الواقعي والمادي والذي يتم تجاهلة في الخطاب الشعبي العربي بعكس الخطاب الغربي أو العالمي والذي يجعل الجانب المادي والواقعي هو الأساس في صياغة أي مبادرات يمكن ان تكون حلول للقضية. وهنا نقطة الاختلاف التي دائماً ما تجعل المتلقي العربي يكون في حالة رفض دائم لكل المحاولات الغربية لطرح عملية سلام أو مناقشتها . وهي سبب فشل كل المحاولات العربية في ايجاد حلول عملية وخصوصاً المطروحه من دول الاعتدال التي تكون دائماً حلولها المطروحه في حالة رفض على النطاق الشعبي العربي على الرغم من أنها تحاول التركيز على جوانب واقعية أكثر من كونها معنوية .

 

كما أن مشكلة الحلول الواقعية العربية هي أنها أولاً غير مقبولة شعبياً مما يؤثر على مصداقيتها أمام المجتمع الغربي وخصوصاً في دول جمهورية مثل مصر وغيرها وثانياً أنها لا تأخذ في الإعتبار البعد الزمني المطروحة فيه , مع أن البعد الزمني هو بعد مهم جداً في تقبل الجانب الاسرائيلي لتلك الحلول , وبعكس الجانب العربي والذي يعتبر فرض هذه الحلول شعبياً أمر أقل صعوبة نسبياً من الجانب الإسرائيلي فهي تعتمد في الأخير على شجاعة الحاكم السياسي العربي في فرض الحل شعبياً لكن في الجانب الإسرائيلي فإن ذلك يعتبر أكثر صعوبة ,لأن الحاكم السياسي هناك هو موظف عند الشعب وصل للحكم عن طريق صندوق الانتخابات ولديه وقت محدد في شغر منصبة الوظيفي ولهذا اليمين المتطرف في اسرائيل يفهم تلك اللعبة جيداً فسارع على اقرار قانون في الكنيست الاسرائيلي ينص على أن أي قرار يخص تفكيك مستوطنات أو تنازل عن أرض يكون محل استفتاء شعبي وليس قرار يمكن أن يتخذه رئيس الحكومة . ذلك يعني أن أي حاكم اسرائيلي قد ينجح في الانتخابات مستقبلاً لا يستطيع التوقيع على اي اتفاقية سلام يمكن من خلالها التنازل عن مساحة من الارض كما فعل ارئيل شارون في آخر ايامه حينما انسحب من غزة وفكك المستوطنات بشكل اجباري .

 

ولهذا البعد الزمني لطرح أي حلول سلام يعتبر مهم بل يعتبر محوري لابد من أن يأخذه الجانب العربي بعين الاعتبار . ففي السابق مثلاً وأعني قبيل حرب 67 التي انهزمت فيها الجيوش العربية كان التفكير بمجرد عمل سلام مع اسرائيل على أي شبر من الأرض العربية يعتبر خيانة وطنية كبيرة , وذلك لأن الشعوب العربية بما فيها السياسيين كانوا غير مستعدين أصلاً بالإعتراف بحق اسرائيل في الوجود من حيث المبدأ , كما أنهم كانوا على ثقة كبيرة بأن المعركة ستكون من صالحهم , غير ملتفتين أصلاً للواقع ولموازين القوى التي كانوا يجهلونها في وقتهم , وكانت أهدافهم طموحة أكثر من اللازم , ولكن بعد الحرب أو كما يسمونها النكسة , أستغرق الأمر مابين الست سنوات إلى السبع سنوات أي حتى حرب العبور في عام 73 لإستيعاب أن إسرائيل أصبحت واقع وتمتلك القوة الكافية لردع كل دول المنطقة إذا ماكان هناك تهديد لوجودها , وعلى الرغم من أن اسرائيل دولة معترف بها دولياً وعضوا في الأمم المتحدة منذ عام 48 إلا أن أول خطوة قامت بفعل إيجابي واقعي من السياسيين هي عملية السلام بين مصر واسرائيل بعد حرب العبور وهي ما يعرف باتفاقية كامب ديفد التي ابرمها الرئيس المصري السادات مع الجانب الاسرائيلي . طبعاً تلى ذلك الاتفاق قطيعة مصر مع بقية دول الجامعة العربية وعلقت عضوية مصر عشر سنوات تقريباً في الجامعة العربية ,

 

لأن السادات حتى وإن كان متأخراً في عقد تلك الاتفاقية إلا أنها تعتبر خطوة جريئة وبراغماتية جداً , لقد ادرك السادات حينها بأن الانتصار الذي حققه في 73 كان مجرد انتصار معنوي أكثر من كونه انتصار فعلي , فعبور جدار برليف لم يكن يعني تحرير سيناء من قبضة الاسرائيلين وان اسرائيل كانت تريد وقت اطول حتى تبني مستوطنات جديدة في سيناء لتكون ورقة ضغط إضافية على مصر في المستقبل إذا كان هناك محاولة لعمل سلام أو طرح حلول , هذا ناهيك على أن العرب قد اعتبروا حرب الـ 73 انتصار ( مثل اعتبارهم حرب تموز بين حزب الله واسرائيل انتصار ) لأن الجيش المصري تخطى جدار برليف ودخل 20 كيلو متر شرق قناة السويس ولأن الجيش السوري دخل في عمق الجولان وهذا كان في بداية الحرب أما في نهايتها فإن الجيش الاسرائيلي عبر للجانب الغربي من قناة السويس والتف على الجيش المصري وقام بطرد الجيش السوري من هضبة الجولان , هذا ما جعل السادات يدرك حقيقة أن الانتصار المزعوم لم يكن انتصار فعلي على أرض الواقع وإنما كان مجرد انتصار معنوي .

