أشاهد بين فترة وأخرى مقتطفات من برنامج خواطر خمسة للأخ أحمد الشقيري والذي يعرض على قناة الإمبي سي قُبيل أذان المغرب والذي تم تصويره في اليابان . تقوم فكرة البرنامج بتعريف المشاهد على شواهد من اليابان .

البرنامج في المجمل يحمل أفكار جديدة على إعلامنا العربي. ويعرف المشاهد بشكل واقعي وملموس باليابان  عن طريق إتباع أسلوب البرامج الوثائقية المختصة بالسفر والسياحة والتي اعتدنا عليها في القنوات الأجنبية من حيث سلاسة التصوير وتلقائيته وطريقة المقدم في السير بالكاميرا في الشارع وإجراء مقابلات ورصد مشاهد من واقع المجتمع الياباني .

إلا أن الطريقة التي يريد فيها الأخ الشقيري إيصال الفكرة تحتاج لإعادة نظر وذلك لأن الطريقة التي يتبعها الشقيري والنظرة التي يحملها معه ويلقيها علينا خلال التصوير كمشاهدين ليست حكراً على الشقيري , بل هي نظرة تكاد تكون عامة على شريحة كبيرة من المجتمع وخصوصاً من سافر وعاش لفترات زمنية في دول أوروبية أو في الولايات المتحدة الأمريكية .

بل أعترف أنا شخصياً بأني حينما كنت أسافر مع عائلتي في عطلات الصيف سواء في أوروبا أو في أمريكا كنت أتعامل مع الواقع الموجود هناك بنفس أسلوب الشقيري . ليس ذلك فقط بل حتى عندما زرت الإمارات العربية الشقيقة كنت مذهولاً من نظافة البيئة العمرانية وسلوك المجتمع النظامي وتطبيق القوانين الصارمة وما إلى ذلك من مشاهدات لا توجد في واقعنا العربي بالمجمل والسعودي خصوصاً.

النظرة التي أقصدها هي حينما نرى سلوك حضاري معين أو سلوك اجتماعي يراعي النظام والقانون والمحافظة على الوقت وما إلى ذلك من السلوكيات الاجتماعية الحضارية نبدأ في مسلسل من الندم والنقد اللاذع لذاتنا بشكل سطحي دون أن نعطي أنفسنا الوقت الكافي لاستيعاب ما نريد قوله , فنبادر إلى شتم أنفسنا وتحقير ذواتنا ومجتمعنا إذا رأينا مجوعة من الزبائن تقف في صف مستقيم عند المحاسب أو إذا رأينا أشخاص يلقون بفضلات طعامهم في أماكنها المخصصة  أو حتى إذا رأينا طلاب مدرسة يمشون بشكل منتظم في الشارع وغيرها من الشواهد الحضارية التي نراها في مختلف الدول المتطورة .

المشكلة هي أننا دائماً ما نتجاهل وخصوصاً من مثقفينا وكتاب صحفنا عندما يصدعون رؤوسنا بمشاهداتهم تلك على صفحات الجرائد عن السبب الذي أدى لذلك السلوك , بمعنى أننا نقضي معظم الوقت في الشتم والنقد والقليل المتبقي من الوقت في التباكي على ماضينا وعلى معتقدنا الذي حثنا على الحضارة في عبارات مفتوحة . ولكننا لم نسأل أنفسنا كيف ؟ ولماذا ؟ وماهية الطريقة التي تجعلهم يفعلون ذلك السلوك الحضاري ؟ .

إن الفرد الذي يقوم بسلوك حضاري يكون ظاهرياً هو سلوك فردي  ولكن في الواقع هو ليس سلوك فردي ولكنه نتيجة نسق ثقافي كامل ونسق اجتماعي كامل بمعنى أن الإنسان الياباني الذي يتحدث عنه أحمد الشقيري في برنامجه هو فرد مبني كإنسان ومدِرك كإحساس لكيانه كعنصر داخل إطار المجموعة . وهذا يأتي نتيجة بناء المجتمع على مفاهيم تم بناءها من خلال التجربة الجمعية من جهة ومن خلال اعتمادهم على مفكريهم وما ينتجونه من أدبيات ونظريات اجتماعية طابقت تجربتهم وفق علاقة تبادلية حرة المساحة ودون قيود سواءً كانت تلك القيود هي دينية أو اجتماعية أو ثقافية  … الخ.

اليابان كدولة ليبرالية لم تنشأ بهذا الشكل الذي نراه بين ليلة وضحاها . والإنسان الياباني لم يتعلم هذا السلوك كفعل مجرد أو بالصدفة بل أن هناك أمور كثيرة تعلمها وقام بتجربتها وبعد ذلك أصبحت السلوكيات الحضارية التي نراها هي مجرد تحصيل حاصل .

اليابان مرت بصدمة حضارية قوية بعد الحرب العالمية الثانية . كان هناك في اليابان مراجعات نقدية شاملة على كل المستويات على الدين وعلى الثقافة وعلى مفاهيم المواطنة والولاء للدولة وغيرها . كون اليابان تصبح صديقه للولايات المتحدة الأمريكية على الرغم من أنها كانت الخصم لها في غضون أقل من عشرة سنوات . وتتحول من العداء السياسي والاقتصادي إلى حليف وصديق على مستوى الشعب قبل أن يكون على مستوى الدولة وبالرغم من أن أكبر جريمة حربية تمت وأول وآخر استخدام للسلاح النووي كان على مدن يابانية من قبل هذا العدو – أمريكا – وبعد ذلك تتحول إلى دولة صديقه في أقل من عقد ,

هذه خطوة تشير إلى أن البنية الثقافية للفرد الياباني والمرونة والنظرة البراغماتية التي يحملها هذا الفرد ليست بالأمر السهل أبداً . وأن الصدمة التي حدثت لهم عرفوا كيف يحولوها إلى طاقة ايجابية للبناء وليس للهدم .وهي على فكرة تحتاج إلى دراسة حتى نعرف كيف تم استيعابها خصوصاً حينما يكون لدى الشعب إرث حضاري ضخم وتاريخ ثقافي ورصيد كبير تم استخدامه في الشحن العاطفي والنفسي خلال الحروب الماضية . فليس من السهل على الفرد الياباني أن يستوعب بأن الشخص الذي كان يحاربه والذي كان يرى في داخل نفسه بأنه حضارياً وتاريخياً أعرق وأفضل منه يصبح صديق وشريك اقتصادي .

