اليوم سأكتب عن تجربة نفسية وفكرية من كندا, هي حقيقة انطباعات واستنتاجات من خلال قرابة الثمن شهور التي عشتها هنا. وعلى الرغم من محاولتي هو كتابة امر متعلق بكندا , لكني حقيقة لا استطيع ان افصلها عن وطني الأصلي الذي عشت فيه كل عمري . دائماً حينما استلذ بالحياة هنا في كندا يكون الشعور المتولَد هو نتيجة مقارنة بين هنا وهناك, بين اللحظة في كندا واللحظة في السعودية. وهذا وإن كان في ظاهره أمر يدعوا للاستمتاع الكامل إلا أن باطنه هو ألم لا يفارق شعور اللذه .
حقيقة لا تستطيع الاستمتاع بالحياة هنا دون ان تشعر في نفس الوقت بالألم في داخلك من ما يحدث هناك. إنه التنغيص بمعنى الكلمة.
قد يعتقد الإنسان قبل أن يأتي لدولة الابتعاث سواء كندا أو غيرها من الدول , بأن المتعة الحقيقية هي في التنظيم, في الحضارة المادية , في المستوى التعليمي , في الاخلاقيات الاجتماعية العامة … إلخ . لكن للأسف هذه كلها ليست هي جوهر الحضارة التي نفتقر إليها في مجتمعنا. ليست الحضارة في أن يكون لديك مطار خمس نجوم أو مترو انفاق أو شبكة صرف صحي أو ناطحات سحاب أو جامعة مبنية على تقنية فضائية.
صحيح أن هذه الامور مهمة لتحسين وتسهيل حياة الانسان ولكن في النهاية هي مجرد امور تعتبر مخرجات للحضارة ليست الحضارة.

نحن نشبه الشخص المترف الذي لا يعرف كيف يصطاد ولكنه يملك المال, فذهب لاستئجار صياد يصطاد له كل يوم وطباخ يطبخ له كل يوم .
نحن نتعامل بهذا المنطق تقريباً مع كل شيء في حياتنا. وليتنا استطعنا حتى بهذا المنطق أن ننجز شيء على أرض الواقع , بل بالعكس اصبحنا نخرب ونسيء استخدام ما ينتجه لنا الطباخ والصياد الذي استئجرناه باموالنا.

اليوم أنا اقولها بكل صراحه , لم يعد مهم بالنسبة لي أن ارى صرف صحي في جده , ولا لمطار بطاقة استيعابية ٣٠ مليون مسافر في السنة, ولا لجامعة مرصود لها ميزانية مفتوحة وفيها خبراء من كل مكان في العالم , لم يعد يهمني حقيقة أن يكون في بلدي مستشفى فيه أفضل طاقم طبي لفصل التوائم السيامية .
حقيقة لم يعد يهمني أن تكون نثريات شركة طيران خمسة مليارات ريال , أو موقع جامعة بمئتين مليون أو شركة اتصالات تقدم خدمة انترنت بكيابل ضوئية أو شوارع ملساء وناعمة تصلح للتزلج فضلاً عن قيادة سيارة .

بالمختصر لا أريد أن أكون دبي .

ما يهمني اليوم هو مشاعر انسانية , مجتمع يحترم وجودي كانسان يحترم اختياري كوجود قائم بذاته منفصل عن كل المعطيات التي تقيمه كفرد .
ما يهمني هو وجود حقيقة تقول بأني كفرد لدي مطلق الحرية في تحديد مصيري وافكاري وخياراتي دون تدخل من احد طالما انني لم اعتدي على احد .
لا يهمني ان تقود المرأة بشكل محدد , ولكن يهمني انني لو كنت امرأة سأتمكن من الحياة بحرية. لا يهمني أن يخرج معتقل من السجن , ولكن يهمني انه لو كانت لدي افكار مختلفة ان اعبر عنها بحرية كاملة , ولهذا يهمني ان يخرج المعتقلين من معتقلاتهم.
اليوم لا يهمني أن يقتنع يوسف الأحمد وسلمان الدويش بجواز الاختلاط , ولكن ما يهمني ان لا يفرض الاحمد والدويش رؤيتهم علي أو على غيري.
اليوم لا توجد لدي مشكلة مع محبين أسامة بن لادن أو الشيخ البراك , لكن عندي مشكلة مع من يريد أن يصادر حريتي من اجلهم ووفقاً لآرائهم.
لا يهمني حقيقة اليوم أن يكون في بلدي أكبر وأعظم وأضخم , اذا كانت تلك الأشياء لن تغير في طريقة تفكيرنا واحترامنا لذواتنا وحريتنا وكرامتنا البشرية , بغض النظر عن انتمائاتنا أو أعراقنا أو مذاهبنا أو اشكالنا.

إلا يكفي أننا بشر ؟ وجدنا على هذا الكون دون خيار منا ؟ ومطالبين بالكثير من الواجبات ؟ لماذا اذا نصعب الحياة على بعضنا البعض ؟

أن أكون فقير ليست قضية كبيرة بالنسبة لي , أن يكون هناك في بلدي تاجر يسرق مليارات الريالات ليست هي المشكلة, لكن المشكلة هو أننا نسيء لانسانيتنا حينما نضطهد ونقصي ونصادر ونجبر ونبتز ونضغط على فلان من الناس من أجل أن يسايرنا ويجاملنا على حساب ذاته .
للأسف كلنا نمارس تلك الجرائم بحق الأخرين كل يوم وفي كل مناسبة حتى اصبحت تلك الممارسات أمور لا ننتبه لها ولا ندركها .

ما معنى الفردانية ؟

من الصعب جداً أن أجيب على السؤال بشكله الكامل ولكن سأتطرق للجانب الذي أريد إيصاله .
الفردانية بكل بساطة هي أن تعتقد تمام الإعتقاد بأن كل فرد له حريته الخاصة وله خياراته التي يختارها بنفسه دون تدخل من أحد , والاعتقاد بان حفاظك على حريات الأخرين وخياراتهم هو حفاظ على حريتك انت وخياراتك انت.

هنا في كندا لا أحد يتدخل في خصوصيات الأخرين ليس لأنه يحترم القانون فقط ولكن لأنه لا يعنيه أصلا ما افعله أو ما اقوم به . هنا حينما اتصرف بشكل جنوني في مكان عام لا أحد يتدخل فيما افعله ولهذا تكون ردة الفعل الأولية لكل الناس حولي هو التجنب فقط .

لا يتدخل هنا احد الا اذا رأوا انك اعتديت على شخص لا يستطيع الدفاع عن نفسه, هنا يكون التدخل بالقدر الذي يدفع الضرر أو الإعتداء.

هنا كل شخص ينظر لنفسه وكل شخص يرى في شخصه حاله خاصة لا تشبه أحد , ولهذا لا يكون خاضع دائماً تحت تأثير مقارنة نفسه بالاخرين , هنا لا يهم أحد ماذا تلبس أو تعتقد أو أتأكل أو تتصرف , طالما هذا خيارك .

الفردانية هنا قائمة كضرورة حياتية , ليست ترف وليست خيار, هم لا يستطيعون مهما حاولوا التفكير أن يخرجوا عن أساس الفردانية الذي يشكل منطلقهم وفكرهم وحياتهم.

الفردانية ليست أن امارس حريتي بشكلها الكامل في كل مرة , ولكن هي في توفر الخيار في كل مرة, على الأقل ليس هناك من يمنعها عنك أو يحرمك منها.

ليس بالضرورة أن تعني الفردانية هو مجتمع رأسمالي تماماً , ففي كندا على الرغم من الفردانية الكبيرة إلا أن هناك حقوق للفقراء والمحتاجين والمرضى وذوي الاحتياجات الخاصة , هنا الفقير حينما يذهب للتسجيل في المخصص الشهري لا يتعامل ولا يشعر بنقص , لأنه يعتبرها حق ذاهب لأخذه.

حينما يذهب المحتاج لعملية جراحية في المستشفى لا يدعوا لمسؤول أو مدير لأنه ساعده وهو محتاج له , بل يشكر ويدعوا لمجتمعه الذي اعترف بحقه وعاملة بانسانية.

هم الان في كندا قريبين من الناحية الاجتماعية لتجاوز حتى فكرة الحدود السياسية وفكرة القومية , لم يعد هنا احساس حقيقي بالوطن كحدود جغرافية . صحيح أن هناك جيش يحمي الحدود وهناك مؤسسات وطنية , ولكنهم اليوم هم اقرب إلى الاحساس بالعالمية وقدسية الانسان في كل العالم خصوصا من الناحية الاجتماعية.