 

ولهذا سارع السادات بكل جراءة وشجاعة لعقد اتفاقية كامب ديفد واسترد من خلالها سيادة بلادة على أرض سيناء كاملة والسماح للسفن التجارية بالعبور من قناة السويس واسترد جزء مهم من إحدى دعائم اقتصاده الوطني , في المقابل واجه السادات حرب شرسة من قادة الدول العربية الأخرى وتم تخوينه علانية في الخطابات الشعبية وعلى وسائل الإعلام العربية وخصوصاً السورية لأنه عقد الاتفاقية مع الاسرائيلين ولم تشمل اتفاقيته ولا حتى في مراحل مفاوضاته بقية القضايا العربية الأخرى , فهو بالنهاية أراد تحقيق مكاسب وطنية تخص مصر وحدها لا بقية العرب .

 

لقد تعلم السادات من حروب أعوام 48 و 56 و 67 وبقية المناوشات العربية التي دارت مع الاسرائيلين أن وجود أكثر من طرف عربي في الصراع لا ينبغي أن يكون طرف في عمل اي اتفاق , لأن السياسة لابد وأن تكون قائمة على المصالح وليست على الشعارات , ولأن بقية الاطراف العربية أصلاً تقتات على الشعارات وتغيب عنها النظرة الواقعية للأمور فإنها بطيبعة الحال ستكون معرقلة لأي مكاسب مادية حقيقية لأنه ببساطة هناك لغتين مختلفتين بين طرفي الصراع , فالعرب خطابتهم عاطفية غير واقعية وبسببها يخسرون كل شيء وأي شيء والاسرائيلين براغماتيين وواقعين ولهذا فهم يكسبون من أي شيء كل شيء .

 

*******

إن الواقع الفلسطيني في غزة هذه الأيام هو واقع صعب جداً حقيقة على كل الجوانب وخصوصاً الجوانب الانسانية . فالحصار الذي تفرضة إسرائيل على القطاع يمنع دخول المساعدات الإنسانية والاحتياجات الأساسية الطبيعية , عوضاً عن الكماليات التي تحتاجها الأسرة .

إن هذا النوع من الحصار في الحقيقة هو مرحلة متقدمة من تأزم الصراع العربي الإسرائيلي , مع العلم أنه كانت هناك مراحل سابقة لهذا الوضع كانت كفيلة بتحسين الأوضاع وانفراج الأزمة وحلول سلام كانت قريبة من التحقق لولا حدوث موجات سياسية معينة وشعبية أدت إلى تراجع وتقهقر مسار التقدم المفروض والعودة للمربع الأول , ولهذا أرى أنه من الأولى عند الحديث عن الحصار على قطاع غزة هو معرفة الدوافع الذي أدت لهذا الحصار , ليسهل علينا حينها الحكم على الأمور بمنظور لا أدعي أنه حكم موضوعي ولكنه على الأقل أقرب للموضوعية ,

إن الحصار على غزة أتى بعد ما يسمى الحسم العسكري لحماس على غزة ف

ي عام 2007 وبعد المناوشات التي حدثت بين حركتي فتح وحماس انفصلت حماس عن السلطة الفلسطينية واعلنت حكمها على القطاع , هنا دخلت اسرائيل على الخط وقامت بفرض الحصار على القطاع , ولأن حماس أصلاً مصنفة دولياً على أنها منظمة إرهابية , وقانوناً فإنه لا يمكن للحكومات الأجنبية بمساعدة الحكومة إذا ماكانت تلك الحكومة مشكلة من قبل منظمة مدرجة على لائحة الإرهاب العالمي . فإن حماس بوصولها للحكم عن طريق الانتخابات فإنها حرمت الشعب الفلسطيني من المساعدات الأجنبية وخصوصاً المساعدات التي تمنحها الدول الاسكندنافية والتي هي من أكبر الداعمين للفلسطينين , ولأن أصلاً الشعب الفلسطيني يعيش على المساعدات الدولية فإن الوضع أثناء حكومة حماس كان مأساوي حقيقي , ومن الطريف التنوية إلى تناقض غريب تقع فيه حماس بحيث أنها لا تعترف باتفاق أوسلو الذي افرز الانتخابات الفلسطينية التي اوصلت حماس للحكم , فهي تناقض شرعيتها بنفسها فكيف تحتج بشرعيتها الديمقراطية في الوقت الذي لا تعترف بالاتفاق الذي افرز تلك الشرعية ؟! .