نحن في بلداننا – العالم الثالث- لم نستطيع أن تخيل صداقتنا مع الولايات المتحدة أو الغرب لأننا نرى بأنهم يدعمون أعدائنا . وحينما تكون هناك مبادرات من القيادات في بلداننا لعقد صفقات شراكة مع الغرب نكون نحن الشعب أول من يرفض ذلك وأول من يخون القيادات وأول من يعلن الحرب على الحكومات قبل أن نعلنها على الغرب .

نحن حتى هذه اللحظة ما زلنا على مستوى الشعوب نرى بأن الحدود السياسية التي تشكل أوطاننا هي أمر طارئ ونعتبرها أمر مؤقت لأننا ما زلنا لا نعترف بها على المستوى الشعبي وفي داخل الوجدان الفردي. فما زال معظمنا يعتقد بأنه سيأتي اليوم الذي تتوحد فيه تلك الدول لتشكل الأمة الإسلامية التي نقرأ عنها في التاريخ. و حتى عندما نفكر بشكل أكثر تقدمية نعتقد أن الوحدة ستكون وحدة عربية على أقل تقدير.

هذا على المستوى الشعبي فيما يختص بالسياسة .

الأمر المهم في أن تلك النظرة التي يتحدث بها الأخ الشقيري تتعامل مع الظواهر السلوكية بشكل مجزأ , بمعنى أنه دائماً ما يعتقد بأن علاج السلوكيات وفهمها يكون بشكل جزئي أو مفكك وهذه النظرة فشلت في حل المشاكل الاجتماعية وفهمها . ولهذا بدأت النظريات البنيوية وبعد ذلك المنظومية هي التي يُعتمد عليها في علم الاجتماع أي أن السلوك الاجتماعي يكون نتيجة عوامل كثيرة متداخلة وليست نتيجة سبب واحد أدى إليها .

حينما ينظر أحدنا لسلوك حضاري في المجتمعات المتطورة نعتقد أنه بسبب النظام الصارم, أو أنه بسبب الدين الذي يحمله الفرد , أو بسبب التربية الأسرية التي تلقاها, أو لأي سبب كان , ولكن في الحقيقة أن كل هذه العوامل تدخل في تشكيل السلوك الفردي والذي يصنع السلوك الاجتماعي كله .

أي أن الاعتقاد بان الانضباط واحترام القانون كسلوك كان نتيجة سبب واحد هو اعتقاد خاطئ ولكنه نتيجة الكثير من العوامل .

و لهذا حينما نريد أن نصبح مثل الدول المتطورة كما تريد وكما أبهرتنا يا أستاذ أحمد, عليك أن تقول لنا بأننا نحتاج نقد ومراجعة لكل شيء سواء كان ذلك على علومنا الاجتماعية أو النفسية أو الثقافية بل حتى الدينية.

لكن أن نذهب لليابان أو إلى أوروبا  ونتحدث في المجالس وفي الصالونات ما رأينها وما عايشناه ونُرجع ذلك دوماً إلى بعدنا عن الدين أو عدم تربيتنا في المنزل وغيرها من المسببات بشكل مجرد ومنفصل عن بعضها سيكون مجرد مضيعة للوقت وقرقرة فاضيه .

هذه كانت نظرة سريعة وأفكار على برنامج خواطر خمسة وقريباً أتمنى أن أتمكن من الحديث عن أمور أخرى ذات علاقة .

منذ أن عرفت المنتديات والإنترنت وأنا أسمع عن تحرير المرأة والمطالبة بأن تعطى حقوقها مساواة بالرجل . بين أخذ ورد وبين تنوع المطالب من رفع الوصي عنها إلى السماح لها بالقيادة وليس انتهاء بحقها في ارتداء ملابسها وحجابها بالطريقة التي تعجبها إلى ما هنالك من المطالب التي يُخيل للقارئ الخارجي أنها لا تعدو كونها أشياء أساسية لا يمكن ان يتصور الإنسان  الطبيعي كيف تُسلب هذه الأشياء منه . أعتقد أن الصراع السرمدي هذا تنقصه الحلقة الأهم والذي بدونه لن يكون هناك حل مفصلي له سواء بالقبول أو الاعتراض الكلي .

هذه الحلقة التي أقصدها هو دور المرأة نفسه في توجيه هذا الصراع الذي أراه مازال ضعيف وقاصر عن إدراك حجم المطالب نفسه . فأنا مثلاً أستطيع أن أضع نسبة تقريبية لعدد المطالبين بحقوق المرأة من الذكور بالنسبة للمطالبين بالحقوق نفسها من الإناث . فالإناث تقريباً لا يشكلون 10% من المطالبين بتلك الحقوق في الوقت الذي تذهب فيه الـ90% المتبقية للذكور .

وللتأكد على القارئ المشكك أن ينظر في الصحف ويحسب عدد الأقلام التي تكتب في الإعلام والتي تعمل فيه من الذكور مقارنة بالإناث . هذا ناهيك عن أن نسبة بسيطة من تلك النسبة البسيطة ليست في موقف المطالب بالحقوق بل في موقف المعارض لها .

