أشاهد بين فترة وأخرى مقتطفات من برنامج خواطر خمسة للأخ أحمد الشقيري والذي يعرض على قناة الإمبي سي قُبيل أذان المغرب والذي تم تصويره في اليابان . تقوم فكرة البرنامج بتعريف المشاهد على شواهد من اليابان .
البرنامج في المجمل يحمل أفكار جديدة على إعلامنا العربي. ويعرف المشاهد بشكل واقعي وملموس باليابان عن طريق إتباع أسلوب البرامج الوثائقية المختصة بالسفر والسياحة والتي اعتدنا عليها في القنوات الأجنبية من حيث سلاسة التصوير وتلقائيته وطريقة المقدم في السير بالكاميرا في الشارع وإجراء مقابلات ورصد مشاهد من واقع المجتمع الياباني .
إلا أن الطريقة التي يريد فيها الأخ الشقيري إيصال الفكرة تحتاج لإعادة نظر وذلك لأن الطريقة التي يتبعها الشقيري والنظرة التي يحملها معه ويلقيها علينا خلال التصوير كمشاهدين ليست حكراً على الشقيري , بل هي نظرة تكاد تكون عامة على شريحة كبيرة من المجتمع وخصوصاً من سافر وعاش لفترات زمنية في دول أوروبية أو في الولايات المتحدة الأمريكية .
بل أعترف أنا شخصياً بأني حينما كنت أسافر مع عائلتي في عطلات الصيف سواء في أوروبا أو في أمريكا كنت أتعامل مع الواقع الموجود هناك بنفس أسلوب الشقيري . ليس ذلك فقط بل حتى عندما زرت الإمارات العربية الشقيقة كنت مذهولاً من نظافة البيئة العمرانية وسلوك المجتمع النظامي وتطبيق القوانين الصارمة وما إلى ذلك من مشاهدات لا توجد في واقعنا العربي بالمجمل والسعودي خصوصاً.
النظرة التي أقصدها هي حينما نرى سلوك حضاري معين أو سلوك اجتماعي يراعي النظام والقانون والمحافظة على الوقت وما إلى ذلك من السلوكيات الاجتماعية الحضارية نبدأ في مسلسل من الندم والنقد اللاذع لذاتنا بشكل سطحي دون أن نعطي أنفسنا الوقت الكافي لاستيعاب ما نريد قوله , فنبادر إلى شتم أنفسنا وتحقير ذواتنا ومجتمعنا إذا رأينا مجوعة من الزبائن تقف في صف مستقيم عند المحاسب أو إذا رأينا أشخاص يلقون بفضلات طعامهم في أماكنها المخصصة أو حتى إذا رأينا طلاب مدرسة يمشون بشكل منتظم في الشارع وغيرها من الشواهد الحضارية التي نراها في مختلف الدول المتطورة .
المشكلة هي أننا دائماً ما نتجاهل وخصوصاً من مثقفينا وكتاب صحفنا عندما يصدعون رؤوسنا بمشاهداتهم تلك على صفحات الجرائد عن السبب الذي أدى لذلك السلوك , بمعنى أننا نقضي معظم الوقت في الشتم والنقد والقليل المتبقي من الوقت في التباكي على ماضينا وعلى معتقدنا الذي حثنا على الحضارة في عبارات مفتوحة . ولكننا لم نسأل أنفسنا كيف ؟ ولماذا ؟ وماهية الطريقة التي تجعلهم يفعلون ذلك السلوك الحضاري ؟ .
إن الفرد الذي يقوم بسلوك حضاري يكون ظاهرياً هو سلوك فردي ولكن في الواقع هو ليس سلوك فردي ولكنه نتيجة نسق ثقافي كامل ونسق اجتماعي كامل بمعنى أن الإنسان الياباني الذي يتحدث عنه أحمد الشقيري في برنامجه هو فرد مبني كإنسان ومدِرك كإحساس لكيانه كعنصر داخل إطار المجموعة . وهذا يأتي نتيجة بناء المجتمع على مفاهيم تم بناءها من خلال التجربة الجمعية من جهة ومن خلال اعتمادهم على مفكريهم وما ينتجونه من أدبيات ونظريات اجتماعية طابقت تجربتهم وفق علاقة تبادلية حرة المساحة ودون قيود سواءً كانت تلك القيود هي دينية أو اجتماعية أو ثقافية … الخ.
اليابان كدولة ليبرالية لم تنشأ بهذا الشكل الذي نراه بين ليلة وضحاها . والإنسان الياباني لم يتعلم هذا السلوك كفعل مجرد أو بالصدفة بل أن هناك أمور كثيرة تعلمها وقام بتجربتها وبعد ذلك أصبحت السلوكيات الحضارية التي نراها هي مجرد تحصيل حاصل .