 

إن وصول حماس للحكم عن طريق الانتخابات هو في الحقيقة وصول ديمقراطي سليم لا غبار عليه , لكن معظم الغاضبين الآن من المجتمع الغربي في حصارة لحكومة حماس على الرغم من أنها وصلت بشكل ديمقراطي , يتناسون أن الديمقراطية هي مسؤولية قبل أن تكون حرية , بمعنى أن الناخب الفلسطيني قبل أن يمارس حريته الديمقراطية الطبيعية والتي هي حق من حقوقه الإنسانية فإن عليه أن يعلم أن من سيرشحه سيكون ممثل له ليس فقط داخلياً ولكن حتى خارجياً , وطالما أن الناخب الفلسطيني حياته معتمدة اعتماد كامل على المساعدات الأجنبية فإنه ليس من المعقول أبداً لو ذهب لترشيح حزب سياسي سيمنع الآخرين من مساعدته , إن انتخاب الشعب الفلسطيني لحماس هو في الحقيقة إعلان حرب مع إسرائيل أولاً ومع الغرب ثانياً .

 

إن الواقعية مهمة أصلاً في التعامل مع صندوق الانتخاب , ولا معنى أبداً أن يلوم الناخب الآخرين إذا كان تمثيله الشعبي رافض لهم, حتى وإن كانوا معتدين عليه , وعلى سبيل المثال لو اختار الشعب الألماني حزب نازي لحكمه فإنه بهذا الاختيار فإنه يعلن الحرب ببساطة .

 

أنا هنا لا أنزه اسرائيل عن الجرائم التي ترتكبها كل يوم ضد "المدنيين" الفلسطينين ولكن الحياة الواقعية تقول بأن الصراع هو عبارة عن اقتناص فرص , فلماذا اعطاء العدو فرصة لتبرير جرائمه ؟

هناك شريحة كبيرة من العرب والمسلمين فرحوا بهجمات 11 سبتمبر على الولايات المتحدة الأمريكية وفي نفس الوقت غضبوا من هجمات الولايات المتحدة الامريكية على افغانستان والعراق , وفي الحقيقة أنهم لا يحاولون الوقوف على التناقض الذي يقعون فيه دوماً وهذا كله نتيجة العاطفة التي تتحكم دائماً في قراراتهم المصيرية .

 

قد يقول قائل ولكن هجمات نيويورك كانت جزء من الرد على الدعم الامريكي لاسرائيل , وهنا أقول حتى ولو كانت تلك الهجمة جزء من الصراع ولكن المسلمين الآن في موقف الضعيف وليس في موقف الند للغرب أو الولايات المتحدة الأمريكية , أما إذا اختار المسلم أو العربي أن يكون في موقف الضد فعليه تحمل تبعات ذلك الموقف لا أن يتباكى على ما يحدث .

 

على نفس المنطق فإنه ليس من المعقول أن تنفصل حماس بقطاع غزة عن السلطة الفلسطينية وتحكمها بشكل مستقل ومن ثم تطالب اسرائيل بعدم الحصار أو تطالب الدول الغربية بدعمها أو مساعدتها , لأنه حتى وإن كان لدى اسرائيل أي تردد في ارتكاب أي جريمة ضد الشعب الفلسطيني كون أن السلطة الفلسطينية وحركة فتح جزء من الشعب الفلسطيني وهي غير ارهابية في نظر الغرب فإن حماس في حكمها على قطاع غزة وانفصالها عن حركة فتح فكأنها تقول لاسرائيل لا تترددين في ارتكاب جرائم ضدي لأني هنا أقف لوحدي والسبب الذي يجعلكِ مترددة قد انتفى .

 

وبدل أن تعمل حماس على التهدئة مع اسرائيل ومحاولة فك الحصار عن القطاع بطرق سلمية كونها الطرف الأضعف فإنها عملت على فك الحصار عن طريق اطلاق الصواريخ من غزة على اسرائيل , في عملية غريبة وفي الوقت الذي تحاول فيه السلطة الفلسطينية استكمال عملية السلام والمباحثات حوله , فإن حماس عملت على افساد ذلك الأمر عن طريق اطلاق الصواريخ فأعطت الفرصة والمبرر لاسرائيل لتنفيذ تهديداتها باسكات الصواريخ فما كان إلا المجزرة التي حدثت في القطاع في عام 2008 والتي اسفرت عن سقوط آلاف القتلى والجرحى والذي بدوره أعتبر أنه انتصار لأنه كان بلغة العرب صمود ! , هل كان مثلاً سيكون غير ذلك ؟

 

ومازال الحصار مستمراً وبعد كل هذه الأحداث تصر حماس على مواصلة حكمها للقطاع واستمرار حصار اسرائيل للقطاع حتى تنهك حماس لأكبر وقت ممكن , الغريب أن حماس وكل العرب سابقاً يتناسون عنصر الوقت الذي لم يكن في صالحهم منذ 48 وحتى اللحظة , فإنه سلاح بيد اسرائيل لكسب المزيد من الأراضي لبناء المستوطنات والمزيد من أوراق الضغط التي تمارسها على المجتمع الدولي وعلى العرب .