وأتوقع بأنه لو تم عمل إحصائية وطنية وتكون الأسئلة الإحصائية مستوفية أهم المطالب الحقوقية للمرأة والتي تكون طبعاً مغلفة بالحدود الشرعية “لزوم البركة” وتكون هذه الإحصائية فقط للإناث وأن تكون في مراكز انتخابية ولا يسمح للمرأة التي ستصوت بدخول أحد معها لا أبوها ولا أخوها حتى لا يكون هناك تأثير ذكوري عليها ستكون النتيجة على حسب توقعاتي رافضة لأي تغيير حقوقي لها .

وهذا هو الرهان الذي يتكئ عليه معظم المعارضين . في الحقيقة أن الأمر يحتاج إلى معالجة اجتماعية معينة وهذا رأي أقوله قياساً على الكثير من الأمور التي يتناولها معظم الكتاب الليبراليين أو المحافظين في المملكة فنحن مثلاً نجد أن غياب الوعي الحقوقي وفهم سطحي للديمقراطية هو السائد على هؤلاء الكتاب وعلى مقالاتهم سواء كانوا ليبراليين أو محافظين .

فأحد الليبراليين المشهورين كتب في إحدى مقالاته أن حرية الإعلام لابد وأن تكون لها حدود خصوصاً في الأمور التي تساهم تشويه صورة المملكة في الخارج !

هذا في الواقع لا يشير إلا لأزمة حقيقية في البلد فنحن عشنا سنين طويلة تحت تيار ديني وذو توجه محدد وهذا ما جعل المجتمع يعاني من مشاكل وأمراض مستعصية تحتاج  في البدء إلى عملية جراحية حتى يتم علاجها بشكل طبيعي .

الأمر الآخر أن كثير من المتفائلين في العقود الماضية كانوا يعتقدون بأن تطور الحداثة ومخرجاتها سيساهم في صنع القاعدة المطلوبة من الوعي الذي يدفع باتجاه اخذ الحقوق كاملة . لكن الذي حدث كان خارج عن اعتقاد المتفائلين والمتشائمين على حد سواء .

فالذي حدث أن التفكير التقليدي مازال يحافظ على جوهره بشكل مُصان رغم تغير الشكل الخارجي واكتسب الشكل الحداثي .

وهذا ما يدلل عليه مقولات شائعة أصبحت تردد على فوهة الكثيرين من “المفكرين” العرب  فنحن نسمع جمل تورد في الخطاب المُوجه من قبلهم على شاكلة  ( نأخذ من الغرب ما ينفعنا ونترك ما يتعارض مع قيمنا وتقاليدنا ) أو مثلاً ( ليس بالضرورة أن نأخذ ما هو جديد ونترك كل ما هو قديم )  وهذا ما ذكره علي الوردي في كتابه وعاظ السلاطين قبل أكثر من أربعة عقود أي في بدايات تأثر المنطقة العربية بالمد العولمي حينما قال بما معناه أن الحضارة تُؤخذ بشكل كامل بإيجابياتها وسلبياتها ولا يمكن تنقيتها وفق قيمنا وتقاليدنا وإلا نتج جيل مشوه .

وهذا فعلاً ما حدث فعلى السبيل المثال اليوم نجد من يستخدم مخرجات الحداثة وهو غارق في التقليدية من – ساسه لرأسه – فليس من الغريب أن نجد أن النعرات القبلية والمفاخرة بالقبيلة وبالعنصرية تنتقل من الصحاري إلى القنوات الفضائية والمنتديات والانترنت . بل حتى أبسط وسائل الاتصال الحديثة تجد فيها مخرجات البدائية فحين تدخل ماسنجرك تجد أسماء من قبيل ” سعودية وافتخر “  أو ” سديراوي وراسي عالي ” أو أحدهم يعبر عن خفة دمه ويكتب في استمارة تسجيل المنتدى ( مكان الميلاد : الصومال ) وتظهر  بهذا الشكل على أساس انه خفيف دم على الرغم أنه مولود في الرياض أو جدة وغيرها . بل تصل إلى مستويات مختلفة خالقة نوع من التناقض الغريب في الأمر . فقد تجد مثلاً شيخ دين يظهر على شاشة قناة فضائية أو يستخدم الانترنت وله موقع وإيميل وغيرها من مخرجات الحداثة .

طبعاً الكل يعرف أن العولمة وتطورها ومخرجاتها الحياتية والتي ساهمت في رفع مستوى الرفاهية للبشرية لم تأتي منفصلة عن مجتمعها . بمعنى أن التطور يحتاج بيئة كاملة حتى يستطيع النمو بشكل حر وسليم . وهذا للأسف مالا يتوفر في بيئاتنا . وحينما نقول بأن التطور مربوط بكل أشكال الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية حينها لا نكون مخطئين أبداً بل هو ضرورة حتمية . وهذا ما جعل الكثير من دعاة التقليدية يسفهون محاولات المطالبة بالحقوق الإنسانية بأنها لا هدف لها سوى تدمير البنية الاجتماعية  .

فحينما يتحدث أحدهم عن حقوق المرأة بشكل علماني يكون الرد عليه وما دخل حقوق المرأة في صناعتك لكمبيوتر أو سيارة ؟

وإذا انتقد أحدهم الطريقة الحياتية الاجتماعية وأنها سبب التخلف والجهل يكون الرد عليه وما دخل هذه بتلك ؟

في أحد المرات حينما كنت أتناقش مع احدهم قال لي بأنه لا توجد علاقة بأن تخرج امرأة بملابس البحر وبين  أن يكون المجتمع متقدم تكنولوجيا .

