شاهدت ليلة البارحة الاحتفالية التي نظمتها قناة الرسالة الفضائية بمناسبة مرور ثلاث سنوات على تأسيسها , وكان “الدكتور” طارق السويدان يجلس مع مقدم البرنامج ويستقبلون شخصيات متنوعة من الذين شاركوا في صناعة القناة وإعداد البرامج وبعض الشخصيات المختلفة التي تعتبر مهتمة بصناعة الإعلام “الإسلامي” أمثال الأستاذ مالك الأحمد ,
وقد تطرق الحديث عن الكثير من الجوانب التي جعلتني متسمراً أمام القناة أثناء عرض البرنامج المخصص للاحتفالية وقد نوقشت في تلك الحلقة بعض المواضيع التي جعلتني أفكر كثيرا في كتابة الفكرة التي أنا بصدد طرحها في مقالي هذا , أثناء الحوار بين مقدم البرنامج وطارق السويدان والأستاذ مالك الأحمد
طرح الأخير الكثير من السلبيات التي يراها متواجدة في ما يسمى “الإعلام الإسلامي” من ضمنها أن القنوات الدينية مازالت تعاني من الرتابة والنمطية التي حتماً تؤدي للملل !
كما قال موضحاً أن البرنامج الديني لم يخرج عن شخص جالس على كرسي ومكتب ويتكلم ويوجه وينتهي البرنامج ويأتي برنامج آخر بنفس الأسلوب ونفس الطريقة مما ينعكس ذلك على خلق نمطية جعلت المتابع يتذكرها كلما سمع باسم أي قناة دينية وقال أن قناة الرسالة تعاني من نفس المشكلة ,
كما قال أيضاً أن ضعف الإخراج والصورة و الجرافيكس أيضاً أحد عوامل ضعف القناة الدينية حينها قاطعه طارق السويدان أو المقدم وقال له أنها كل ما ذكرته صحيح ولكنها تبقى قناة دينية وهناك مساحة محددة لا نستطيع الخروج عنها َ , طريقة الحوار الأنفة والردود تعطينا اعتراف على لسان أهل “الإعلام الديني ” أن المحاذير الإعلامية والخطوط الحمراء الدينية التي لا ينبغي الخروج عنها تعيق من تقدم القناة ومن كسر الرتابة والملل الذي يعانون منه ,
وهذا يحيلني إلى الحقيقة التي أنا مقتنع بها وهي أنه لا يوجد شيء في العالم اسمه إعلام ديني وإذا ما كان فإن مآله الفشل , وهذا ما قاله الأستاذ مالك الأحمد حينما تنبأ به لمقدم البرنامج وقال له : أن 50% من القنوات “الإسلامية” ستفشل ولن تنجح وبرر ذلك بأن معظم القنوات الدينية كانت عبارة عن مشاريع جراء ردة فعل معينة أو حماسة في فترة مؤقتة وبعد ذلك تخف الحماسة وتبدأ القناة بالتدهور وضربوا مثال بقناة الناس وهي قناة إسلامية سلفية لا يخرج بها إلا الذكور فقط ,
بعد ذلك تطرق الأستاذ مالك الأحمد رداً على سؤال مقدم البرنامج عن تاريخه الشخصي مع الإعلام ذاكراً أن هناك فشل في مسيرته الإعلامية ونجاح وحينما سؤل الأستاذ مالك الأحمد عن إنتاجه الإعلامي خلال مسيرته الطويلة أجاب انه أنتج برنامجين وثائقيين اثنين فقط ! احدهما نجح واستطاع بيعه وذلك بعد أن أخذ فتوى من احد الشيوخ في هيئة الإفتاء في السعودية تجيز له استعمال الموسيقى التصويرية حتى ينجح في تسويقه على المؤسسات الإعلامية والقنوات الفضائية والبرنامج الآخر لم يستطع بيعه
وأنا بدوري هنا أسئل الأستاذ مالك الأحمد إذا كنت أنت شخصياً النجاح الذي حققته عبارة عن برنامجين وثائقيين اثنين فما هو الفشل من وجهة نظرك ؟
ومن ثم أليس من الأفضل لك هو إعادة النظر في مفهومك الكامل للإعلام ككل والذي يندرج تاريخك كله تحت مشروع ” الإعلام الديني ” ؟
لقد برر الأستاذ مالك الأحمد سبب فشل “بعض” مشاريعه إلى عدم وجود دعم مادي وإلى عزوف القنوات عن المشاريع ذات الطابع الديني .