 

*******

 

في بداية التسعينات من القرن الماضي عقد الرئيس الراحل ياسر عرفات اتفاقية أوسلو للسلام في واشنطن , وكانت تلك خطوة متقدمة جداً في سبيل إيجاد حل نهائي وجذري للقضية الفلسطينية لولا تعنت الجانب الاسرائيلي بعد ذلك في اتفاقية كامب ديفد2000 , والتي كان محورها الأساسي قضية القدس الشرقية كعاصمة للدولة الفلسطينية . قبل التطرق لها أحب أن أوضح بأن اتفاقية أوسلو كانت اتفاقية تحوي الكثير من المكاسب للدولة الفلسطينية , إن بنود الإتفاقية كانت فعلاً حقيقية وتحمل إيجابيات كثيرة كان يمكن استثمارها لولاً ان كامب ديفد2000 كانت تحتاج لحاكم اسرائيلي قوي مثل اسحق رابين والذي دفع ثمنها حياته من قبل المتطرفين الصهاينة إنجاحها , , لكانت القضية الفلسطينية الآن أصبحت من قضايا التاريخ , لأنه بعد اتفاقية أوسلو التي ضمنت بأن اسرائيل والمجتمع الدولي سيعمل على بناء دولة فلسطينية ومساعدتهم على تكوين مجتمعهم المدني ومؤسساتهم الحكومية من برلمان ومجلس وزراء وشرطة قوية وبنية تحتية وخدمات كاملة وميناء ومطارات ومراكز تجارة حرة والكثير من المكاسب الواعدة حدثت قمة كامب ديفد2000 والتي رفض التوقيع عليها الراحل ياسر عرفات وكان مت تبعاتها هو اعتقاله في منزلة وعدم السماح له بالخروج مما تلى ذلك انفجار للانتفاضة الثانية التي عملت على إيقاف كل شيء .

 

فبعد عام 93 وبعد توقيع اتفاقية اوسلوا بدأت منظمة التحرير الفلسطينية بعمل انتخابات حرة ونزيهة وبإشراف دولي والتي فاز فيها الراحل عرفات , وبدأت الشركات الأوروبية والأمريكية بالدخول لفلسطين وعمل الخدمات اللازمة والبنية التحتية , فمطار غزة على سبيل المثال بنته ايطاليا على نفقتها الخاصة , والنرويج عملت على مد الطرقات وكان المهندسين النرويجين يعملون في الطرقات الفلسطينية لعمل شبكة الطرق , والدنمارك والسويد عملواعلى بناء المدارس والمستشفيات وغيرها من الخدمات , وكان الشعب الفلسطيني يرى ذلك كواقع خلال يومه الذي يعيشه , بل حتى اليابان ساعدت في بناء بعض الجامعات وغيرها بتمويل مباشر من حكومة اليابان , كبرامج انسانية .

 

وبطبيعة الحال كعادة العرب فإنه بعد اتفاقية اوسلو فإن ياسر عرفات أصبح في نظر الشعب العربي مجرد عميل وخائن لأنه قبل بالاتفاقية وحاول الدخول في حل منطقي للقضية وتأسيس دولته وكسب الوقت بدل الضياع الحاصل لكل مكتسباته التي كان سيحصل عليها , وقد شنت وسائل الإعلام العربية عامة والسورية خاصة كعادتها حرب شعواء لتشويه صورة ياسر عرفات ووصمه بالخيانة وغيرها , ولم تقف تلك الحملة حتى فشلت المفاوضات في كامب ديفد2000 واعتقال ياسر عرفات في منزله وضاعت أهم مكتسبات أوسلو , هنا فقط أصبح عرفات مناضل وتوقفت تلك الهجمة التي لا يمكن وصفها سوى بأنها غوغائية .

 

في النهاية إن موقفي من الحصار على غزة لا يمكن أن يكون خارج هذا السياق وماهو إلا تعبير عن قراءتي للقضية الفلسطينية "الدوشة" , صحيح أنا ضد حصار الجميع وعقاب الجميع ولكني أيضاً لا أحمل اسرائيل كامل المسؤولية عن ما يحدث في غزة , ولكن حماس تشترك مع اسرائيل في ذلك كونها رضت بأن تتخلى كحركة مقاومة عن المقاومة المسلحة وقبولها الانخراط في العملية السياسية وهي تعلم علم اليقين ما يترتب على ذلك الأمر من مخاطر تقع على كامل الشعب الفلسطيني .

 

كما أن موقفي من حماس هو موقف جوهر لا موقف شكل أو أسلوب , فحماس هي جزء من ايدلوجيا تقول بأن حياة الإنسان ماهي الا مجرد عبور لحياة الآخرة , وأن الأصل هو حياة الآخرة , وأن الجهاد هو لغة الحوار مع المعتدي حتى وإن كان الواقع ليس في صالح المعتدى عليه ,

 

وكون أصلاً ايدلوجية حماس هي إيلوجيا مثالية تفترض أن المكاسب المعنوية أهم من المادية , وإن كرامة الإنسان في موته لا في حياته ووطنه ودولته وحريته , فإن موقفي مبرر .

 

اتذكر مقولة لا أعرف نصها ولكن معناها يقول : أننا نقاتل لنموت وأنتم تقاتلون لتحيون , وهي شعار يقال في الخطابات الجماهيرية المحمسة , هذه المقولة تعبر بعمق على أن العقلية العربية أصلاً تتحدث بلغة لا يفهمها بقية العالم , فالعبارة بالنسبة لي مسيئة لقائلها لا لمن تقال له . لأنني أؤمن بان الله خلقنا لإعمار الأرض والعيش عليها , وخلق الأرض لنا لكي نحيا عليها لا لكي نموت من أجلها , فهي مسخرة لنا ولسنا مسخرين لها .