لم أرى خلال فترة بقائي هنا واختلاطي بالكنديين بشكل يومي أي تذمر أو امتعاض أو تلميح أو حتى ممارسة بدون قصد فيها ايذاء أو اظهار بأن قومية أو عرقية معينة يجب أن ترحل أو غير مرحب بها في كندا ( باستثناء مقاطعة كوباك الفرنسية فيها بعض التصرفات الفردية ) . أنا هنا لا أقول أنه لا تحدث بعض الممارسات العنصرية ابداً ولكني أقول بأنها من الندرة لدرجة أن ثمانية أشهر لم تكن كافية بالنسبة لي لأرصد ممارسة واحدة فقط .
بينما في دول أخرى قبل أن تطئ قدمك أرض المطار سترى العنصرية ورفض الاخر.
حينما تعرف بأن أعلى منصب في الدولة ( الحاكم العام ) كانت تشغله امرأة سمراء مهاجرة من هايتي وأن الصورة التي تروج في الإعلام الكندي الرسمي وشبه الرسمي والخاص عن الشعب الكندي ستجد أنه يمثل بالأسمر والمحجبه واليهودي والبوذي والسيخي والأبيض والهندي الاحمر ستعرف حينها عن ماذا اتحدث.

المطعم اليوناني والهندي والصيني والتايلندي واللبناني والأمريكي والمكسيكي أصبحت مطاعم كندية.
هنا بعكس العالم كله لا تشعر ابداً بفكرة نحن والآخر , في كل العالم ستجد ان المجتمع دائماً يفكر بطريقة نحن والأخر وكيف نساعد الأخر ونحترم الأخر , هنا حتى فكرة الآخر ليست موجوده , هم دائماً يتحدثون عن نحن وماهو مصيرنا نحن ( انا+هم+والاخرين= نحن ) .

كنت اخشى قبل أن ائتي لكندا بأن أشعر بأعراض الهوم سيك , لكن صدقاً لم أشعر بها , شعرت هنا بأن كل شيء يقبلني كشخص قبل أن اقول من انا , فاكتشفت اخيراً ليس مهماً أن أقول من انا , تم قبولي هنا قبل أن يعرفوا من أنا أو ماذا افكر أو كيف افكر.

لم تعد عندي هنا مشكلة وجودية سببها مجتمع أو حكومة أو تيار أو ايدلوجيا أو تنظيم سري أو علني أو اي بطيخ, اصبحت مشاكلي كلها شخصية فردية عائلية فقط ولا تتجاوز ذلك. لم يعد مهم أن أعرف ماذا قال هاربر أو ماذا يقول رئيس الكنيسة الانجيلية في مقاطعة اونتاريو . لأنه بكل بساطة حياتي بشكلها الفردي محفوظة ومكفولة , ولو اهتميت وقرأت فهو من باب التسلية والفضول والاطلاع لا كثر من ذلك .

حقيقة لو ان كندا مافيها الا مجتمعها ومبادئها دون خدماتها واتصالاتها وجامعاتها لكفتني .

هنا أريد أن أتسائل هل نحن بحاجة لمطارات أو مستشفيات أو غيرها من الخدمات ؟

الحقيقة التي نتجاهلها دوماً أن مهما استوردنا من خبراء ومهندسين واطباء ومهما ابتعثنا من آلاف الطلبة حول العالم لتعلم تلك الأشياء فنحن لن نتحرك ولن نتقدم قيد أنملة .
حتى لو اشترينا كل مخرجات الغرب أو الشرق فلن يغير من حقيقة وحدة وهي أننا مدمرون على كل الأصعدة .

لن يجعلنا متقدمين مادياً دون أن نتقدم حضارياً , نحن لا نحتاج لمئة الف مهندس , نحن نحتاج لعشرة فلاسفة ومفكرين ونظام اجتماعي حر يقوم على تقديس الفرد وحريته , وبعدها سنجد أننا استطعنا أن نكون من الدول المتقدمة , ستكون ثروتنا النفطية هي زيادة عن حاجاتنا وقد نتبرع بجزء منه لخدمة الانسانية لأننا اكتفينا.!

لن أتكلم أكثر من ذلك ويمكنكم اعتبارها , رؤية لحظية قد تتغير مستقبلاً دون إشعار مسبق.

أحب ان اشكر كل الاشخاص الذين تفاعلوا وقرأوا ما كتبته في الجزء الأول من التجربة الكندية , وكل من اطلع عليها حتى دون أن يكتب تعليقاً , واحب اشكر كل من الصديق فؤاد الفرحان على نشره للتدوينة التي كتبتها في صفحته الشخصية في تويتر .. واشكر ايضاً الزميل المتفاعل والمتشوق لما اكتبه اخي عاطف الحربي . الذي دائماً ما يذكرني بتكملة السلسلة . حيث انه من الجميل جداً ان ترى اشخاص يتشوقون لما تكتبه وما تفكر فيه ويهتمون لما تفكر به , وهذا والله شيء لا يقدر باي ثمن .

-————–

اكتب هذه التدوينة من المدينة الكندية فانكوفر في مقاطعة بريتيش كولمبيا .. قدمت لزيارة اخواني ( جينياً ) خالد وأحمد

IMG_0187

… حقيقة مدينة فانكوفر تذكرني بمدينة جدة … مدينة حية … مركز المدينة لا ينام حتى ساعات متأخرة من الليل … الشوارع كلها مضائه في الليل .. الناس في وسط البلد موجودين والمطاعم تعمل حتى ساعات متأخرة .. بالإضافة إلا أن فانكوفر مدينة تتمتع بمناظر جمالية اقرب للخيال .. ساحرة بمرتفعاتها وهضابها وغاباتها .. والأجمل من هذا كله هو جوها الذي اسميه بعد أن عشت في اوتواه انه جو معتدل … درجة الحرارة الان ٧ فوق الصفر ! .. والان انا اكتب هذه التدوينة في الهواء الطلق … لا تستغربوا ان اسمي هذه الدرجة بالمعتدلة .. فمقارنة ١٩ ٢٠ تحت الصفر في اوتواه تعتبر هذه معتدلة جداً !!.

-———————-

واستكمالاً للتدوينة الأولى , وبعد انقضاء اسبوعين من اقامتي في منزل بارب , انتقلت للعائلة الدائمة الثانية , العائلة الثانية عبارة عن ام فقط عمرها ٦٤ عام اسمها باتريشيا وارن , كندية تعود اصولها كما اخبرتني لايرلندا حيث انتقل جد جدها لكندا في القرن الثامن عشر اي قبل مئتين وسبعين سنة تقريباً

في الاسرة يسكن معي طالب صيني يدرس في الثانوية الموجودة في الحي .. وكلب صغير اسمه ماكس باتريشيا جدة مثالية … لديها ولد وبنت وثلاث اخوات وثلاث اخوان .. وتعمل بدوام جزئي في محل يبيع مستلزمات المنزل وتساعد ابنتها المختصة في تربية الاطفال ( اعتقد شغلتها تشبه رياض الاطفال عندنا ) .

باتريشيا انسانه مسالمة ( غلبانه ) . تحاول ان تعمل وهي في هذا العمر لتغطية مصاريف ايجار بيتها وحياتها , لا تهتم كثيراً بالسياسة ولا بالمشاكل الدولية , لكن عندها فضول لمعرفة تفاصيل عن حياتنا , كان يسكن عندها طالب سعودي , كانت تحكيلي عن هذا الطالب , بحسب ما فهمت منه انه طالب متدين جداً , وكان منعزل عن التعاطي والكلام معها , كانت تقلي بانه كان هنا في شهر رمضان ( تسميه شهر الصيام ) . وكان هذا الطالب محبوب من اهل الحي المسلمين ( الحي الذي اسكنه اكثر من نصفه مسلمين من دول عربية وافريقية ) . حيث كانوا الجيران المسلمين يرسلون له كل يوم فطور , كانت تقول لي بأنهم كانوا يتعاملون معه كشيخ , ثم قالت بأنه اصبح إمام المركز الاسلامي في المنطقة التي تعيش هي فيها .

تقول بأن كثير من الناس من الجيران يأتون اليه ويكلمونه من عند الباب ثم يذهبون . كانت باتريشيا تنصحه بانه لابد وان يختلط في الكنديين حتى يتعلم اللغه بشكل جيد . تقول لي بأن المركز الاسلامي يأخذ معظم وقته والجيران يأخذون ايضاَ جزء من وقته . تقول بعد ان نصحته باسبوع اعتقد انه زعل من نصيحتي وذهب واقام في المركز الاسلامي . حيث اعطي شقه صغيرة في المركز ليعيش فيها بالمجان . !

هذا الطالب مازال يصل لبيتنا بريد باسمه حتى الان . فواتير تأمين صحي + فواتير بنك + فواتير هاتف … وباتريشيا مثلها مثل بقية الكنديين يتضايقون من كثرة البريد على بيوتهم والذي لا يخص صاحب البريد . دائماً تؤكد علي باتريشيا وترجوني بان اذا انتقلت من عندها ان لا اجعل اي بريد يصلها باسمي وان اغير عنواني في كل الشركات المشترك فيها .

والسبب انها كلما جاها بريد باسم طالب كان يسكن عندها تضطر ان تعيد ارساله للطالب على عنوانه الجديد .. قلت لها طيب ارمي البريد ولا تتعبين نفسك .. تقول لي قد يكون البريد مهم لصاحبه فكيف ارميه ؟!

————————————-

في احد المرات التي كنت اجلس فيها عند التلفزيون مع باتريشيا … كانت هناك اعلانات لمسابقة اليانصيب .. وكان من ضمن الجوائز هي ٢٠ مليون دولار .. سألتها سؤال مباغت … قلت لها باتريشيا اذا ربحتي ٢٠ مليون دولار ماذا تفعلين بها ؟!

