البدير والفرحان

 

 
كتب الصديق فؤاد الفرحان ( المواطن السعودي غير الصالح والعشوائي والمختلط ) نوتة يرد فيها على مقال الإعلامية السعودية نادين البدير والمنشور في صحيفة المصري اليوم بعنوان أنا وأزواجي الأربعة , حيث أن الأخيرة طرحت في مقالها موضوعاً خلافياً منذ القدم وهو أيضاً ليس بذلك الموضوع الذي يمكن تصنيفه من الكلاسيكيات الحوارية والتي انتفت الحاجة لإعادة طرحه , بل أنه من المواضيع التي سيستمر طرحها طالما وجدت الأسباب الداعية لمثل ذلك النوع من الطرح ,

 

وبعيداً عن الأسلوب الذي اتبعته الكاتبة في مقالها وبالرجوع إلى جوهر المشكلة الأساسية والتي غالباً ما يغض الطرف عنها معظم الكُتاب وهي أن الكاتبه وأمثالها انطلقوا في كتاباتهم من مشكلة تعدد الأزواج للرجل , ذلك الحق المكتسب للرجل في مجتمعاتنا الثيوقراطية والذي لا تحده أي ضوابط قانونية يمكننا من خلالها حصر ذلك المكتسب في نطاق قانوني يمكن ان يكون كحل مرضي للجنسين , فالمشكلة هي عند المشرع وعند الرجل , ففي حالة النظرة الدينية المتبعة في المجتمعات حالياً أن الرجل يحق له التعدد امام القانون دون ان يبدي اي سباب مقنعة للقاضي , لأنه بكل بساطة الأصل مجتمعياً وقانونياً هو أن التعدد مشروع , فهل يوجد في مجتمعاتنا العربية باستثناء المجتمع التونسي الشقيق قانون يمنع التعدد كأصل وهناك حالات استثنئاية ؟ أم إن الأصل هو أن التعدد مشروع وان تقنين التعدد – إن وجد – هو الاستثناء ؟

ليس ذلك فحسب فأيضاً حينما يكون هناك اعتراض على هذا النوع من الحق المكتسب للرجل تُساق الكثير من المبررات من طرفه والتي أيضاً بائت لم تعد مقنعة للمرأة , وهذا خلاصة ما عبرت عنه البدير في مقالها الجريء , فهي تريد القول بأن المبررات التي تضعها أيها الرجل والمشرع يمكنني أن أضع مثلها بالنسبة للمرأة كي تبرر التعدد إن هي طالبت به يوماً .

هذا هو لب المشكلة التي تدعوا نادين البدير وغيرها لكتابة مواضيع من هذا النوع , كما أن المشكلة في مسائل التعدد متعدية على طرف آخر وليست محصورة على الشخص صاحب التعدد , وهذا يحرم على الآخر وخصوصاً الرجل أن يعترض على ما تطالب به نادين البدير , لأنه وبكل بساطة لن تأتي زوجة فؤاد الفرحان  أو زوجة محمد الطويرقي في يوم من الايام وتخبره بأن اليوم هو يوم عرسها الثاني من رجل آخر , ليس لأنها لا تريد فقط , بل لأنها أيضاً لا تستطيع .

وبالعودة لمقال نادين البدير يتضح ما كتبته أعلاه في مقالها حيث تقول :

أصل الموضوع كان تعنتى وإصرارى على أحادية العلاقات. أصله رغبة جامحة باستفزاز الرجل عبر طلب محاكاته بالشعور بذاك الإحساس الذى ينتابه (وأحسده عليه) وسط أربعة أحضان.. ألم يمتدحه الرجال؟ ألا يتمنونه بالسر وبالعلن؟ لطالما طرحت السؤال حول علة الاحتكار الذكورى لهذا الحق. لكن أحداً لم يتمكن من إقناعى لم: أنا محرومة من تعدد الأزواج؟

فهي تعترف بأن لديها اصرار بل وتعنت على أحادية العلاقات , والذي دعاها لكتابة مقالها هو أنها تريد أن تصنع محاكاة معنوية للرجل , وقد نجحت هي بذلك بدليل أن كل المعترضين على حديثها قد شعروا وتخيلوا لوهلة أن هناك إمراة قد تكون إحدى قريباتهم أو إحدى زوجاتهم تفكر بالطريقة التي فكرت بها نادين البدير , ليس ذلك فقط بل أن هناك الكثيرين ( وأنا منهم ) شعرت فعلاً بفداحة ذلك الشعور الذي تشعر به إن شاركك أحد في شريك حياتك ليس لأن الطرف الثالث يريد المشاركة بل المصيبة لأن شريك حياتك هو من سمح بالمشاركة .