في الواقع أن مثل هذه الاعتراضات تبدوا منطقية إذا لم يكن هناك وعي حقوقي لها .

وهنا تكمن المشكلة فالذي لابد وأن يعرفه الجميع بأن الحقوق هي جزء من عناصر البيئة الاجتماعية والتي تؤثر بشكل مباشر وكبير على حرية الإنسان داخل مجتمعه وتؤثر على تشكيل المجتمع .

فالشخص الذي يعارض إحداهن في قيادتها لسيارتها هو هنا يمارس دور متعدي على الآخر .

أي بمعنى أن القانون لابد وأن يمنع المبدأ ذاته لا نتيجة ذلك المبدأ . هذا التعدي وهذا المبدأ هو الذي يجعل فلان يعترض على فلان أو جماعة تعترض على جماعة أخرى في تصرف غير مضر بالآخر .

ومن هنا تبدأ المشكلة , فالشيخ أو المفتي الذي يحرم أمر معين لا يُكتفي برأيه فقط بل يُطالب المجتمع كله برأيه أي أن رأيه أصبح متعدي خراج نطاق حياته الشخصية  بعكس أن شخصاً ما ذهب وسئل الشيخ أو المفتي عن أمر ويريد أن يسمع رأيه فهنا يكون الأمر حرية شخصية بينما الذي كما قلت بأن المجتمع مرتهن برأي وضغط سواء كان هذا الرأي ديني أو سياسي أو اقتصادي .

ويندرج ذلك على نطاق العلاقات الشخصية الضيقة بين أفراد العائلة نفسها . فالأخ يُربى على أن تكون له وصاية على إخوانه الصغار  بل يُربى على أن من حقه الوصاية على أفراد عائلته من الإناث سواء كانوا أمهات أم أخوات .

والفتاة أيضاً تُربى في هذا المجتمع على أن تكون فرد أدنى ويجب عليها أن تتقبل الوصاية من الأب أو الأخ حتى ولو كانت راشدة وبالغه السن المعرفي الإنساني سواء كانت 18 أو 21 سنة .

ومما يدعم هذا الأمر هو وجود المشاعر الأسرية القوية بين أفراد العائلة وهي مشاعر طبيعية مثل المحبة والحنين لبعضهم البعض .

وهذا بطبيعته يُولد قصور معرفي خطير بالإضافة إلى حصر المرأة في بيئة من مثيلاتها من الإناث اللائي يشابهن حالها تماماً ومع مرور الزمن تتكرس تلك النسقية الثقافية بشكل متواصل .

وهذا ما يجعل الآن الكثير من الإناث والذكور يدافعن عن وضعهم الحالي ويهاجمن أي شخص يُطالب بحقوق مدنية .

الأمر الأهم أن الحقوق المدنية لابد وأن تكون مخرجة من المجتمع ذاته لا أن تكون متلقاة من الخارج أو تكون من طبقة عليا في الهرم الاجتماعي إلى طبقة أدنى منها مستوى .

والذي يدعوا لذلك هو أن الإنسان لابد وأن يكون مستشعر لحاجته لتلك الحقوق . أي أن يكون متضرر من الوضع الراهن ويحاول أن يقلل الضرر.

فالحاجة هي التي تولد الرغبة والرغبة هي التي تولد الفعل الذي يصنع التغيير. فالفتاة مثلاً التي لديها سائق خاص ولديها مورد مالي جيد يكفل لها تلبية حاجتها لا تحتاج إلى القيادة .

وتبقى مسألة قيادة المرأة مجرد رغبة ثانوية ليست أصيلة.

والمرأة التي لم تجد فرص عمل من التي يدعمها المجتمع تطالب بتوسيع فرص العمل حتى ولو كانت في مجالات الاختلاط . حينها تكون الرغبة أكثر قوة وأصالة في المطالبة بحق مثل العمل في بيئة مختلطة .

طبعاً ليس كل المتضررين سيطالبون بحقوقهم فهناك من يعطي القيم الاجتماعية دور اكبر في تشكيل شخصيته من حاجاته ومتطلباته ولكن الطبيعة البشرية بشكل عام ستندفع نحو التغيير للأفضل .

وهذا ما تعرفه الحكومة بشكل جيد وهذا ما قاله الأمير نايف في إحدى تصريحاته حينما قال بأن قيادة المرأة للسيارة هو أمر اجتماعي إذا طالب به أولياء الأمور حينها سيكون لكل حادث حديث .

أي أنه لن يمنح هذا الحق إلا حينما يجد المجتمع يطالب به بشكل كبير .

نهاية أحب أن أقول بأن حقوق المرأة هي مسألة يجب عليها أن تطالب به وأن الوعي لابد وأن يصل لها وأن تغير من ذاتها حتى تفهم أولاً ما هو لها وما هو عليها . ولكن دون وجود ذلك الوعي فلن يصنع أي شيء حتى ولو كتبت ألف صحيفة عن قيادة المرأة وغيرها .

24 أبريل، 2009  |  بقلم:  |  يُصنف في: اجتماع, كل التصنيفات

انتشرت حملة إعلانات قبل فترة من الزمن طالت قنوات فضائية والكثير من المجلات والجرائد والصحف .  تنوعت شعارات الحملة بأشكال مختلفة وكان جُلُوها يدور حول عدم انتهاك حقوق الأيدي العاملة المنزلية سواءً كانت عاملة منزلية داخل المنزل أو سائق خاص .

وأعتقد أن كلنا تقريباً رأينا وشاهدنا مخرجات تلك الحملة من صور في الجرائد أو مقاطع فيديو تعرض على القنوات الفضائية .

في الواقع أنا مؤمن بأن الدافع وراء تلك الحملة هو دافع إيجابي وأنا أحيي من قام بالحملة ومن روج لها ومن ساهم في انتشارها .