قالت سأدفع كل القروض الخاصة بمنازل اخواني واخواتي واولادي … ومن ثم ساتبرع بجزء لجمعية مرضى سرطان الكبد .. ( زوجها مات قبل عام بسرطان الكبد )

والباقي سأستفيد منه لأسافر كل مدن العالم المهمة .

سألتها يبدوا انك تحبين اخوانك بشكل كبير … قالت ومن لا يحب اخوانه ! .. تقول بان اخواتي الاثنتين تحديداً هم ملائكتي في هذه الحياة .. هم اجمل نعمة رزقني اياها الله … دائماً يساعدوني ويشاركوني كل شي في حياتهم وحياتي … عندها اخت ثالثه ماتت بسبب ادمانها على الكحول .. وابنها مختص في برمجة الكمبيوتر ومتخرج .. تقولي انه بقي عشرة سنوات كاملة بعد تخرجه كمهندس نظم .. يعمل في اعمال مختلفة لانه لم يجد الوظيفه التي يريدها في مجال تخصصه .. ولكنه في الاخير وجدها والان هو يعمل بمرتب عالي جداً في شركة في كالغري .. تقولي كان من المحبط له بان اول عمل عمله بعد تخرجه هو بائع في محل تأجير افلام فيديو .!

ابن باتريشيا يكلمها كل يوم … يسأل عن تفاصيل حياتها اليومية ويتابعها اول بأول .. مهتم جداً في امه … في هذا الكرسمس هو حزين جداً وهي كذلك لأن هذا اول كريسمس يقضيانه بعيدين عن بعض .. هو في عمله مع زوجته وهي في اوتواه . في احد المرات دخلت عليها ووجدتها تبكي .. سألتها مابك .. سكتت ثم قالت .. الكريسمس هذا هو الاول بدون زوجي وابني .

لاحقاً ابنتها وزوج ابنتها وابنائم خططوا للذهاب الى اورلاندوا في فلوريدا لزيارة ديزني لاند … فقدموا دعوة لباتريشيا لمرافقتهم … طبعاً باتريشيا فرحت بهذا الأمر .. وجائت تخبرني وهي فرحانه جداً … قلت لها طيب ممتاز … الغريب أنها قالت لي بعد ثلاث ايام ان ابنها تضايق حينما عرف باني ساذهب لاورلاندوا .. لانه كان يحاول اقناعي بان اقضي هذا الكريسمس معه في منزله في كالغري .!!!

بالمناسبة المساعدة التي تقدمها باتريشيا لابنتها تأخذ عليها اجر من ابنتها .. بالاضافة الى انه في اليوم الذي تذهب فيه باتريشيا لمساعدتها دون ان يكون هناك عمل تقوم البنت بدفع تكلفة البنزين لسيارة امها لانها لم تخبرها قبل ان تتحرك !

هنا نقطة مهمة جداً جعلتني افكر واستنتج موضوع مهم جداً .

في عالمنا العربي نروج بأن الغرب يعاني من تفكك اسري .. وفي الواقع ان هذا الرأي خاطئ بناءاً على تجربتي مع بارب وباتريشيا .. الغرب وخصوصاً كندا يقدس مفهوم الفردية .. بمعنى ان سلطة المجتمع والراي الجمعي لا يشكل تأثير مقارنة بالتأثير الذي يفعله في عالمنا العربي .. هنا انت حر نفسك وبالتالي .. اي عمل تقوم به على الصعيد الاجتماعي .. يكون نابع من ضميرك وذاتك .. دون ان يكون هناك ضغط من المجتمع .

ولهذا تجد ان الشخص الذي لا يريد ان يتواصل مع اهله هو حر .. لا احد سيلومه أو ينتقد تصرفه .. والعكس ايضاً صحيح .. فحينما يهتم الانسان باهله وبوالدته وأقاربه يكون هذا نابع من ذاته وضميرة دون اي ضغط من المجتمع .. وبالتالي معظم الناس هنا تحرص على ان تتعامل بشكل جيد مع اقاربها .. لانهم يعيرون هذا الامر اهتمام عالي .

عندنا معظم الامور التي نقوم بها في الحياة الاجتماعية تكون تحت ضغط كلام الناس .. ولهذا نرى ان معظم اجتماعتنا الاسرية يتخللها بعض النفاق والابتسامات الصفراء .. لاننا نقع تحت ضغط المجتمع ومفاهيمه .. هنا الوضع مختلف تماماً هم يتواصلون لانهم يحبون بعض .. في الوقت الذي لا يحبون فيه بعض .. هم ليسوا مجبورين على التواصل وليسوا مجبورين على النفاق الاجتماعي .

حينما سألتها ماذا ستفعلين ب٢٠ مليون دولار .. قالت سادفع قروض السكن عن اخواني واخواتي ! . هذي الجملة التي قالتها نسفت كل المفاهيم التي كنا نعتقدها بان الغرب اناني .

هم ليسوا انانيين ولكنهم صريحين مع انفسهم واحتياجاتهم .

-——————————-

في إحدى المرات قلت لها بأني بدأت اشعر بالملل في اوتواه .. مع هذا الجو البارد لا اعرف اين اذهب خلال اليوم .. قالت لماذا لا تتطوع ؟ ! قلت لها كيف ؟

قالت أفضل شيء تقوم به في اوقات الفراغ هو الاندماج في برامج التطوع .. تقول بأنها هي الان لا تستطيع التطوع لأنها تعمل في الصباح وفي الليل يجب ان تكون في المنزل لتكون بجانب الطالب الصيني لأنه مراهق والقانون يمنع ان يترك لوحدة ..

قلت لها اين استطيع التطوع .. قالت في الصحف سنجد البرامج المتاحة .. وفعلاً فاجأتني بعشرات برامج التطوع الموجوده … تطوع لشركات غير ربحية .. تطوع لجمعيات خيرية … تطوع لاحزاب سياسية .. إلخ .

تقول بأنها الان لديها ١٠ الاف ساعه تطوع .. وتقول بأن من هو في سنها يجب ان يكون في سجله اكثر من ذلك . !

قالت لي .. الناس يحتاجون مساعدة يا محمد .. وكندا دولة كبيرة وحينما تكبر وتتعب في حياتك قد تحتاج لمن يساعدك في بعض الاحتياجات . هو دين يجب ان ندفعه قبل ان نستفيد منه !

ثم اخبرتني بأن والدها كان يدفع ١٠٪ من دخله لجمعية المسنين والمتقاعدين … وأن المسنين في كندا يحتاجون للمساعدة .. وكل الناس في هذه الحياة يعملون في حياتهم ليرتاحوا في فترة الشيخوخه .

في الحي الذي اسكن فيه دار مسنين .. سألتها عن هذه الدار قالت جيد غداً اذهب لهم واسأل عن برامج التطوع عندهم .. !

بعدها بيومين زرت دار المسنين وذهبت للمكتب وسألت عن التطوع .. قالوا هل انت محتاج التطوع هنا كمتطلب دراسة ؟! قلت : لا … قالوا : هل انت عضو في جمعية المسنين ؟ قلت : لا .. قالوا اذا سنضع اسمك في قائمة انتظار حتى تأتيك فرصة تطوع .. قلت كم اسم يريد التطوع قبلي ؟ قالوا : ليس كثير ٢٠ فقط !

في اليوم التالي سألت استاذتي في الفصل ارين IREN عن الاماكن التي استطيع التطوع فيها وتناسبني .. قالت المكتبة العامة اول الخيارات التي امامك .

ذهبت لهم وطلبت تسجيل اسمي كمتطوع .. فوجئت بأن المكتبة العامة في المنطقة التي فيها كليتي وسكني قائمة انتظار متطوعين تتعدى ٢٥٠ شخص .!

بالمناسبة هذه المكتبة انا مشترك فيها الان … المكتبة تعير كل الكتب الموجودة بالاضافة بأنها تعير كتب الكترونية .. تقريباً مكتبة امازون كلها عندهم .. تشترك وتنزل الكتاب من موقع المكتبة برقم عضويتك .. وبعد ١٤ يوم يٌحذف الكتاب تلقائياً سواء من جوالك او من قارئ الكتب الالكتروني تبعك وفوق هذا كله تراها مجانية ..!

-———————————

تدرسني في الكلية مهارة السمع والتحدث مدرسة اسمها جاكلين شابة عمرها تقريباً ٢٩ سنة ( صاروخ ) :P

26298_611032495048_122703382_35657492_128291_n.jpg

جاكلين تعمل بدوام جزئي في الكلية .. هي خريجة علوم سياسية بكالوريوس وماجستير في تأثير العولمة لدول العالم الثالث … وتنتظر وظيفة في جامعة كمعيدة .