 

وفي السيرة النبوية الطاهرة تعلمنا من خاتم الأنبياء والمرسلين بأن الاتفاق مع العدو وعقد الصلح هو من صميم ديننا الذي نزل لينقذنا من النار ويهيء لنا حياة كريمة على الأرض , فحينما كان المسلمون في عهده صلى الله عليه وسلم في حالة ضعف لم يكن ليغامر بحياتهم ويحارب لخسارة مكتسباته , فقد صلى الله عليه وسلم مدرسة في الواقعية لا الخيالية , فهو قد بقي مع كفار قريش 13 سنة لم يحاربهم ولم يجاهدهم بالسلاح , لأنه كان هدفه صلى الله عليه وسلم الحفاظ على ارواح أصحابه رضي الله عنهم وتحقيق غاية ربه من بعثه وهو تبليغ دعوته المباركة .

 

محمد الطويرقي

——————

نص اتفاقية أوسلو

15 أكتوبر، 2009  |  بقلم: محمد الطويرقي  |  يُصنف في: سياسة, قروشة

نعاني نحن في مجتمعاتنا العربية “النامية” عامة والمجتمع السعودي خاصة من ازدواجية الانتماء , فنحن كسعوديين ( أو سعوديون ) لا نعرف حقيقة هل نحن ننتمي إلى كيان الدولة “المملكة العربية السعودية ” أم إلى كيان “الأمة الإسلامية “, أم نحن ننتمي إلى الاثنين معاً .

هذه المشكلة تتجلى بشكل واضح حينما يقف أحدهم مخاطباً الجمهور , فتارة يخاطبهم بصيغة ” الأمة الإسلامية ” وتارة يخاطبهم على أنهم ” مواطنون ” .

الأمة الإسلامية

المشكلة أن معظمنا كعوام لا نعرف ولا نعي ورود هذين المفهومين في الخطاب الواحد , فنجد أن تطبيقات ذلك المفهوم لدينا  يوقعنا في مطب الازدواجية والتناقض في حالات كثيرة.

وللأسف أن عمومنا نتجاوز  ذلك المفهوم ونمارس التناقض بشكل لا يدعونا إلى الوقوف قليلاً والتفكر في التناقض الذي نقع فيه.

لاحظت أن هناك سياقات محددة لكل مفهوم ” الأمة والدولة ” وغالباً ما يكون كل مفهوم متحصن في سياقه المنفصل عن سياق المفهوم الآخر.

وأستطيع أن أجمل تلك السياقات داخل نطاقين تكون فيها على درجة عالية من الوضوح .

تلك النطاقين هي ( السياسة , و الاقتصاد ) .

السياسة :

هناك سياقين رئيسين في نطاق السياسة يرد في كل واحد من تلك السياقين مفهوم الأمة ومفهوم الدولة .

السياق الأول هو السياق الشعبي العاطفي , وهو السياق الذي يكون فيه المُخاطِب غالباً ما يريد أن يحصل على دعم الجمهور مستخدماً في ذلك النزعة الدينية لتحقيق أهدافه . سواءً كانت تلك الأهداف التي يريدها شخصية أو أممية ولكنها سياقات ترد دائماً في نطاق السياسة وانعكاساتها تكون في نطاق السياسة فقط .

والخطابات الصادرة دائماً من الحكومات الثورية أو الحركات السياسية الثورية  أو الأحزاب التي تكون أجندتها السياسية مبنية على الفكر ألأممي دائماً ما تستخدم مصطلح الأمة  .

حتى لو كانت تلك الأحزاب تريد تحقيق أهداف وطنية داخلية , كأن تريد مثلاً الترويج لبرنامجها الانتخابي أو الحزبي .

بل حتى إذا كانت تلك الأحزاب تمارس السلطة فإنها دائماً ما تعتمد على مفهوم الأمة في التعبير عن ذاتها طالما أن ذلك لا يخرج عن النطاق السياسي.

السياق الآخر هو سياق التعامل الواقعي مع الدول الأخرى وخصوصاً إذا ترتب على ذلك التعامل مكاسب سياسية فهنا يُستخدم مفهوم الوطن ” الدولة ” بدلاً عن مفهوم ” الأمة “.

أي أن استخدام المفهومين في نطاق السياسة يعتمد أساساً على المكسب الذاتي . فإذا كان المكسب السياسي يأتي من الجمهور فإن المفهوم المُستخدم هو الأمة , وإذا كان المكسب يأتي عن طريق دول أخرى فإن المفهوم المُستخدم هو الوطن “الدولة” .

الاقتصاد :

أستطيع القول بأن مفهوم الوطن ” الدولة ” هو المتسيد في هذا النطاق . فالمُخاطِب يستخدم هذا المفهوم إذا كان الحديث عن الاقتصاد كأن يكون الحديث مثلاً عن تبرعات دولية أو دعم حكومي أو حتى انعكاسات اقتصادية على الخدمات ويختفي تماماً مفهوم الأمة في هذا السياق فأنا لم اسمع في يوم من الأيام وزير اقتصاد أو مالية في أي دولة عربية أو إسلامية يتحدث مستخدماً صيغة ” الأمة ” أو حتى وزير عمل أو وزير خدمة .