لكن أنا لاحظت من خلال الإعلان ومن خلال الصور المشاهدة بأن الحملة تفتقر للوعي المطلوب في مثل هذه الحملات وللأسف رأيت من وجهة نظري بان هذه الحملة أرسلت رسائل سلبية بطريقة غير مباشرة وغير مقصودة رغم أني كما قلت بان الدافع لها هو دافع إيجابي .

القضية التي تتحدث عنها هذه الحملة هي قضية حقوقية وليست قضية سلوكية مجردة رغم أن بعض انعكاسات القضية الحقوقية هو انعكاس سلوكي .

بمعنى أن التعامل مع العمال بشكل عام تحكمه ضوابط قانونية لابد وأن تكون ضوابط من خلال حقوق العمال التي هي جزء من حقوق الإنسان .

فمثلاً لو كانت هناك حملة توعية ضد كسر وتجاوز قوانين المرور فهنا الحملة تكون مجردة  كسلوك فقط ولا تحمل بعداً حقوقياً فيها وليست مثل حملة توعية بوجوب إحسان التعامل مع العامل

ولهذا في مثل هذه الحملات لابد وأن يكون صانع الحملة أو المشرف عليها يحمل مستوى مناسب من الوعي حتى يحسن صنع الإعلان وتكون رسالته إيجابية وأن لا يحمل الإعلان أي رسالة سلبية تأتي بطريقة غير مباشرة بسبب عدم وجود حد أدنى من الوعي المطلوب في مثل هذه الحملات الحقوقية .

للأسف أن الحملة التي ذكرتها تفتقر لمثل ذلك الوعي المطلوب وذلك ظاهر من خلال المخرجات الإعلانية للحملة

فمثلاً في إحدى الصور التي تُنشر في بعض الصحف والمجلات يظهر فيها شخص ذو ملامح آسيوية يجلس في كرسي السائق ويحيط بفمة وبأسنانة ورأسه “لجام” مثل الذي يوضع حول الخيل أو الحمار  ويمسك بخيوط هذا “اللجام” إمرأة تجلس في الكرسي الخلفي لكرسي السائق في إشارة إلى أن بعض الناس حولت السائق إلى مجرد حيوان يُمتطى .  وفي أعلى الإعلان كُتبت عبارة ” لا تجردني من إنسانيتي “

ماهي المشكلة في هذا الإعلان ؟

في الواقع لمعرفة المشكلة بل المشاكل في هذا الإعلان يحتاج منا إلى تحليل الإعلان وتفكيك معانيه حتى نعرف ماهي الرسالة المراد إيصالها وما إذا كانت هناك مشكلة أم لا .

1- الإعلان يريد إيصال فكرة بأن العامل ليس حيوان فهو أعلى من مرتبة حيوان وبالتالي يجب علينا معاملتة بشكل أكبر وأكثر من معاملتنا للحيوانات .

وفي هذا استخدام للمبالغة في ايصال المعنى واستخدام الصورة كقناة لتوصيل المبالغة فهم يستخدمون اللجام كتعبير عن شدة الاطهاد وتحفيز الجانب الإنساني بمقارنة العامل بالحيوان وهو الذي يكون انعكاس لنظرة المجتمع تجاه العامل وهذا يرسخ الفكرة النمطية وهي أن العامل مشكوك في انسانيته في اللاوعي وبالتالي علينا محاربة هذا الشكوك بتصويرها كصورة حتى يرى الإنسان الشكل القبيح لصورة العامل في اللاوعي لديه وهذا في نظري لا يخدم القضية بل يؤصل الفكرة النمطية

2- أن العامل هو من جنسية آسيوية كما تظهر في الصورة دائماً  وهذا أسولب في تنميط هوية لجنسية معينة

والمشكلة أن مجتمعنا يماييز بين المهن بشكل أفقي بمعنى أنه يرى بأن صنعة معينة هو أقل مكانة وفي وضع أدنى من مهن أخرى رغم أن التماييز بين المهن لابد وأن يكون أفقي وهو تماييز نوعي وليس تماييز طبقي رأسي  فمثلاً السائق والعامل والكهربائي والسمكري والجزار وغيرها من المهن هي أصلاً تكافئ في المكانة مهن مثل مدير الإدارة وصاحب الشركة وغيرها وأن كلهم محتاجين لخدمات بعض وهذا ما يعطيه الضمان والقانون الاجتماعي للفرد داخل المجموعة .

3- أن عبارة لا تجردني من إنسانيتي وعبارة من لا يرحم البشر لا يرحمه الله والتي ترد في أسفل الإعلان تأتي بلسان العامل نفسه

وهذه تعطي صورة بأن العامل هو في وضع المستجدي لحقوقه وهو مناقض للوضع الطبيعي وهي أن صاحب العمل هو من اعتدى على حقوق العامل وبالتالي الصورة لابد وان تكون مغايرة وأن تأتي بصيغة الأمر من العامل لانه المفروض لا يستجدي حقه بل يأمر بأخذ حقه

4- تأطير المعاملة بين صاحب العمل والعامل في إطار الرحمة

وفي هذه أيضاً مشكلة فحقوق العمال التي هي جزء من حقوق الإنسان لا تأتي من باب الرحمة بل هي من باب الأمر والقانون فالصيغة الإعلانية لابد وأن يكون فيها العامل الملوح بالعقوبة من خلال القانون في حالة أن صاحب العمل تعدى على حقوقه ولا دخل لمسألة الرحمة في الأمر لأن الرحمة تأتي في حالة أن الطرف الذي يرحم ليس مسؤولاً عن المشكلة التي تقع على المرحوم فهو في حالة الرحمة يكون في موقف المتمنن عليه وهذا مناقض لما ينبغي عليه ان يكون الواقع

والمشكلة أن الإعلان يستخدم هذه الرسائل بشكل لاواعي وهذا ما يجعل المسألة في إطار الرحمة والمنة ولهذه اسباب كثيرة أهمها غياب القوانين أو تفعيلها ومراقبتها والتي ينبغي أن تضمن حقوق العامل وحقوق الإنسان بشكل كبير فالعمال بشكل عام والاجانب خصوصاً يعانون مشاكل حقوقية كثيرة في هذه البلد ولا توجد مؤسسات تحمي حقوقهم لا حين وصولهم إلى السعودية ولا قبل مجيئهم أثناء تقديم أوراقهم وتوقيعهم على عقود العمل في السعودية .