في أحدى المرات طلبت منا جاكلين ان نتخيل بأن مقاطعة كوبك هي ارض فاضية .. ( كوبك هي مقاطعة من مقاطعات كندا ثقافتها فرنسية ولغتها الرسمية هي الفرنسية وأهم مدينة فيها هي مونتريال ) .. وكل طالب يتخيل بانه لو كان يستطيع بناء دولة وتشكيلها من الصفر كما يريد ماذا سيفعل وكيف سيبنيها وماهو النظام الذي يسنه فيها . طبعاً كل الطلاب قدموا تصوارتهم عن دولهم .. هنا تحولت الحصة إلى درس في السياسة الكندية .. سألت جاكلين كيف النظام السياسي في كندا .. قالت لا احد في العالم يعتقد بان النظام السياسي الكندي جيد ولكن نحن نراه لا بأس به .

قلت لها اشرحيلي .. قالت في كندا الاحزاب تتنافس على البرلمان ( مجلس العموم ) . والحزب الفائز بالانتخابات في مجلس العموم يقوم باختيار رئيس الحكومة وهو يشكل حكومته .. وغالباً رئيس الحزب الفائز هو من يصبح رئيس الحكومة .. ومن ثم رئيس الحكومة يختار اعضاء مجلس الشيوخ . ويوافق عليهم الحاكم العام بناءا على توصية رئيس الحكومة .. كما ان الحاكم العام يعين من قبل الملكة ( اليزابيث ) بناءاً على اختيار رئيس الحكومة ..!

والانتخابات البرلمانية تعقد خلال خمس سنوات بناءاً على امر من رئيس الوزراء .. او في حالة سقوط الثقة من البرلمان عن الحكومة .

الخلاصة : الحزب الذي يفوز في الانتخابات البرلمانية في كندا يحكم البلد بشكل شبه مطلق ..! .. على الرغم من هذه السلطة الرهيبة إلا أنه لم يحدث في تاريخ كندا الحديث ان سقطت حكومة أو اصبح هناك فراغ في السلطة أو المعارضة خرجت واعتصمت لإيقاف عمل الحكومة . كل شيء في كندا يمر بسلاسة والسلطة تتداول بين الحزبين الليبرالي والمحافظ بكل سلاسه .. الحزب الفائز يباشر عمله بعد الانتخابات والحزب الخاسر يتحول للمعارضة ويعمل في الاعلام ويحاول ان يقنع الناس بانتخابة في المرة المقبلة وهكذا .. لا يوجد حزب في كندا استأثر بالسلطة .. أو قام بتغيير الدستور وتعدى على حرية وحق الحزب المعارض .. كل شيء قائم على احترام اطراف التنافس لمبدأ تداول السلطة وخدمة الناس … المحكمة الدستورية في كندا لم تتدخل في يوم من الايام لرفض تعديل دستوري طالما ان البرلمان اقره .. ولم يقم البرلمان في يوم من الايام بالتعدي على حرية احزاب المعارضة والتضييق عليهم حتى وهم اكثرية في البرلمان وبيدهم سلطة شبه مطلقة .

في امريكا كان يعاني بوش في السنتين الاخيرة من حكمه بان اكثر من ٧٠٪ من عملة توقف لان الديمقراطيين اصبحوا اغلبية في الكونغرس … والان اوباما يعاني من ذلك ايضاً لان الكونغرس الان اصبح اغلبية جمهورية .. صحيح ان هذا يحافظ على التوازن في امريكا ولكن الرقي المعرفي والوعي عند الناس في كندا جعل حتى الحزب الذي يفوز باغلبية وسلطة شبه مطلقة لا يتعدى على الحزب المعارض ويحترم قراره واختيار شعبه .. !

…………..

سألت جاكلين لماذا اخترتي كوبك تحديداً ؟ قالت : لان الكوبكيين اصلاً دائماً يفكرون بالانفصال عن كندا وكل اهل كندا يتمنون ان كوبك تنفصل عنهم لأننا مجبرين على تعلم الفرنسية من اجلهم .. وتقول اصلا كندا كبيرة حتى لو انفصلت كوبك فهذا شيء جيد .. اصلا هم الخسرانين لان لا يوجد لديهم موارد .. ثم قالت فليبنوا اقتصادهم على Maple Syrup … ثم ضحكت بسخرية .. في الواقع ان جاكلين وبارب وباتريشيا كلهم لديهم نفس النظرة تجاه كوبك .. ( مفقوعين مرارتهم من كوبك ) ..

301px-Maple_syrup.jpg

Maple Syrup

هو العسل أو الشيرة التي توضع على البانكيك والوافل .. كندا مشهورة بصناعة هذا الشيء وخصوصاً مقاطعة كوبك وانتاريو . ومعظم اجداد واباء الناس الموجودين حالياً كانوا مزارعين يعملون على حصاد وصناعة هذا الشيء ( ما اعرف ايش يسمى بالعربي عسل ولا شيرة ولا صوص )

800px-Maple_syrup_bucket.jpg

-————-

بالمختصر كندا ليست تلك الدولة المبهرة مثل امريكا .. بمعنى انك في كندا لن تجد اكبر واطول واعظم واجمل وكل صيغ أفعل .. زرت فانكوفر واتواه حتى الان ولم اجد عنصر الابهار حتى الان … فهي ليست مثل امريكا تجد فيها اكبر سينما واكبر استعراض واكبر سباق … وبنفس الوقت هي ليست مثل اوروبا فيها كل حركات الثقافة وصراع تيارات ونشاط ثقافي كبير .. ولكنها مبهرة في مستوى حقوق الانسان .. ومبهرة في الحفاظ على البيئة وكل مايتعلق بهذه الامور .

حقوق الانسان في كندا مقدسة اكثر من الملكة واكثر من تاريخ كندا واكثر حتى من علم كندا نفسه … كندا تنافس الدول الاسكندنافية في هذا المجال .. وهذا بحد ذاته امر مهم جداً . وهو الاساس في اي مجتمع متحضر .. الحضارة حقيقة لا تقاس بعدد الجسور والمباني وناطحات السحاب ونظافة الاسواق والشوارع فقط

كل هذه الامور هي انعكاس للقيم التي يحملها اي شعب واي مجتمع .. وهذا ما يجب ان ننتبه ونهتم به … قد تكون دول الخليج تنافس الان امريكا على صيغ افعل ولكنها حتماً لن تنافس اي احد في حقوق الانسان او في الديمقراطية وحضارة الانسان ..

كما اني ارجوا ان لا يُفهم من كلامي ان كندا مجرد دولة خاوية او متخلفة مادياً .. ابداً في كندا الخدمات على اعلى مستوى .. الاتصالات على اعلى مستوى الصحة على اعلى مستوى .. لكن ما كنت اقصده ان كندا ليست لاس فيغاس او لوس انجلوس وايضاً ليست باريس الادب والثقافه .

-—————-

التدوينة القادمة سأتحدث عن نفسي .. عن مشاعري في دولة ليبرالية وعن امر بدأت اعادة النظر فيه .. فلسفتي وافكاري التي شعرت الان انها لابد وأن تتغير بعد ان شعرت بالحرية .

مواضيع ذات صلة :

التجربة الكندية ١

المبتعث الدبشه، المبتعث التائه، أم المبتعث البطل؟ 11 نصيحة للمبتعثين والمبتعثات السعوديين – من مدونة فؤاد الفرحان

أود في البدء ان اعتذر من كل المتابعين للمدونة عن الانقطاع الطويل خلال الفترة الماضية . واشكر كل من راسلني على الايميل متسائل عن سبب انقطاعي .. خصوصاً من بعض الاصدقاء الذين لم اكن اتوقع انهم يتابعون ما اكتب . على كل حال لست هنا في مقام يسمح بالاعتذار عن الغياب ولكن ارجوا ان يتسع صدر القارئ لاسبابي التي قد لا تقنعه ولكنها كانت هي سبب الانقطاع . خلال هذه الفترة كنت منشغل في ترتيب وضع سفري لتكملة الدراسه في الخارج , وقد حدث ما كنت اريده . كما أن الجميل في عالم التدوين أن الشخص غير مرتبط بفترة معينة للكتابة . ولهذا ما اكتبه في التدوينة هي الفكرة التي تريد الخروج وقتها, لست مضطر أن اكتب اذا لم تكن الحالة المزاجية مناسبه للكتابة , ولا استطيع كتابة شيء دون ان يكون هناك دافع داخلي للكتابة . كما أن الشخص المتابع للمدونات لا يريد ان يقرأ أي شيء لأنه يقرأ مدونة وليس مقال صحيفة بحيث يكون الكاتب مجبور ان يملأ العامود المخصص له , سواءاً كانت لديه فكرة أو لا .

عند الشعراء تسمى هذه الحالة “القريحة” , وهي كذلك عند أي شخص يكتب فكر أو رأي .
‫ على كل حال هذا هو سبب انقطاعي عن الكتابة .‬

‫————————————-‬

اكتب هذه التدوينة الان من العاصمة الكندية اوتاواه , المدينة التي اخترتها لدراسة اللغة الانجليزية قبل بدأ برنامج الماجستير . كان وصولي يوم ١٤ أُكتوبر أي تقريباً قبل شهر ونصف من الآن .
سكنت مع عائلة كندية مؤقته لمدة اسبوعين , رشحتها لي منسقة السكن في الجامعه حتى تجد لي عائلة دائمة .