وعلى الرغم من أن نادين البدير فضحت نفسها بالجملة المقتبسة أعلاه , إلا انها استرسلت في استكمال محاكاتها , وعرفت كيف تضرب على وتر  الأنا عند الرجل والذي هو جزء من نسق الفحولة , والذي يستمد قوته دائماً من النسق الثقافي الاجتماعي .
ويكمن قوة التأثير الحقيقي في مقال البدير هو استحضارها لكل المبررات التي يسوقها الرجل لتبرير مكتسب التعدد الذي يملكه وإعادة استخدام ذات الادوات في السماح للمرأة بالتعدد وكأنها تقول بأن المبررات واحدة اذا كنت انت أيها الرجل تريد ان تعدد من اجلها فانها ايضاً ستعطيني ذات الحق في أن اعدد  . حيث تقول البدير في إحدى فقرات مقالها :

كرروا على مسامعى ذات أسطوانة الأسئلة وقدموا ذات الحجج التى يعتقدونها حججاً.

قالوا إنك لن تتمكنى كامرأة من الجمع جسدياً بين عدة رجال، قلت لهم الزوجة التى تخون وبائعة الهوى تفعلان أكثر، بلى أستطيع. قالوا المرأة لا تملك نفساً تؤهلها لأن تعدد. قلت: المرأة تملك شيئاً كبيراً من العاطفة، حرام أن يهدر، تملك قلباً، حرام اقتصاره على واحد. إن كان الرجل لا يكتفى جنسياً بواحدة فالمرأة لا تكتفى عاطفياً برجل.. أما عن النسب فتحليل الحمض النووى DNA سيحل المسألة.

 

أتخيل انا شخصياً بأن البدير تعيش دور الحرب كواقع في قضيتها التي تكتب عنها , فتستخدم اسلحة العدو لمحاربته , ولا انكر ان البدير في الحقيقة تكشف بُعداً آخر من شخصيتها , ذات البُعد الذي يستخدمه الاخرين في محاربتها , وارجوا ان يتسع صدر البدير لما سأقوله فذلك بالأخير هو رأي الشخصي وقرائتي الخاصة لنمط مقالها وخطابها الثقافي , والذي من المفترض ان يتم نقده ثقافياً وهو سبب كل المشاكل التي نعاني منها , حيث ان خطاب البدير الثقافي يجسد الصورة النمطية للمرأة الجنسية في نظرة المجتمع حتى وإن كان ذلك الخطاب ظاهره هو المطالبة بالمساواة بين الجنسين ,

 

فخطابها بالنهاية يجسد في خيالي شخصية المرأة عند نزار قباني , المرأة اللعوب والتي تستمتع بتكوين ذاتها عن طريق الاطراء التي تحب ان تسمعه من الرجل بخصوص مفاتنها , تلك المراة التي تشرب السيجار وتلبس احلى الفساتين , وتستطيع ان تمارس حياتها الشخصية بكل حرية والتي هي صدى لصوت الرجل وليست صوت منفرد عنه ولكنه صوت بشحنة سالبة عن الرجل معاكسة له في الاتجاه ومساوية له في القوة .

وعلى الرغم من المساواة الجنسية لا تعني المساواة الندية بين الانواع الجنسية بقدر ماهي مساواة بين الافراد , فالمساواة الحقوقية في المجتمعات المدنية تعني أن كل فرد في المجتمع سواء كان ذكر أو أنثى له نفس المقدار من الحقوق وعليه نفس القدر من الواجبات وهذا لا يعني ان المرأة لها حقوق بمقدار معين لأن الرجل له نفس المقدار .