19 أبريل، 2009  |  بقلم:  |  يُصنف في: اجتماع, كل التصنيفات

وقف على المنصة حاضناً القائم المخصص لتثبيت المايك وبدأ في حديثه بعد أن استعان بالله وصلى على النبي وصحابته والأولين والآخرين والسلف الصالح وعلماء الأمة ومربينها في كل الصعور والقرون  وبدأ في خطبته المعهودة التي دائماً ما تزعجني وأنا اشرب القهوة السامجة في بوفيه الكلية

- في حياتي لم اتذوق قهوة سيئة زي قهوة صاحبي منير البنغالي العامل في بوفيه الكلية والمشكلة انها مجرد نسكافيه –

اليوم كانت خطبته بارك الله فيما تبقى من حياته عن أمر خطير يهدد كيان الأمة الإسلامية وإستقرارها لأن هذا الأمر كما يزعم فضيلته موجه بالدرجة الأولى لشباب وفتيات هذه الأمة . المستمع لبداية خطبته يشك في أن فضيلته لديه اسرار عسكرية خطيرة أو أخبار عن قرب انفجار نووي أو مثلاً كارثة عسكرية ستحل بهذه الأمة .

وبغض النظر عن وجود تلك الأمة التي يتحدث عنها إلا أن الشيخ الفاضل لم يترك الفرصة للمستمع في  أن يخمن نوعية تلك الكارثة التي ستحل بشباب الأمة على حد وصفه إلا وبدأ في توصيف ذلك الأمر الجلل والخطير .

فقد قال فضيلته أن الغزو على هذه الأمة لم يزل يتنوع ويتبدل ويتغير مع مرور الوقت ولكن الأعداء لا يوفرون جهداً أو يبخلون بوقت  على إشغال هذه الأمة بتوافه الأمور

فقد حاربونا قديماً بالسلاح وفي أراض المعارك فكان ضررهم محدود وانكسرت شوكتهم وعادوا خائبين ولكن اليوم عادو لغزونا بطرق ملتوية وأكثر مكراً ودهاءاً …

فإن لم نحصن أنفسنا ضد هذا الغزو وألهتنا الحياة فسنكون فريسة ساغئة لهم .

أن أخطر أنواع الغزو على حد قوله هو الغزو الفكري لأنه لا يصيب الإنسان بجسمه وماديته ولكنه يصيب عقله وأفكاره وهذا أشد خطراً على الإنسان من الغزو العسكري …

فاليوم هناك المئات من الشباب يكتبون على الانترنت من خلال المدونات والمنتديات التغريبية افكاراً لم نعهدها قبل …

من قبيل تحرير المرأة والمطالبة بالسينما وغيرها بل وصل بعضهم إلى التشكيك في ذات الله وفي الدين وفي عصمة النبي ويطالب آخرون منهم لتدريس العلوم الإلحادية التي تزيغ قلوب المؤمنين عن الحق وتظل قلوبهم عن الإيمان مثل الفلسفة وعلوم المنطق التي انتشرت في فترات سابقه في الأمة ولولا تصدي علماء الأمة امثال الشيخ الغزالي رحمة الله وشيخ الاسلام ابن تيمية لتلك الكفريات  وردهم عليها

لكنا اليوم زنادقة ملحدين لا نعرف من الأخلاق شيء ولكنا اليوم نمارس الجنس مع محارمنا والعياذ بالله …

فالأعداء يريدون أن يوصلنا لهذه الدرجة من الحيوانية وتلك الأمور لا تأتي مباشرة ولكنها تأتي بطرق ملتوية وغير مباشرة ..

إلى آخر كلامه حفظة الله .

في الواقع مشكلة الغزو الفكري عند المسلمين مشكلة عويصة ومضحكة وكنت اعتقد أن مع مرور الوقت وتطور الناس ووصول المعلومة لجميع الأشخاص من خلال وسائل الإعلام ستصبح المقولات التي رددها فضيلة دكتورنا المصون من الماضي ولن يأبه أحد بها أو على الأقل ستتحول تلك الدعوات وتلبس ثوب جديد لكن الواقع يقول أنها ستبقى وستدوم .

هؤلاء الذين يحذرون من الغزو الفكري هم في الأساس أكثر الناس يغزون فكرهم ويوعزون الهشاشة إلى فكرهم  فإذا كنا نحن نحمل فكر قوي ودين ما يخرش المية فلماذا الخوف إذاً من الغزو الفكري ؟

قد يقول قائل بأن أكثر الناس غير متفقهين في الدين وبالتالي قد يزيغون عن الإيمان .!