العائلة الأولى عبارة عن أمرأة عمرها ٦٩ سنة إسمها باربارا BarBara تحب اناديها بارب Barb, تسكن في شقة مكونة من غرفتين مع كلبها الصغير . 

كان أول لقاء معها هو اثناء وجودي في الكلية اتصلت علي منسقة العوائل وقالت بارب ستتصل عليك الآن وعليكم بالاتفاق عن بقية الأمور . وفعلاً بعد خمس دقائق اتصلت علي وعرفتني بنفسها وقالت انا الان ذاهبة لحديقة الكلاب أريد أن أمشي مع “داندي” لا تخف هو كلب صغير ومؤدب ! طبعاً بالنسبة لي كانت فرصة لتعويد نفسي على عالم الكلاب وبنفس الوقت كانت مغامرة . وفعلاَ ذهبت معها لحديقة الكلاب وداندي مشي واخذ راحته .

العجيب في الامر ان كل الكلاب حينما تلتقي ببعضها تبادر لشم بعضها البعض في اماكن حساسة . لاحظت بارب باني مستغرب من الموضوع , قالت الكلاب تعرف عن نفسها عن طريق رائحتها . طبعاً قالت لي اثناء المشي بأنها تريد معرفة ماهية الأشياء التي افضلها في الاكل وبعض التفاصيل الدقيقة التي تستطتيع توفيرها لي , استغربت بأني مرن في امور كثيرة , ثم أكدت لها بأني اريد ان اعيش تجربة مختلفة تماماً بكل تفاصيلها .

رأيت ابتسامة على وجهها وقالت جيد جداً
‫—————————‬

طبعاً اخذتني للفندق بعد رحلة الاخ داندي لكي اجمع حقائبي ونذهب للبيت .. حقيقة كنت متخوف عن مدى مرونتها في العيش . لكن ما لاحظته هو أن بارب شخصية مختلفة جداً خصوصاً عن الذين في عمرها . قد لا اكون مبالغاً اذا قلت بأن عمرها ٦٩ سنه لكن روحها لا تتجاوز ٣٥ سنة .

عرفت لاحقاً بأن لديها ابن وبنت ولكن ماتوا على فترات مختلفة ابنتها ماتت قبل سنة من الآن . وابنها مات في السبعينات الميلادية , ولديها حفيدة اسمها جنيفر متزوجه وعمرها ٢٨ سنة من شخص اسمه اليكس عمره ٣٠ سنة .

دخلت شقتها كانت جداً جداً نظيفة وأنيقه , لكن ديكوراتها تعود للسبعينات , بالضبط لحظتها شعرت أني اعيش في فلم من أفلام السبعينات . قالت لي هذي غرفتك فيها كمبيوتر لي استخدمه فقط حينما تذهب انت للمدرسة وللأسف ما عندي وايرليس لكن تقدر تستخدم الكيبل الموصول في الجهاز .

قلت لها ليه ما يكون عندك واير ليس حتى يكون سهل لك في حالة أن يكون هناك طالب لديه جهاز كمبيوتر ؟ قالت الواير ليس مكلف جداً ! ؟

انا لم استوعب الفكرة كيف يكون الوايرليس غالي جداً ؟ وهي أصلاً عندها انترنت ؟

ثاني يوم قمت بشراء جهاز وايرليس من قسم الالكترونيات في الجامعة , وضعته في شقتها وقلت هذا هدية , قالت هذا كثير يا محمد انت لست بحاجة لشراء هدية لي ! . قلت هذه هدية ليست لك ولكن للطلاب الذين سيأتون بعدي !

شكرتني بشدة ثم قالت ولكن كيف سيكون وضع الفواتير الان ؟ ! قلت ما دخل الوايرليس بالفواتير ؟ قالت اليس ضروري ان يكون عليه فاتورة شهرية ؟ قلت لا هذا مجرد جهاز يوزع الانترنت في البيت .

ذهبت في تلك الليله تكلم حفيدتها جينفر وتخبرها بأني اشتريت وايرليس لها وتقول لها : الان شقتي فيها وايرليس !
وتخيلي ان الطالب السعودي اشتراه لي .

هي لم تكن تعلم بأن الوايرليس ليس له علاقه باشتراك النت , طبعاً بحكم السن لكن ما فهمته انها تستخدم الانترنت لقراءة ايميلها وتسديد الفواتير الدورية فقط .

قلت في عقلي كفاية , من هو في عمرك في السعودية لا يعرف كيف يستخدم مكينة الحلاقه وليس قراءاة ايميلات وتسديد فواتير اون لاين ! .

-‫————————–‬

مع بارب عشت مغامرة حقيقية خلال اسبوعين , اختصرت علي فترة طويلة لمعرفة معلومات اساسية في المدينة , كل يوم كانت تصنع شي جديد , اخذتني اشتري جكيت لاني كنت متجمد خلال الايام الأولى , طبعاً عملت بحث سألت أليكس عن أفضل الأماكن لشراء جكيت , وسألت جنيفر عن أفضل الأماكن لشراء بوت ثلجي , واخذتني للتسوق , اكتشفت انها تريد ان اشتري مشتروات بجودة عالية وبأسعار مخفضة , كانت بارب لديها بطاقات تخفيض تقريباً في كل محلات اوتواه , كانت تعطيني في بعض الاحيان بطاقاتها الائتمانية اشتري فيها واحصل على التخفيض وادفعلها كاش .

اخذتني في جولة على المدينة , كانت تقف عند كل الاماكن المهمة وتعطيني نبذه عن كل مكان , في احدى الجولات قالت لي هذه المحكمة العلياً في كندا , هي أعلى هيئة قضائية في البلد , قلت ايواه هذي المحكمة العلياً رئيس المحكمة امرأة عضو في المجلس الملكي , واعتقد ان فيها تسعة قضاة , قالت لا اعرف كم قاضي فيها حقيقة , في الواقع ان ويكيبيديا ساعدني كثير لمعرفة المعلومات العامة عن كندا عن نظامها السياسي والاحزاب الرئيسية والحكومة الحالية , واسماء بعض المسؤولين في البلد , كنت خلال جولاتي مع بارب اسرد لها بعض المعلومات التي اقرأها لأربطها بالمعلومات التي تقولها , تفاجأت هي من المعلومات التي اعرفها , قلت لها قراءة الموسوعات على الانترنت تساعد !

في احدى الايام تناقشت مع بارب في بعض الامور السياسية والدينية , عرفت انها مسيحية الأصل ولكنها ملحدة حالياً , هي تركت الكنيسة منذ ان كان عمرها ١٦ سنة , وتزوجت كاثوليكي هو ايضاً غير متدين ثم تطلقت منه .

بعدها قرأت عن التطور واصبحت تميل لنظرية التطور , ثم قرأت في فلسفة الأخلاق واصبحت تعتقد أن لا معنى للأخلاق في وجود خالق , حيث انها قالت بأن التصرف الاخلاقي لابد وان يكون نابع من ذات الشخص , ولا معنى للأخلاق اذا كان الفعل الذي تقوم به من أجل مكسب اخروي أو دنيوي , وتؤكد دائماً في حديثها أن الضمير الإنساني يجب أن يكون اكثر تطوراً من خلال الوعي المتكون حضارياً , وهي تعتقد بأن الضمير لابد وأن يكون مستقل عن أي توجه فلسفي أو ديني . !

في الحقيقة أن اثناء نقاشاتي مع بارب كنت مندهش جداً بأن شخص في عمرها لديه هذا المستوى المعرفي , لا أقول ان بارب فيلسوفه ولكن هي انسانة عادية كانت تعمل مديرة حسابات في شركة ومتقاعدة منذ اربع سنوات .

في ليلى اخرى قلت لها بارب انتي تنتمين لأي حزب ؟ قالت انا عضو في الحزب المحافظ ؟ قلت لها ليه ؟

قالت لاني اجد سياساته الاقتصادية جيدة جداً وأنا ادعم الحرية الاقتصادية بشكلها الكامل !

قلت لها ولكن انتي مؤمنة بالتطور ومؤمنة بأن الأخلاق منفصلة عن الدين ونابعة من الضمير المستقل للإنسان , الا يتعارض هذا مع افكار الحزب المحافظ ؟

قالت قد يتعارض ولكن في الاخر هذه الامور لا تؤثر على حياتي باي شكل من الاشكال , انا سأختار وأرشح الحزب الذي اراه يقدم برنامج انتخابي جيد , القانون في كندا يكفل لك جميع انواع الاعتقادات فلا داعي ان انتمي لحزب لا تعجبني سياساته الاقتصادية من أجل فقط الانتماء الفكري أو الفلسفي !!

قلت لها ولكن اعضاء الحزب الا يطرحون برنامج اقتصادي يتوافق مع منظومتهم الفكرية والفلسفية ؟

قالت لا .لأن المبادئ الأساسية للإقتصاد متشابه بين الحزبين الرئيسيين في كندا , الاختلاف هو في كيف يكون تطبيق هذه المبادئ الأساسية , هنا قد تكون انت محافظ ولكن قد ترشح الليبرالين في دورة انتخابية معينة , قلت لها اذا لابد ان تكوني تتبعين الحزب الليبرالي , واذا لم يعجبكي برنامجه الانتخابي رشحي المحافظين , ولكن ان تكون عضويتك الاساسية في حزب ينسجم مع افكارك الفلسفية على الاقل .