في الحقيقة أن عزوف تلك القنوات عن البرامج الدينية يعود إلى أن البرامج الموجهة الدينية لا تعي ضروريات الفن المعاصر والتي تعني بالضرورة إلى وجود مقومات أساسية تتعارض مع الخطوط والقيود الدينية التي تشكل العائق الحقيقي أمام وجود ما يسمى إعلام ديني ,
تلك القيود تتعارض مع فن الصورة وفن الصوت وفن الدمج بينهما , فكيف يكون هناك جذب بصري دون أن يكون للجمال حضور هذا الجمال يعني بالضرورة لوجود امرأة تتحلى بمستوى معين من الجمال ورغم من أن هذه الحقيقة تزعج الكثيرين ولكنها تبقى حقيقة يجب أن يعيها أهل الإعلام الديني صحيح أن هناك بعض النجاحات لبعض البرامج لم تكن تحتوي على العنصر الأنثوي ولكن نجاحاتها فردية ولا يعتد بها والمقياس الحقيقي والمعيار الضروري هو الجمال بأنواعه كلها و جميعها وما اتفق عليه معظم الجمهور بأنه يندرج تحت مسمى الجمال ومن ضمنها الأنثى الجميلة صحيح أنه ليس كل النجاح هو امرأة جميلة ولكن لا نستطيع أن ننكر انه المفتاح الأول والرسالة الأولى للجذب لكلا الجنسين ,
الأمر الآخر هو كيف يكون هناك جذب سمعي إذا لم يكن هناك موسيقى وهذا بدوره يتعارض مع المحاذير الدينية والتي تعتبر الموسيقى محرمة وفي أفضل الأحوال تباح الموسيقى الدينية أو التصويرية وتحرم الأنواع الأخرى من الموسيقى مثل الأغاني والطرب , هذا لا يعني إلا أن صناعة الإعلام بعيدة تماماً عن الأفق الديني الإسلامي والذي يتعارض مع أساسيات الإعلام فالإعلام صناعة لا يستطيع التعامل معها إلا من يؤمن بمبادئها والتي تعني العولمة والتسامح والليبرالية والحرية تلك المفاهيم التي هي بالضرورة بعيدة بالكلية عن البانوراما الفكرية للعقل الايديلوجي ,
المشكلة أن هناك الكثير من المؤسسات الإعلامية المؤدلجة من غير الإسلامية مثل القنوات التي تؤمن بالشيوعية والاشتراكية فشلت أيضاً في المنافسة وذلك لأن من أسباب الفشل أيضاً هي الايديلوجيا فالإعلام المؤدلج غالباً يفشل ويعود ذلك للكثير من العوامل أهمها أن الايديلوجيا رسائلها مباشرة ومعروفة سلفاً وهذا ما يجعل المشاهد يمل منها والفن الذي يرتبط بالإعلام بالدرجة الأولى أصبح في الوقت المعاصر يتخذ المواربة وعدم المباشرة كوسيلة للوصول وهذا ما يفقده دائماً الإعلام المؤدلج .