وهنا أحب أن أسئل إذا كان أكثر الناس مؤمنين بالدين فقط بشكل صوري وليسوا راسخين الإيمان فماهي الفائدة التي ستعود على الدين من كون الناس مؤمنين نص كم  ؟

مافائدة الإسلام بناس غوغاء كلمة توديهم وكلمة تجيبهم ؟

بالمختصر إن الخوف من الغزو الفكري له ثلاث دلالات إما أن يكون الدين فعلاً هش وسيتكسر من خلال الذي يسمونه غزو فكري

وإما أن يكون الدين قوي ولكن الناس ضعاف وغوغاء ومن فصيلة مع القوم يا شقرا وفي هذي الحالة مافي داعي أن العلماء يخافون على الناس لأنهم غثاء كغثاء السيل

وإما أن يكون السببين مجتمعين وهذه الكارثة

شاهدت ليلة البارحة الاحتفالية التي نظمتها قناة الرسالة الفضائية بمناسبة مرور ثلاث سنوات على تأسيسها , وكان “الدكتور” طارق السويدان يجلس مع مقدم البرنامج ويستقبلون شخصيات متنوعة من الذين شاركوا في صناعة القناة وإعداد البرامج وبعض الشخصيات المختلفة التي تعتبر مهتمة بصناعة الإعلام “الإسلامي” أمثال الأستاذ مالك الأحمد  ,

وقد تطرق الحديث عن الكثير من الجوانب التي جعلتني متسمراً أمام القناة أثناء عرض البرنامج المخصص للاحتفالية وقد نوقشت في تلك الحلقة بعض المواضيع التي جعلتني أفكر كثيرا في كتابة الفكرة التي أنا بصدد طرحها في مقالي هذا , أثناء الحوار بين مقدم البرنامج وطارق السويدان والأستاذ مالك الأحمد

طرح الأخير الكثير من السلبيات التي يراها متواجدة في ما يسمى “الإعلام الإسلامي” من ضمنها أن القنوات الدينية مازالت تعاني من الرتابة والنمطية التي حتماً تؤدي للملل !

كما قال موضحاً أن البرنامج الديني لم يخرج عن شخص جالس على كرسي ومكتب ويتكلم ويوجه وينتهي البرنامج ويأتي برنامج آخر بنفس الأسلوب ونفس الطريقة مما ينعكس ذلك على خلق نمطية جعلت المتابع يتذكرها كلما سمع باسم أي قناة دينية وقال أن قناة الرسالة تعاني من نفس المشكلة ,

كما قال أيضاً أن ضعف الإخراج والصورة و الجرافيكس أيضاً أحد عوامل ضعف القناة الدينية حينها قاطعه طارق السويدان أو المقدم وقال له أنها كل ما ذكرته صحيح ولكنها تبقى قناة دينية وهناك مساحة محددة لا نستطيع الخروج عنها َ , طريقة الحوار الأنفة والردود تعطينا اعتراف على لسان أهل “الإعلام الديني ” أن المحاذير الإعلامية والخطوط الحمراء الدينية  التي لا ينبغي الخروج عنها تعيق من تقدم القناة ومن كسر الرتابة والملل الذي يعانون منه ,

وهذا يحيلني إلى الحقيقة التي أنا مقتنع بها وهي أنه لا يوجد شيء في العالم اسمه إعلام ديني وإذا ما كان فإن مآله الفشل , وهذا ما قاله الأستاذ مالك الأحمد حينما تنبأ به لمقدم البرنامج وقال له : أن 50% من القنوات “الإسلامية” ستفشل ولن تنجح وبرر ذلك بأن معظم القنوات الدينية كانت عبارة عن مشاريع جراء ردة فعل معينة أو حماسة في فترة مؤقتة وبعد ذلك تخف الحماسة وتبدأ القناة بالتدهور وضربوا مثال بقناة الناس وهي قناة إسلامية سلفية لا يخرج بها إلا الذكور فقط ,

بعد ذلك تطرق الأستاذ مالك الأحمد  رداً على سؤال مقدم البرنامج عن تاريخه الشخصي مع الإعلام ذاكراً أن هناك فشل في مسيرته الإعلامية ونجاح وحينما سؤل الأستاذ مالك الأحمد عن إنتاجه الإعلامي خلال مسيرته الطويلة أجاب انه أنتج برنامجين وثائقيين اثنين فقط ! احدهما نجح واستطاع بيعه وذلك بعد أن أخذ فتوى من احد الشيوخ في هيئة الإفتاء في السعودية تجيز له استعمال الموسيقى التصويرية حتى ينجح في تسويقه على المؤسسات الإعلامية والقنوات الفضائية والبرنامج الآخر لم يستطع بيعه

وأنا بدوري هنا أسئل الأستاذ مالك الأحمد إذا كنت أنت شخصياً النجاح الذي حققته عبارة عن برنامجين وثائقيين اثنين فما هو الفشل من وجهة نظرك ؟

ومن ثم أليس من الأفضل لك هو إعادة النظر في مفهومك الكامل للإعلام ككل والذي يندرج تاريخك كله تحت مشروع ” الإعلام الديني ” ؟

لقد برر الأستاذ مالك الأحمد سبب فشل “بعض” مشاريعه إلى عدم وجود دعم مادي وإلى عزوف القنوات عن المشاريع ذات الطابع الديني  .