السعودية - Copy

ونحن كمُخاطَبين لا نحس غالباً بالفرق .

اعتقد أن سبب ذلك يعود إلى المُخاطَب لا إلى المُخاطِب , وذلك لأنني أعتقد بأنه لا يوجد فينا شخص مستعد بأن يكون لانتمائه ألأممي انعكاس على حياته الاقتصادية وتبعات سلبية .

ويظهر ذلك واضحاً في مشكلتنا مع السعودة وتوطين الوظائف وخلق فرص عمل للمواطنين وإحلال السعودي مكان الأجنبي رغم أن ذلك الأجنبي هو جزء من الخطاب السياسي الشعبي “الأممي” ولكنه يختفي تماماً في اللغة الاقتصادية لغة الأرقام والمكاسب . فنجد أن الفرد منا ينزع نحو التجزؤ أكثر في حالة الخطاب الاقتصادي وغالباً يقف ذلك التجزؤ عند حدود الوطن ” الدولة ” .

الإشكالية تكمن في أنه من المفترض أن يكون الخطاب السياسي متجانساً مع اللغة الاقتصادية وان تكون كلا النطاقين مترابطين في الحديث .

فإذا كنا نحن كمُخاطَبين تتحرك عواطفنا وتتفاعل حواسنا و أفكارنا مع الخطاب ألأممي السياسي ونخرج في مظاهرات مرددين هتافات أممية. وننادي حكوماتنا بتحمل المسؤولية السياسية بل حتى العسكرية من أجل أهداف أممية فلماذا نغضب ونمتعض في حالة انعكاس تلك الشعارات الأممية على حالتنا الاقتصادية ؟

هناك نطاقات كثيرة تكون فيها ازدواجية ليست فقط السياسة والاقتصاد بل حتى الثقافة والاجتماع  فهي كلها مترابطة ومتداخلة لحد بعيد . والشواهد كثيرة في هذا الموضوع .

هذه مجرد خاطرة لفتت نظري للتناقض أتمنى أن تتبلور أكثر وأعرف هل أنا مواطن في دولة أم في أمة أم في كلاهما معاً . وماذا ينعكس على حياتي في كلا الحالات ؟

تحدثت في مقال سابق لي عن أن الديمقراطية تحتاج لأرضية ثقافية معينة حتى تستطيع أن تعمل بشكل صحيح وحتى أن تكون الديمقراطية وسيلة للتطوير وليست وسيلة للتعطيل , غياب تلك الأرضية والتي أراها ضرورية يحول الديمقراطية من وسيلة للتطوير والتقدم إلى وسيلة للتعطيل والتأخر ,  تعصف بالكويت في الأيام الحالية أزمة سياسية عويصة فما بين نواب في البرلمان يطالبون باستجواب الحكومة إلى رفض من قبل الحكومة للمثول أمام النواب للاستجواب وتقديم استقالتها عوضاً عن قبول الاستجواب ,

وفي خلال تلك الصراعات يقف أمير البلاد في الوسط محاولاً مسك العصا من المنتصف فمرة يقبل باستقالة الحكومة ومرة يأمر بحل البرلمان وإعادة تشكيل البرلمان وفي مرات أخرى يلوح بتعطيل الدستور وأخذ قرارات غير دستورية  محاولاً التوفيق بين برلمان وحكومة . إلا أن تجربة الديمقراطية الكويتية تحتاج لإعادة نظر مهمة وذلك لاستقراء تلك الأحداث من خلال المنظور الثقافي لها , يوجد في البرلمان الكويتي عدة تيارات متناقضة فيما بينها فهناك تيار سلفي وتيار إخواني من جهة وتيار ليبرالي وعدة أطياف أخرى مستقلة وأعني بمستقلة أنها لا تصنف نفسها تحت أي تيار .

ما يهمني الحديث عنه هنا في هذا المقال هو التيار السلفي الذي دخل العملية الديمقراطية رغم الغرابة في ذلك , مصدر الغرابة هو موقف الفكر السلفي من العملية الديمقراطية  فالسلفية كانت تحرم الديمقراطية وتعتبرها الحكم بغير ما انزل الله وفي ذلك كتب الكثير من شيوخ السلفية حول العالم فتاوى تحرم الديمقراطية والخوض فيها والقبول بالدخول تحت نظامها وأحكامها

ففي موقع الشيخ سفر الحوالي وهو سلفي معروف بتطرفه في آرائه يقول : < بالنسبة لنا نحن المسلمين فتعتبر الديمقراطية كفر , الديمقراطية شرك >

ويقول الشيخ سفر معللاً حكمه استناداً إلى تفسيره لآيات قرآنيه يعتقد أنها الدليل على كفر وشرك الديمقراطية حيث قال : < لأنه وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44] فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ [النساء:65] ويقول عز وجل: ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الجاثية:18] هؤلاء لا يعلمون، فالتحكيم الديمقراطي هو اتباع لأهواء الذين لا يعلمون، أما نحن فإنما أمرنا وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ [المائدة:49] فديننا والحمد لله هو تحكيم كتاب الله وسنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أما هذه الديمقراطية فهي كفر وشرك كما بينا والمجال لا يتسع للتفصيل. >