اليابان مرت بصدمة حضارية قوية بعد الحرب العالمية الثانية . كان هناك في اليابان مراجعات نقدية شاملة على كل المستويات على الدين وعلى الثقافة وعلى مفاهيم المواطنة والولاء للدولة وغيرها . كون اليابان تصبح صديقه للولايات المتحدة الأمريكية على الرغم من أنها كانت الخصم لها في غضون أقل من عشرة سنوات . وتتحول من العداء السياسي والاقتصادي إلى حليف وصديق على مستوى الشعب قبل أن يكون على مستوى الدولة وبالرغم من أن أكبر جريمة حربية تمت وأول وآخر استخدام للسلاح النووي كان على مدن يابانية من قبل هذا العدو – أمريكا – وبعد ذلك تتحول إلى دولة صديقه في أقل من عقد ,
هذه خطوة تشير إلى أن البنية الثقافية للفرد الياباني والمرونة والنظرة البراغماتية التي يحملها هذا الفرد ليست بالأمر السهل أبداً . وأن الصدمة التي حدثت لهم عرفوا كيف يحولوها إلى طاقة ايجابية للبناء وليس للهدم .وهي على فكرة تحتاج إلى دراسة حتى نعرف كيف تم استيعابها خصوصاً حينما يكون لدى الشعب إرث حضاري ضخم وتاريخ ثقافي ورصيد كبير تم استخدامه في الشحن العاطفي والنفسي خلال الحروب الماضية . فليس من السهل على الفرد الياباني أن يستوعب بأن الشخص الذي كان يحاربه والذي كان يرى في داخل نفسه بأنه حضارياً وتاريخياً أعرق وأفضل منه يصبح صديق وشريك اقتصادي .
نحن في بلداننا – العالم الثالث- لم نستطيع أن تخيل صداقتنا مع الولايات المتحدة أو الغرب لأننا نرى بأنهم يدعمون أعدائنا . وحينما تكون هناك مبادرات من القيادات في بلداننا لعقد صفقات شراكة مع الغرب نكون نحن الشعب أول من يرفض ذلك وأول من يخون القيادات وأول من يعلن الحرب على الحكومات قبل أن نعلنها على الغرب .
نحن حتى هذه اللحظة ما زلنا على مستوى الشعوب نرى بأن الحدود السياسية التي تشكل أوطاننا هي أمر طارئ ونعتبرها أمر مؤقت لأننا ما زلنا لا نعترف بها على المستوى الشعبي وفي داخل الوجدان الفردي. فما زال معظمنا يعتقد بأنه سيأتي اليوم الذي تتوحد فيه تلك الدول لتشكل الأمة الإسلامية التي نقرأ عنها في التاريخ. و حتى عندما نفكر بشكل أكثر تقدمية نعتقد أن الوحدة ستكون وحدة عربية على أقل تقدير.
هذا على المستوى الشعبي فيما يختص بالسياسة .
الأمر المهم في أن تلك النظرة التي يتحدث بها الأخ الشقيري تتعامل مع الظواهر السلوكية بشكل مجزأ , بمعنى أنه دائماً ما يعتقد بأن علاج السلوكيات وفهمها يكون بشكل جزئي أو مفكك وهذه النظرة فشلت في حل المشاكل الاجتماعية وفهمها . ولهذا بدأت النظريات البنيوية وبعد ذلك المنظومية هي التي يُعتمد عليها في علم الاجتماع أي أن السلوك الاجتماعي يكون نتيجة عوامل كثيرة متداخلة وليست نتيجة سبب واحد أدى إليها .
حينما ينظر أحدنا لسلوك حضاري في المجتمعات المتطورة نعتقد أنه بسبب النظام الصارم, أو أنه بسبب الدين الذي يحمله الفرد , أو بسبب التربية الأسرية التي تلقاها, أو لأي سبب كان , ولكن في الحقيقة أن كل هذه العوامل تدخل في تشكيل السلوك الفردي والذي يصنع السلوك الاجتماعي كله .
أي أن الاعتقاد بان الانضباط واحترام القانون كسلوك كان نتيجة سبب واحد هو اعتقاد خاطئ ولكنه نتيجة الكثير من العوامل .
و لهذا حينما نريد أن نصبح مثل الدول المتطورة كما تريد وكما أبهرتنا يا أستاذ أحمد, عليك أن تقول لنا بأننا نحتاج نقد ومراجعة لكل شيء سواء كان ذلك على علومنا الاجتماعية أو النفسية أو الثقافية بل حتى الدينية.
لكن أن نذهب لليابان أو إلى أوروبا ونتحدث في المجالس وفي الصالونات ما رأينها وما عايشناه ونُرجع ذلك دوماً إلى بعدنا عن الدين أو عدم تربيتنا في المنزل وغيرها من المسببات بشكل مجرد ومنفصل عن بعضها سيكون مجرد مضيعة للوقت وقرقرة فاضيه .
هذه كانت نظرة سريعة وأفكار على برنامج خواطر خمسة وقريباً أتمنى أن أتمكن من الحديث عن أمور أخرى ذات علاقة .




انا مهتم بالسياسة والثقافة العامة والكتابات الدينيةهذه المدونة أكتب فيها ما يعبر عن وجهة نظري في لحظة كتابة المقال وهذا لا يعني أنني سأبقى مقتنعاً بكل فكرة كتبتها مدى الحياةبل أن هناك الكثير من الأفكار قد تتغير وتتبدل إذا تغيرت الظروف واستطعت فهم الواقع بشكل مختلفباب النقد مفتوح على ( البحري ) سواءً في التعليقات أو في الرسائل الخاصة!