في الحقيقة أن عزوف تلك القنوات عن البرامج الدينية يعود إلى أن البرامج الموجهة الدينية لا تعي ضروريات الفن المعاصر والتي تعني بالضرورة إلى وجود مقومات أساسية تتعارض مع الخطوط والقيود الدينية التي تشكل العائق الحقيقي أمام وجود ما يسمى إعلام ديني ,

تلك القيود تتعارض مع فن الصورة وفن الصوت وفن الدمج بينهما , فكيف يكون هناك جذب بصري دون أن يكون للجمال حضور هذا الجمال يعني بالضرورة لوجود امرأة تتحلى بمستوى معين من الجمال ورغم من أن هذه الحقيقة تزعج الكثيرين ولكنها تبقى حقيقة يجب أن يعيها أهل الإعلام الديني صحيح أن هناك بعض النجاحات لبعض البرامج لم تكن تحتوي على العنصر الأنثوي ولكن نجاحاتها فردية ولا يعتد بها والمقياس الحقيقي والمعيار الضروري هو الجمال بأنواعه كلها و جميعها وما اتفق عليه معظم الجمهور بأنه يندرج تحت مسمى الجمال  ومن ضمنها الأنثى الجميلة صحيح أنه ليس كل النجاح هو امرأة جميلة ولكن لا نستطيع أن ننكر انه المفتاح الأول والرسالة الأولى للجذب لكلا الجنسين ,

الأمر الآخر هو كيف يكون هناك جذب سمعي إذا لم يكن هناك موسيقى وهذا بدوره يتعارض مع المحاذير الدينية والتي تعتبر الموسيقى محرمة وفي أفضل الأحوال تباح الموسيقى الدينية أو التصويرية وتحرم الأنواع الأخرى من الموسيقى مثل الأغاني والطرب , هذا لا يعني إلا أن صناعة الإعلام بعيدة تماماً عن الأفق الديني الإسلامي والذي يتعارض مع أساسيات الإعلام فالإعلام صناعة لا يستطيع التعامل معها إلا من يؤمن بمبادئها والتي تعني العولمة والتسامح والليبرالية والحرية تلك المفاهيم التي هي بالضرورة بعيدة بالكلية عن البانوراما الفكرية للعقل الايديلوجي ,

المشكلة أن هناك الكثير من المؤسسات الإعلامية المؤدلجة من غير الإسلامية مثل القنوات التي تؤمن بالشيوعية والاشتراكية فشلت أيضاً في المنافسة وذلك لأن من أسباب الفشل أيضاً هي الايديلوجيا فالإعلام المؤدلج غالباً يفشل ويعود ذلك للكثير من العوامل أهمها أن الايديلوجيا رسائلها مباشرة  ومعروفة سلفاً وهذا ما يجعل المشاهد يمل منها والفن الذي يرتبط بالإعلام بالدرجة الأولى أصبح في الوقت المعاصر يتخذ المواربة وعدم المباشرة كوسيلة للوصول وهذا ما يفقده دائماً الإعلام المؤدلج .

في الواقع أن الداعين للإعلام الديني يتناسون أنهم يستخدمون آلية مقلوبة بحيث أنهم يدمجون بين الدين والإعلام وهنا أنا لا أعترض على استخدام الدين للإعلام للوصول فهو وسيلة للحرية ولكن الاعتراض هو أن يكون الدين موجه للإعلام  هنا سيكون مآله الفشل وذلك لأن الدين لا يستطيع حكم جميع وسائل الحياة ولو كان بمقدور الدين حكم الحياة بشكل كامل لما رأينا من يزني ومن يعص ومن يسرق ومن يغتصب ومن يرتكب المعاصي الدينية فكيف يريد أن يوجه ويحكم وسيلة حياتية بشكل كامل ؟

وبالعودة للبرنامج كان هناك اعتراض للأستاذ مالك الأحمد على تكرار نجوم ( هكذا تسميهم قناة الرسالة )  معينين أمثال الشيخ عايض القرني وقال أنهم مستهلكين  وهنا اعترض الدكتور طارق السويدان وقال أن جماهيرية عايض القرني كبيرة وهو بالأخير مطلوب منه كمدير للقناة أن يحقق جانب ربحي ولهذا ضروري أن يكون عايض القرني متواجداً واستشهد بالنجاح الذي يحققه سلمان العودة في برنامجه على قناة الامبي سي الحياة كلمة  ورغم أن سبب نجاح سلمان العوده يعتبر موضوع مختلف عن ما أنا بصدد الحديث عنه ولكن استطرد طارق السويدان وقال أنه مطالب بعدم الاتكال في الجوانب المالية على سمو الأمير الوليد بن طلال فقط وان يحقق هو جزء من الدخل باعتماده على الإعلانات وغيرها  والسؤال الذي يطرح نفسه هل يمكن يا دكتور طارق السويدان أن تصل في يوم من الأيام أن تعتمد على أرباح القناة دون الاعتماد على مصدر دخل ثابت أو ممول ثابت مثل الأمير الوليد بن طلال ؟

حقيقةً لا أعتقد لاني كما أسلفت سابقاً أن لو كان هناك نجاح للرسالة فهو يعود بالدرجة الأولى لوجود مصدر وممول ثابت مثل الأمير الوليد بن طلال والذي هو بدوره نشاطاته الربحية كثيرة جداً ومتنوعة مثل قنواته الأخرى من باقة روتانا وفوكس موفيز وغيرها وأنا هنا أعني بالإعلام فقط وليس مصادر الدخل الأخرى التي يمتلكها الأمير وهذا ما هو موجود في قنوات مثل مجموعة الأمبي سي العملاقة التي لا تنافسها مجموعة أخرى في أسعار الإعلان عليها وحتى قناة إقرأ فبعد العشر سنوات من تاريخها لم نرى أقرأ أخرى ولأنها هي مثل أختها الرسالة تعتمد على ممول ثابت يصنع دخله من قنوات أخرى مثل قنوات الرياضة والشوتايم .

ولذلك لا أعتقد أن يأتي يوم تكون هناك  قناة دينية يمكن أن نقول بأنها مشروع ربحي وكل مشاريع القنوات الدينية يمكن تسميتها بمشاريع الصدقة الجارية والوقف الإسلامي لمن يريد أن يزكي أمواله من أصحاب القنوات الأخرى أو من التجار الذين لديهم طموح ديني معين ولكن سرعان ما ستختفي إذا مات هذا التاجر أو ماتت حماسته .

هذا ما أحببت أن أعلق عليه وآسف على الإطالة .

Page 3 of 41234