وكلام الشيخ سفر الحوالي لا يختلف كثيراً عن الشيخ العثيمين الذي قال في فتاويه < الديمقراطية نظام أرضي ، يعني حكم الشعب للشعب ، وهو بذلك مخالف للإسلام ، فالحكم لله العلي الكبير ، ولا يجوز أن يُعطى حق التشريع لأحدٍ من البشر كائناً من كان .>

بعد هذه الأحكام القطعية التي أصدرها بعض شيوخ السلفية في العالم نجد أن هناك من السلفيين من دخل في اللعبة الديمقراطية ورشح نفسه لدخول البرلمان الكويتي وهو يعلم حرمة ذلك العمل وهنا على الناخب الكويتي أن يتساءل لماذا أصوت لشخص دخل عملية سياسية يراها حراماً ؟ ألا يكون ذلك سبب منطقي بعدم التصويت لمن هو متناقض في مواقفه وآرائه وأحكامه ؟

في الحقيقة أن التيار السلفي دخل العملية الديمقراطية من مدخل فقهي محدد ومعين وإجابة السؤال السابق هو في الفتوى الذي أفتاها الشيخ العثيمين نفسه .

حيث يقول في فتواه : < سئل الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله عن حكم الانتخابات ، فأجاب : “أنا أرى أن الانتخابات واجبة ، يجب أن نعين من نرى أن فيه خيراً ، لأنه إذا تقاعس أهل الخير ، مَنْ يحل محلهم ؟ سيحل محلهم أهل الشر ، أو الناس السلبيون الذين ما عندهم خير ولا شر ، أتباع كل ناعق ، فلابد أن نختار من نراه صالحاً . >

أي أن الشيخ معتقد أن الديمقراطية حرام وأنها حكم بغير ما أنزل الله ولكن في حالة وجد هذا النظام في دولة معينة فبالتالي يجب أن يدخل أهل الصلاح من وجهة نظرة للبرلمان حتى يغيروا المنكر حتى يفتح الله عليهم ويستطيعون أن يحكموا بما أنزل الله من وجهة نظره .

من هنا نستطيع فهم لماذا يطالب دائماً النواب السلفيين باستجواب الحكومة بشكل متكرر لأنهم يعرفون أن الحكومة ستقدم استقالاتها ولن تقبل بالاستجواب  فتتعطل العملية السياسية بشكل مستمر وأن تتأزم الأوضاع وتقف الحياة الاقتصادية وبالتالي تظهر العملية الديمقراطية أنها وسيلة فاشلة للحكم ويخلوا لهم المسرح السياسي حتى يمارسون فيه أسلوبهم في الحكم  تحت الوصاية الدينية التي يحاولون فرضها في كل مناسبة .

فنفس الأفكار ونفس التيار حينما فاز في الانتخابات التشريعية في الجزائر ممثلاً في جبهة الإنقاذ الجزائرية أعلنوا في أول يوم بعد الفوز بأنها ستكون آخر مرة تقام فيها انتخابات لأنهم مؤمنين بأن الديمقراطية حرام , أي أنهم يستخدمون الحرية والديمقراطية للانقلاب عليها , ولكن في الكويت كان التيار السلفي أكثر مكراً حيث أنهم يستخدمون الديمقراطية لتعطيل الديمقراطية نفسها . أقترح على الأمير في الكويت أن لا يسمح بالتيار السلفي الدخول في العملية الانتخابية حتى تصدر فتوى رسمية من قبلهم تحكم بمشروعية العملية الديمقراطية وأن يتبرءوا من فتاوى السلفية السابقة التي تحرم وتكفر الديمقراطية .   

صدرت قبل أيام مذكرة توقيف بحق الزعيم السوداني عمر البشير من المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي وكان أول رد من الزعيم السوداني هو “يمصووها ويشربوا مويتها ” بعد ذلك أردف تصريحه بقرار لطرد أكثر من عشرة منظمات إغاثة دولية تعمل في إقليم دارفور , ورد معللاً قراره بأن هذه المنظمات تعمل ضد السودان وتلفق التهم ضد الزعيم عمر البشير وبالتالي فإن المسئولين الحكوميين السودانيين يرون بأن طردهم يأتي في صالح السودان وشعب السودان . وحينما اعترض المجتمع الدولي والكثير من ضحايا دارفور على ذلك القرار خرج تصريح معللاً بان هناك أكثر من مئة منظمة دولية للإغاثة الدولية تعمل في السودان ولا مشكلة إذا طُرد حوالي العشرة منها ! . هنا على المطلع لهذه الأخبار أن يتساءل هل يشكل الإنسان كفرد أي قيمة لدى الحكومة السودانية ولدى الزعيم عمر البشير ؟