قالت كلامك صحيح … بس ترا اغلب مرشحين الليبراليين اكاديمين زيادة عن اللزوم وهم غير جذابين بالنسبة لي ؟ !!! :)

هنا ضحكت على تبريرها الاخير , انتهى النقاش ودخلت غرفتي , سمعتها تتكلم مع حفيدتها عن الموضوع , وتشرحلها وجهة نظري , انتهت المكالمة ثم اتت لغرفتي وقالت جينفر واليكس يريدون التعرف عليك , هل هذا ممكن ؟ قلت اكيد ممكن , قالت انا كنت اكلم جينفر وشرحتلها وجهة نظرك وتشوقت لمعرفتك !

قلت حتى انا مشتاق لمعرفتهم .

في الواقع ما جعلني اتحمس للتعرف على جينفر واليكس هو أن بارب كانت دائمة الحديث عنهم , وتتكلم عنهم بنوع من الافتخار دائماً , عرفت منها ان جينفر واليكس هم شخصيات متعلمة جداً , الاثنين يعملون في مجال السياسة والاثنين هم اعضاء للحزب المحافظ الكندي .

شرحتلي بارب ان اليكس ينتمي لاسرة تكنوقراطية وبرجوازية ايضاً , ابوه دكتور في القانون كان مستشار قانوني لاحدى الحكومات المحاظفة السابقة ومتقاعد الان ويعيش في فانكوفر , وامه رئيسة مكتبة جامعة بريتيش كولمبيا وايضاً هي دكتورة في تخصص المكتبات العامة , طبعاً اسرة ثرية جداً . تخيل محامي يعمل لصالح حكومة ! في امريكا الشمالية مهنة المحاماه مهنة دخلها عالي جداً !

وفعلاً في نهاية الاسبوع قدم اليكس وجينفر للبيت , وكان مع جينفر ادوات مطبخ كانت مستعيرتها من بارب , حينها قالت بارب ليتك يامحمد اتيت من زمان عشان ترجعلي ادواتي ! :)

اليكس وجينفر كانوا فعلاً ازواج سياسيين , مثل ما تخيلتهم تماماً يرتدون ملابس انيقه جداً جداً جداً , الملفت في الموضوع ان ملابسهم كانت ماركات عالمية لكن بدون أي مظهر باذخ مثل السعوديين البرجوازيين .

اليكس مسؤول عن لوبي ضغط في الحزب المحافظ , يضغط على الحكومة المحافظة في تقليل نسب الضرائب للشركات الصغيرة .

جينفر تعمل في المكتب الإعلامي للحزب المحافظ في وظيفة لا أذكرها بالضبط ماهي .

جلسوا يتحدثون ويسألون عن اخبار بارب وسألوني بعض الاسئلة الاعتيادية كيف وجدت كندا , وهل انت مرتاح هنا , وكيف تأقلمك مع الثقافة الجديدة , وعبرولي عن تفهم لمدى الصعوبة في التأقلم مع حياة غربية جديدة مختلفة كلياً عن ثقافتي الأصلية .

اجابتي لهم كانت غير متوقعه , لاني قلت بأن الثقافة الغربية سهلة التعامل ولا تحتاج لاي مشكلة طالما الانسان مستعد لتقبل حياة جديدة ومتفهم لها , وقلت لهم في الواقع انا مغرم بالحياة الغربية لأن حتى لو كانت هناك صعوبات في بعض التفاصيل الا انها بالمجمل هي تعكس عن افكار قيمية عالية مثل حرية التعبير والديمقراطية وحقوق الانسان .

والأهم الفردية المقدسة وهي أمر نحتاجه جداً قد لا تشعرون أنتم بأهميته لأنكم لا تعرفون غيره ولم تجربوا غيره , ولكن بالنسبة لي هذا شيء رائع جداً , والأجمل في كندا بأن الفردية مقدسة وفي نفس الوقت هناك دعم للمجتمع المدني من خلال الفردية , يكفي ان الرعايا الصحية في كندا عالية ومجانية لجميع المواطنين , هنا استطيع أن أقول بأن الفردية تعمل في نطاقها الصحيح , وامريكا خير دليل على ذلك , فردية عالية ولكن تطغى في جانب على النواحي الاجتماعية .

عند هذه النقطة بدأت مرحلة مختلفة كلياً في النقاش , حيث بدأوا في شرح سياسات الحزب المحافظ , والنواحي الاقتصادية , ثم قالوا أكثر من ٩٠٪ من المحافظين في كندا هم محافظين اقتصاديين فقط , ليسوا محافظين اجتماعياً , جينفر تتكلم عن اليكس تقول بأنها هي واليكس ليبراليين اجتماعياً , هم مع حقوق المثليين جنسياً , ومع نظرية التطور , ويدعمون بحوث الخلايا الجذعية . ثم قال أليكس : الناس من خارج كندا يعتقدون بأن محافظين كنداً هم امتداد في كل شيء للجمهوريين في امريكا , وهذا خطأ في كثير من الجوانب .

طبعاً انا لم اكن اعرف كل هذه التفاصيل ولم اكن اعرف بأن الاحزاب السياسية في بلد ديمقراطي من بلدان العالم الأول تتحرك على مستويات مختلفة وأن هناك اختلافات كبيرة بين النظريات والتطبيق الواقعي . كنت اعتقد بأن الصراع هو صراع مبادئ كما نعيشه نحن في العالم العربي , هم تجاوزا فكرة صراع المبادئ وتجاوزا جوانب كثيرة جداً حتى في النواحي التطبيقية , صراعهم هو على تفاصيل مختلفة تماماً عن ما نعرفه نحن عن صراعات التيارات في الشرق الاوسط . نحن لدينا كل طرف يرفض كل شيء للطرف الاخر , وقد لا تجد اصلاً نقاط اتفاق في بحر الاختلافات بين الناس .

اعتقد ان المرحلة الموجودة في كندا هي مرحلة متجاوزه على كل الاشياء التي نقرأ عنها ونسمعها في الاعلام العربي , الكل في كندا متفق على تداول السلطة , الكل في كندا متفق على الديمقراطية , الكل في كندا متفق على ٩٩٪ من حقوق الانسان , الكل في كندا متفق على الدستور , الكل في كندا متفق على أن المرجعية الأخيرة هي للمحكمة والقضاء .

أعود لأليكس وجينفر , سألني أليكس عن ميولي الفلسفية , قلت له حقيقة أن تكون في الشرق الاوسط لا يوجد خيارات كبيرة امامك , إما أن تذهب لليمين أو اليسار , وفي منطقة في المنتصف كبيرة جداً تجعلك تضيع داخلها .

رد علي بضحكة وقال : تسمحلي اقول انت لو في كندا ممكن تكون فين ؟
قلت : احب أعرف

قال : انت ميولك ليبرالية … اعرف كثير اصدقاء ليبرالين اذا تحب اني اعرفك عليهم … ممكن انهم يفيدوك .

قلت له طيب انت كذا قاعد تخدم الليبراليين , قال : ما فهمت عليك ..! قلت يعني انت تبغى تعرفني على ليبراليين وانت محافظ ,, ما تحب انك تعرفني على محافظين مثلك ؟

قال : ما فهمت عليك . هنا غيرت الموضوع لاني متأكد انه ما حيفهم علي اصلاً , بالمختصر لأنه كندي مش عربي .

طبعاً اللقاء استغرق اكثر من الوقت المخطط له , هم كانوا يريدون البقاء فقط نصف ساعة ولكنهم جلسوا تقريباً ثلاث ساعات , في هذه التدوينة اختصرت كثير من السياقات وذكرت الأمور العالقة في ذهني الان والمهمة من اللقاء .

-‫————————‬

خلال الاسبوعين التي قضيتها عند بارب انعزمت انا وهي ثلاث مرات , كل مرة عند احد من اصدقاءها من الذين يريدون التعرف على الكائن السعودي ” الي يقول عنه اليكس انه ليبرالي ” . كانت لقائات جميلة جداً تعرفت من خلالها على طبقة من المجتمع لن اصل لها حتى لو كنت مقيماً في كندا لمدة سنة ..

خلال هذي المدة استفسرت من بارب عن انها مؤقتة وليست دائمة قالت : يا محمد انا صديقة منسقة السكن عندكم في الكلية , وانا توقفت منذ مدة عن استقبال طلاب في بيتي , لأني اريد ان اشعر بحريتي , واستضفتك لأن منسقة الطلاب اتصلت علي وقالت بان هناك طالب في فندق ولم اجد له عائلة حتى الان , فقمت بمساعدتها باستضافتك .

بعدها قمت بزيارة مكتب منسقة السكن في الكلية لتسديد رسوم الاقامة ووجدت انها استقبلتني استقبال حار جداً على الرغم ان هناك طالب قبلي ينتظر في مكتبها , ثم نادت على مديرة المكتب وقالت هذا الطالب الي وصلنا ريبورت بارب عنه بالامس , تقولي بارب كتبت فيك تقرير رائع .