في الواقع أن الداعين للإعلام الديني يتناسون أنهم يستخدمون آلية مقلوبة بحيث أنهم يدمجون بين الدين والإعلام وهنا أنا لا أعترض على استخدام الدين للإعلام للوصول فهو وسيلة للحرية ولكن الاعتراض هو أن يكون الدين موجه للإعلام هنا سيكون مآله الفشل وذلك لأن الدين لا يستطيع حكم جميع وسائل الحياة ولو كان بمقدور الدين حكم الحياة بشكل كامل لما رأينا من يزني ومن يعص ومن يسرق ومن يغتصب ومن يرتكب المعاصي الدينية فكيف يريد أن يوجه ويحكم وسيلة حياتية بشكل كامل ؟
وبالعودة للبرنامج كان هناك اعتراض للأستاذ مالك الأحمد على تكرار نجوم ( هكذا تسميهم قناة الرسالة ) معينين أمثال الشيخ عايض القرني وقال أنهم مستهلكين وهنا اعترض الدكتور طارق السويدان وقال أن جماهيرية عايض القرني كبيرة وهو بالأخير مطلوب منه كمدير للقناة أن يحقق جانب ربحي ولهذا ضروري أن يكون عايض القرني متواجداً واستشهد بالنجاح الذي يحققه سلمان العودة في برنامجه على قناة الامبي سي الحياة كلمة ورغم أن سبب نجاح سلمان العوده يعتبر موضوع مختلف عن ما أنا بصدد الحديث عنه ولكن استطرد طارق السويدان وقال أنه مطالب بعدم الاتكال في الجوانب المالية على سمو الأمير الوليد بن طلال فقط وان يحقق هو جزء من الدخل باعتماده على الإعلانات وغيرها والسؤال الذي يطرح نفسه هل يمكن يا دكتور طارق السويدان أن تصل في يوم من الأيام أن تعتمد على أرباح القناة دون الاعتماد على مصدر دخل ثابت أو ممول ثابت مثل الأمير الوليد بن طلال ؟
حقيقةً لا أعتقد لاني كما أسلفت سابقاً أن لو كان هناك نجاح للرسالة فهو يعود بالدرجة الأولى لوجود مصدر وممول ثابت مثل الأمير الوليد بن طلال والذي هو بدوره نشاطاته الربحية كثيرة جداً ومتنوعة مثل قنواته الأخرى من باقة روتانا وفوكس موفيز وغيرها وأنا هنا أعني بالإعلام فقط وليس مصادر الدخل الأخرى التي يمتلكها الأمير وهذا ما هو موجود في قنوات مثل مجموعة الأمبي سي العملاقة التي لا تنافسها مجموعة أخرى في أسعار الإعلان عليها وحتى قناة إقرأ فبعد العشر سنوات من تاريخها لم نرى أقرأ أخرى ولأنها هي مثل أختها الرسالة تعتمد على ممول ثابت يصنع دخله من قنوات أخرى مثل قنوات الرياضة والشوتايم .
ولذلك لا أعتقد أن يأتي يوم تكون هناك قناة دينية يمكن أن نقول بأنها مشروع ربحي وكل مشاريع القنوات الدينية يمكن تسميتها بمشاريع الصدقة الجارية والوقف الإسلامي لمن يريد أن يزكي أمواله من أصحاب القنوات الأخرى أو من التجار الذين لديهم طموح ديني معين ولكن سرعان ما ستختفي إذا مات هذا التاجر أو ماتت حماسته .
هذا ما أحببت أن أعلق عليه وآسف على الإطالة .


انا مهتم بالسياسة والثقافة العامة والكتابات الدينيةهذه المدونة أكتب فيها ما يعبر عن وجهة نظري في لحظة كتابة المقال وهذا لا يعني أنني سأبقى مقتنعاً بكل فكرة كتبتها مدى الحياةبل أن هناك الكثير من الأفكار قد تتغير وتتبدل إذا تغيرت الظروف واستطعت فهم الواقع بشكل مختلفباب النقد مفتوح على ( البحري ) سواءً في التعليقات أو في الرسائل الخاصة!