في الحقيقة لإجابة هذا السؤال علينا أن نترقب مثول الزعيم السوداني للمحاكمة على التهم التي ستوجه له من قبل المدعي العام الدولي وفي حالة إدانته سنعرف بما لا يدع مجال للشك إذا كان البشير كان يهمه القتلى  الذين سقطوا ضحايا للعنف في الإقليم السوداني المنكوب أم لا , ولكن قبل أن يمثل للمحاكمة أحببت أن أجيب على السؤال هذا من خلال التصاريح التي ينطق بها الرئيس السوداني بنفسه والتي أتت على لسانه . فالتقارير الصادرة عن عدة منظمات دولية للإغاثة تعمل في السودان على أن ضحايا دارفور بلغ 300 ألف قتيل ومليونان ونصف مشرد ولكن البشير كذب هذه الإحصائيات وقال أن عدد الضحايا فقط عشرة آلاف ! . أي أن البشير يعترف بسقوط ضحايا ولكن ليس بالعدد الذي تقول به الأمم المتحدة فرده على أن الضحايا مجرد عشرة آلاف تعني أن الفرد الواحد لا قيمة له أصلاً وكأنه يعترض على المدينين للجرائم بأنه يقول لماذا انتم منزعجون فكل الذين قُتلوا مجرد عشرة آلاف ! هنا أقول للزعيم السوداني عشرة آلاف بس ؟  يا بلاش يا زعيم ( فدى راسك ) .

في الواقع أن المنظمات الدولية التي تعمل في الإغاثة الدولية ليس في صالحها الكذب لأن عدد الضحايا لا يمكن إخفاءه كما أن هذه المنظمات في حالة الكذب ستواجه مشكلة في المصداقية وخصوصاً أنها منظمات تعمل في الإطار الدولي وتتبع لجان الإغاثة للأمم المتحدة وتقاريرها معتمدة في حالة أرادت الأمم المتحدة اتخاذ أي إجراء بحق حكومة من الحكومات .

*******

على الصعيد العربي تحركت عدة دول عربية لمناقشة مذكرة التوقيف بحق الزعيم السوداني ومابين معارض للمذكرة ومابين معترض على توقيتها وذلك لأنها تؤثر على السلم في السودان .

فلن أرد على موقف المعارضين للمذكرة بالكلية لأنهم لو وافقوا عليها فهذا يعني أنهم سيضعون أنفسهم في مكان الزعيم البشير فهم لا يقلون عن الزعيم السوداني في الوحشية . ولكن ما أنا بصدد مناقشته هو أنني لا أعرف إذا كان الوضع الحالي يمكن اعتباره في أي قاموس عبارة عن سلم , فأي سلم يتحدثون عنه وأكثر من ثلاث ملايين إنسان يواجهون الموت البطيء في ظل هذه الظروف الصعبة إنسانياً كما أن طائرات البشير مازال سكان دارفور يسمعون هديرها في مهمات قصف للمنطقة ولبعض مخيمات اللاجئين . والسؤال هو ماذا فعل الزعماء العرب تجاه الوضع المأساوي في الإقليم ؟ هل سمع أحد أن هناك إدانة واحدة خرجت من الجامعة العربية للزعيم السوداني أو المتسببين في الجريمة البشعة هناك , مع العلم  أن الأمم المتحدة تعتبر أزمة دارفور من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها العالم في الوقت الراهن , وللأسف فإن من يحاول حل مشكلة دارفور لا يسكن في المنطقة العربية بل خلف البحار والمحيطات فالقضية وكأنها تقع في جزر الكاريبي أو التبت وليست على الأراضي “العربية ” .

******

بدأ الشارع العربي بترديد الشعارات الطنانة التي أطلقها الزعيم البشير في خطبه الجماهيرية منددين بمذكرة التوقيف وذلك لأن المذكرة صادرة من الغرب ولأن الشعب العربي يعيش أزمة ثقافية مع الغرب فكل ما سيصدر عنه يعتبر في محل إدانة حتى لو كانت القضية فيها حقوق إنسانية ومما يزيد من تلك الجماهيرية هو بعض الكتاب والصحفيين الذين يطالبون بالوقوف مع البشير والتضامن معه وكما يدعي أحدهم وهو من غير السودانيين بان حكومة البشير حكومة شرعية والجماهير التي خرجت تبين حب الشعب السوداني لزعيمه هنا أريد أن أسألهم ألم تخرج الجماهير في صربيا منددين بمحاكمة زعيمهم الصربي الأسبق والذي ارتكب جرائم بحق المسلمين ؟ وألم تخرج الجماهير في العراق إبان اجتياح جيوش الحلفاء مرددين شعارات بالروح بالدم نفديك يا صدام ؟ على رغم أنه ارتكب جرائم بشعة بحق مواطنيه الشيعة والأكراد في إبادات جماعية لا تفرق بين العسكري والمدني ؟ بل حتى لو أردنا محاكمة هتلر فإنك ستجد من يخرج ويهتف بالروح بالدم نفديك يا زعيم العالم هتلر. فالذي يتناساه معظم الكتاب في الصحف أن البشير أتى للسلطة عن طريق انقلاب عسكري ولم يأتي عن طريق صناديق الانتخابات كما أنه كان يرفع شعار الإسلام أثناء الانقلاب .

أتمنى أن يلاقي المجرم عقابه وأن يمثل أمام المحاكمة سواءً كان رئيس دولة أو وزير أو جندي مرور فيد العدالة لابد وأن تطال المجرم مهما علا شأنه  .

Page 1 of 212