في الواقع انا لم أفعل أي شيء باستثناء الهدية التي قدمتها لبارب ” الوايرليس ” , واعتقد أن بارب ردت لي الهدية بطريقتها ! وبصراحة كان رد ممتاز لاني لا أريد أكثر من ترك انطباع جيد للأخرين عني .

-‫—————————–‬

قد يستغرب القارئ بأن معظم التدوينة عن بارب , وفي الحقيقة أن الايام التي بعد بارب لم اعش فيها اي تجربة مثيرة تساوي الايام حينما كنت اقيم عندها .

بعض النقاط المتفرقه التي احب أذكرها في هذه التدوينة عن بارب هي :

‫*‬ في إحدى الليالي طرق الباب شرطي ومعه شرطية . تحدثها مع بارب وقدمتني لهم لاني كنت في مجال نظرهم حينما فتحت الباب , لم افهم من الحوار شي سوا انهم اعطوها مذكرة وقالوا : بأن الاصل يحتاجون ان يحتفظوا فيه من اجل المستقبل في حالة تم فتح القضية مرة اخرى , وانهم كشرطه يعتذرون من بارب عن انهم لا يستطيعون تقديم سوى صور المذكرات ! .

ثم ودعاها ورحلوا . هنا بارب دخلت غرفتها ووضعت المذكرة ورجعت جلست على طاولة العشاء . قالت الان تريد التوضيح ؟ صح ؟

قلت اذا تحبين .

قالت : واجب علي اشرحلك الموضوع حتى لا تخاف . قلت ولماذا اخاف في كندا بالله عليكي , انا في بلد ممكن تسقط الحكومة اذا خالفوا القانون واعتدوا على حقوقي فما الذي يخيفني من شرطي يطرق الباب ؟!

قالت : ممتاز . الشرطة اتت لتعطيني صورة عن مذكرات ابنتي التي ماتت العام الماضي , هي في الواقع ماتت منتحرة , والشرطة احتفظت بكل اشياءها في مسرح الواقعه , لانهم كانوا يريدون التأكد بأنها ماتت منتحرة وليست مقتولة , بعد انتهاء القضية ابلغتهم بأني أريد أن احتفظ بمذكراتها ورسائلها قبل الانتحار , فما كنت متوقعه انهم حيوصلوها للبيت , كنت انوي اني اذهب استلمها بنفسي من عندهم , لكن هم صنعوا معروفاً واتوا بصورة المذكرات لعندي للبيت .

هذه كانت قصة بنتها ام جينفر

الغريب ان ابنها ايضاً هو الاخر مات منتحراً في السبعينات , اخبترني بذلك في تلك الليلة أيضاً .

لذلك افهم الان سبب تعلقها بجنفر واليكس , لانهم يمثلون لها ابنائها والباقين لديها من اقاربها .

‫*‬ بارب في احدى المرات اخبرتني بأنها في سبتمبر القادم وفي يوم عيد ميلادها ستقفز من الطائرة بالبراشوت , هذي عادة تمارسها كل عشر سنوات في عيد ميلادها , كررتها خمس مرات سابقاً وتنوي على السادسة الان !

‫*‬ عزمتني بارب في مطاعم مختلفة وكانت ترفض ان ادفع دولار واحد , وتقول انا لا اقبل ان يدفع عني رجل حساب مطعم ! .

‫*‬ بارب مؤخراً سجلت عضوية في الحزب الليبرالي , لكنها أكدت بانها ستصوت للمحافظين غالباً .!

‫*‬ اثناء الفطور من كل يوم كانت بارب تقرأ لي الاخبار من جريدة اوتواه المحلية , وكانت تلك فترة انتخابات رئيس بلدية اوتواه والمجلس البلدي , طبعاً الشخص الي رشحته مافاز

و في المجلس البلدي فاز شاب عمره ٢٤ سنة يعمل مدرب سباحة في مسبح عام , باع سيارته بعشرة الاف دولار واستلف ٥ الاف دولار من البنك وغطى حملته الانتخابية , مستقل غير مدعوم من اي حزب وصغير السن وفاز في المجلس البلدي . هذا الي يسمونه الفرص المتساوية لكل الناس . شعاره الانتخابي كان “لنستبدل دماء العجائز بدماء شابة في المجلس البلدي” . !

هذي نهاية التدوينة الأولى من سلسلة لا اعرف كم سيكون عددها احببت اني اسميها التجربة الكندية

شاهدت قبل قليل حلقة من البرنامج " الحريمي " الشهير كلام نواعم , الذي يُعرض على قناة الـ MBC , كان موضوع إحدى فقرات الحلقة هو مقال نادين البدير أنا وأزواجي الأربعة , وكما قيل في البرنامج أن البدير كانت على موعد مع معدين البرنامج للظهور في الحلقة ولكنها اختفت عن الأنظار ويبدوا أنها لم تعطي معدين البرنامج أي خبر مسبق يعلمهم بتغيبها المفاجئ , وحيث أن مثل هذا الأمر قد يحدث في أي لحظة لأي شخص , فلا أعرف ماهو  الطارئ الذي حدث للبدير والذي لم يمكنها من الحضور , أو فلنكن قاسين قليلاً على البدير ونقول انها لم تقدم سبب او اعتذار لتغيبها , في الأخير ليس هذا هو المهم بالنسبة لي كمشاهد , فغياب البدير لن يشكل لي أنا شخصياً أي مشكلة , وأقول لا تشكل لي مشكلة ذلك لأني قرأت البدير ووصلتني فكرتها ورأيها من خلال كتاباتها ولم أكن منتظراً رؤيتها على الشاشة , ( وإن كانت رؤيتها تمثل لدى البعض فرصة للتكحيل ) , ولكني تابعت الحلقة لأني كنت متوقع الأحداث مسبقاً , حيث أن في عالمنا العربي خصوصاً تغتال المرأة المرأة , وتحارب المرأة المرأة , وتطهد المرأه المرأة , ذلك كله يحدث على مرأى ومسمع من الرجل , بل حتى أحياناً قد يكون الرجل في موقف المعترض على تصرف المرأة في طريقة اغتيالها للمرأة , ولا تندهش عزيزي القارئ إذا قلت لك أن إغتيال المرأة للمرأة لا يتم عادة من إمرأة مضطهدة , بل للأسف يحدث هذا من خلال إمرأة متحررة لمرأة قد توازيها تحرراً وقد تكون أكثر منها تحرراً .

 

في مقال سابق لي كنت أدعوا لأن تطالب المرأة نفسها بحقوقها وكنت أقول بأن مطالبة الرجل بالحقوق للمرأة لن تحقق شيء يذكر مقارنة بما إذا كانت هي نفسها تطالب بحقوقها لأنه بطبيعة الحال الحقوق تنتزع وتُؤخذ ولا تمنح , في الحقيقة أني كنت ادعوا في مقالي ذاك لإظهار محاربة المرأة لنفسها قبل محاربة الجنس الآخر , وللأسف حلقة البرنامج آنف الذكر تدلل على أن المرأة عادة ما تكون عدوة لنفسها . 

 

حيث أن اسم البرنامج ( كلام نواعم ) أي بالمعنى الدارج ( سوالف نسوان ) خير دليل وشاهد على ما أقول , وعلى رأي الغذامي في كتابه المرأة واللغة : أن المرأة كانت محصورة في نطاق الحكي , فإنها للأسف من خلال هذا البرنامج تؤكد أنها لم تبرح ساحتها المفضلة ( ألحكي ) , فالبرنامج بالمختصر لم يخرج عن دائرة الحكي بل الحكي هو عنوان البرنامج , وصدق أحدهم حينما قال : حينما اشاهد برنامج كلام نواعم : أتخيل نفسي في لمة نسوان بعد المغرب عند بيت جارتنا أم ناصر , المهم في الموضوع هو طريقة تناول هؤلاء النسوة لمقال البدير , حيث أن المذيعة المصرية ( لا أعرف اسمها ) حاولت أن تثأر لبرنامج اللمة من البدير بسبب تغيبها , وكالت لها جميع انواع التهم التي لا تمس سلوكها فقط بل حتى رأيها الذي كتبته في المقال , ووجهت لها تهم بعدم جديتها , وعدم وثوقها في نفسها , بل أنها جعلت من خلال الدقائق الأولى للبرنامج عبارة عن دقائق لتصفية حسابها مع البدير , ولأن المذيعة " المصرية " هي وبقية المذيعات يعتقدون بأن البرنامج عبارة عن مساحة شخصية , فلم تتوانى إحداهن من الاقتصاص من البدير , حيث أن المذيعات الأخريات كالوا لها تهم من نوعية ( أن البدير فقط تحب لفت النظر , أن البدير مجرد انسانة فارغة لا تجيد الا الزوبعة , أن البدير عندها مشكلة فطرية وشذوذ نفسي وسلوكي واخلاقي )  , فبقدرة قادر تحول النواعم إلى ثعالب , وتحولت الأنوثة التي يفتخرون بها إلى خربشة قطاوة . والمضحك في الموضوع أن فرح بسيسو حاولت إفراغ سهامها وعقدها الثقافية على البدير ووصمتها بأنها فقط كتبت المقال لتنطبق عليها مقولة – خالف تعرف – !! .

 

في موضوع حساس مثل الذي كتبت عنه البدير , حيث أنها أرادت من خلال مقالها أن توضح بأن المبررات التي يستخدمها الرجل لتبرير التعدد , يمكن أن تستخدمها المرأة لذات الفعل , أي أنها أرادت بأن تقول للرجل حاول أن تجد مبررات أخرى , فلو أن الرجال لم يفهموا مقالها والمعنى المبطن ( رغم إني مؤمن أنهم أكثر من فهم مقالها ) , إلا أن موقف المرأة على الأقل يجب أن يكون أكثر فهماً لطبيعة الفكرة التي طرحتها البدير , على اعتبار أنها هي المعنية بالمشكلة , ولكن لأن المرأة في العالم المتخلف , مبرمجه على اغتيال نفسها , فإنها حتى وإن بدت بأنها متحررة وأنها تعيش في مجتمعات علمانية ( مثل فرح بسيسو السورية أو رانيا برغوت اللبنانية )  فأنها لم تتحرر حقيقة من ثقافة النسق الذكوري الذي ذكره وبرهن عليه الغذامي في كتابه المرأة واللغة .

أما عن نفسي أنا أستطيع الجزم بأن كل الموجودات لم يقرأوا المقال , بل إن بعضهم اكتفى فقط بالعنوان , وهذا ظاهر من خلال تعليقات رانيا برغوت وفرح بسيسو المصرتان خلال الفقرة على مناقشة فكرة تعدد المرأة , ولم يتعدون العنوان لأصل مشكلة التعدد كسبب لمقالة البدير .

نهاية أنا أشكر البدير ليس على مقالها بل لعدم حضورها للبرنامج , لأنها اعطتني المبرر الأخلاقي للتعدد , فإمرأة تغتال حقوقها بيديها , لا تستحق أن امنحها حقوقاً كمكرمه أو كمنحة .

في ساعة مبكرة من نهار اليوم , كانت الحالة المزاجية ليست في أفضل حالاتها , دخلت كعادتي على صفحتي في الفيسبوك , وهو اجراء روتيني على أية حال , وكالعادة لم أشعر وقتها بأي احساس آخر سوى بملل قاتل , وخصوصاً حين اترقب بالنظر لمربع التنبيهات الخاص بالفيسبوك والذي انتظر فيه كعادتي اي تنبيه عن تحديث يخصني على صفحتي في الفيسبوك .

خلال تلك الدقائق القاتلة فعلاً , وجدت أن هناك مشاركة لمقطع فيديو على اليوتيوب من أحد الأصدقاء , لم يشدني المقطع لأن الصديق الذي رفعه لم يكتب تعليق شدني له , وكون صفحتي في الفيسبوك حينها كانت تعج بتحديثات غبية لا تهمني لا من قريب أو بعيد , فلم أشعر إلا وأنا افتح المقطع المذكور وانتظر تحميله , ولكون المقطع طويل بعض الشيء حيث أنه يزيد عن السبع دقائق , فقد اوقفته بانتظار استكمال تحميله وذهبت لتصفح بعض المواقع الاخبارية الاخرى , وهي على فكرة مواقع مملة وكئيبة جداً – من مثلاً يفتتح يومه بتصفح ( الشرق الأوسط – الحياة – الشبكة الليبرالية السعودية …. ) – والمشكلة الحقيقية تكمن أن الأخبار والمواضيع المنشورة في المواقع هذه تصيب الانسان بالاحباط بشكل مباشر وأيضاً بشكل غير مباشر , فهل يا ترى استفتاح يوم بخبر مثل هذا أو هذا , هو عمل جيد وقد يكون فاتحة خير مثلاً ؟ !

عموماً بعد قراءة تلك الأخبار الي تسم البدن , رجعت للمقطع الذي حملته وبدأت مشاهدته , حينها فقط أستطيع القول بأن هذا المقطع سبب لي صدمة نفسية ووجدانية وحضارية . فعلاً لم أكن أستوعب ما أرى , ليس لأن ما شاهدته غريب علي بالكلية أو مثلاً لم أكن أتوقع حدوثه في يوم من الأيام , بل لأنه أتى في حالة كنت فيها محبطاً بشكل كبير , والمصيبة أني لم أكن أعلم بأني في تلك الحالة النفسية السيئة إلا بعد ما شاهدت المقطع .

وعلى الرغم من أني سافرت لخارج المملكة كثيراً ولدول أوروبية تحديداً , لكني لم أشعر بما شعرت به الآن , ولأن السبب أيضاً يعود لأن ما تعيشه في لحظة يكون في حالة من التطرف الشديد لإحدى الاتجاهات , وفجأة تنقلب إلى الإتجاه الآخر بشكل مريع , هنا أضمن بأن ما يحدث في العقل ليس سوى زلزال قوي يتعدى السبع درجات الريختارية ويسبب موجات تسونامية ارتدادية عنيفة , تنعكس على المشاعر الداخلية وتسبب حالة لا يمكن وصفها .

وحتى لا أطيل الهذرة تعالوا لنشاهد المقطع , وأرجوا عدم إكمال قراءة المقال قبل مشاهدة المقطع كاملاً .

 

 

هل رأيتم المقطع ؟

ما شاهدته أعلاه هو هدية الخطوط البرتغالية لركابها المسافرين في ليلة رأس السنة , الفكرة بسيطة جداً , هو أن الشخص المسافر على الخطوط البرتغالية والمتواجد في صالة المطار ويقف في طابور الشحن عند كاونترات الشركة ينتظر دوره , وغالباً ما يكون مزاجه يشبه مزاجي الصباحي وذلك لأنه مسافر في وقت يحتفل فيه الناس بدخول السنة الجديده , ولأن هذا الشخص المسافر هو جزء من المجتمع ولأن موظفين الشركة هم أيضاً جزء من المجتمع , ولأنهم هم أيضاً مزاجهم وقتها قد يشبه مزاجي ومزاج المسافر , فإن الواجب الإنساني والحس الثقافي لدى الشركة أنتج فكرة بسيطة جداً .

وهي لماذا لا نشعر هذا المسافر أنه في احتفال ؟ وكيف نجعله يشارك في هذا الاحتفال بتلقائية انسانية بشرية طبيعية ؟

وبنفس الوقت نجعلها فكرة بسيطة يمكن تطبيقها بدون أي مجهود أو مصاريف زايده لا معنى لها – طبعاً ماكان فيه سعودي في الشركة وإلا لكان الموضوع تحول لمناقصة تجارية – .

اغنية تذاع في مكبرات الصالة , ومشاركة من الموظفين بالرقص لتحفيز المسافرين على الرقص كفيلة بجعل المسافر سعيداً لبقية اليوم , وسعادة كبيرة وغامرة ليست سعادة مزيفة على أية حال , بدليل أني ابتسمت وشعرت بجزء من فرحتهم وأنا أشاهد المقطع .

إن محاولة التدقيق في المقطع وإعادته عشرات المرات خلال , جعلتني اندهش من ثقافة هذه المجتمعات , انهدش من استمتاعهم بالحياة , انهدش من تحويلهم اكتئاب العمل وضغوط الحياة لفرح وسعادة وتطلع للعيش بهناء , نحن حتى نجهز لحفلة رسمية , نحتاج ألف توقيع , وألف واسطة , وحرب مع المجتمع ومع الهيئة ومع المتعاونين وطلاب العلم والمشايخ , وفي الأغلب انها لن تنجح فقد يأتي خطاب المنع في اللحظات الأخيرة , بينما في مجتمعات أخرى الموضوع سهل لدرجة أنه لا يحتاج لتجهيز , فهو سلوك اجتماعي متكرر وطبيعي وغير متكلف وتلقائي .

نحن حتى في الأعياد وفي المناسبات الدينية الكبيرة , لا نعرف كيف نفرح ولا نعرف كيف نكون سعداء , لم أشعر في يوم من الأيام من حياتي أن عيد الفطر أو عيد الأضحى هو مناسبة للسعادة , والله أني اشعر بملل قاتل يوم العيد , أحب أن أقضيه في النوم بعيداً , وأدعوا الله أن ينتهي سريعاً . لأنه بكل بساطة لا يوجد سبب للفرح يوم العيد , لأنه في أحسن الأحوال ينقضي في مقابلة أقارب لا تحبهم أو لا تعرف عنهم سوى يوم العيد وتضطر للتصرف بشكل رسمي امامهم , وقد تدخل في نقاش حاد مع احدهم تخرج بعدها بمزاج اسوء من مزاجي الصباحي .

دققوا النظر في وجوه الناس , انظروا كيف الابتسامة والفرح بادية عليهم , انظروا لملامح المسافرين كيف تتحول من العبوس إلى الابتسامة والانتعاش في ثواني , فقط بالمسويقى والرقص .

مقاطع أخرى

انا بصراحة مستعد أن أتخلى عن كل مكاسبي المادية في المجتمع الذي أعيش فيه واستبدله بهذا المجتمع الجميل والتلقائي والسعيد .