 

ولهذا لا يجب ابداً ان تكون هناك علاقة ندية بين الطرفين لأنهم أصلاً ليسوا موجودين لكي يكونوا ضد بعض , وعلمياً الذكر يكون ذكراً لان هرمونات الذكورة اكثر من هرمونات الانوثة لديه , هذا يعني أن الذكر يحمل في داخله جزء من الانثى ,

وكذلك الانثى تحمل في داخلها هرمونات ذكورية ولكن هرموناتها الانثوية تطغى عليها فتصبح انثى . ولذات السبب ينشأ لدينا احياناً نوع ثالث وهو ما يعرف ( الجنس الثالث ) وهو نوع ايضاً موجود في الطبيعة لا يمكننا ان نتجاهله ,  وبالعودة لمقال آخر بعنوان – أرقص لأفكر -  تتحدث فيه البدير عن الرقص الشرقي وتحاول أن تطرح قضية الرقص الشرقي كفن غير مبتذل وكفن روحاني وتصيغه على طريقة حوار بينها وبين شخص اخر تتناسى بأن الرقص الشرقي اذا كان فن روحاني لماذا هو مرتبط دائماً بالانوثة ؟ فنجدها في كل المقال تتكلم على الراقصه فقط ولم تتحدث عن الراقص . مع العلم ان هناك معلمين رقص شرقي من الذكور . ولكنهم يعتبرون شاذين مجتمعياً ولكني لا اعتقد بان البدير تغفل وجودهم . 

httpv://www.youtube.com/watch?v=cr-fAzr_LqQ

وبالعودة للمقال الأصلي للبدير وهو مدار بحثي هذا , نجد ان المقال مكون من اداتين رئيسيتين :

الأولى : هي في طلب البدير ان يقنن أو يمنع التعدد بالنسبة للرجل , حيث تبين فيه ان المرأة تشعر بنفس الشعور الذي يشعر فيه الرجل اذا قام هو بالتعدد , وأن المبررات التي يسوقها يمكن ان تُساق في حالة طلب المرأة  التعدد .

الثانية : الاسلوب الذي تحارب فيه البدير قضية التعدد بطرح المشكلة بشكل معاكس للرجل . وباستخدام الندية التي تحدثنا عنها اعلاه وفي هذه الحالة تؤكد على نسقية الفحولة ولا تحاربها ويزيد من ترسيخ مفهومها وقوتها . وذلك واضح في بداية مقالها حينما كتبت :

ائذنوا لى أن أزف إلى أربعة.. بل إلى خمسة. أو تسعة إن أمكن.

فلتأذنوا لى بمحاكاتكم.

ائذنوا لى أن أختارهم كما يطيب لجموح خيالى الاختيار.

أختارهم مختلفى الأشكال والأحجام. أحدهم ذو لون أشقر وآخر ذو سمرة. بقامة طويلة أو ربما قصيرة. أختارهم متعددى الملل والديانات والأعراق والأوطان. وأعاهدكم أن يسود الوئام.

لن تشتعل حرب أهلية ذكورية، فالموحد امرأة.

اخلقوا لى قانوناً وضعياً أو فسروا آخر سماوياً واصنعوا بنداً جديداً ضمن بنود الفتاوى والنزوات. تلك التى تجمعون عليها فجأة ودون مقدمات.

فهي هنا تضع المرأة كطرف معاكس للرجل وليس كطرف مماثل ومساوي له .

المشكلة ان استخدام هذا الاسلوب في حالة اجتماعية مثل القائمة , لا يخدم فكرة البدير . وإنما يسيء اليها , ويحد من تأثير الفكرة الأصلية للمقال , فعلى الرغم من ان  الأداة الاولى مؤثرة فكرياً , إلا ان طبيعة المتلقي أياً كان يجنح نحو الانتقام ورد الفعل , فيسهل عليه استخدام الاداة الثانية لتهميش الاولى , وهذا باب مريح للهروب من خطر التفكير بأن التعدد يحمل مشكلة متعدية للطرف الاخر .
فهي تظهر البدير وكأنها متمردة على ذاتها الانثوية , وتسعى لمصادمة المجتمع فقط وخصوصاً اذا رأينا ان البدير كما يبدوا من اسرة منفتحة فهي مقدمة برامج وكاتبة في عدة صحف ومتحررة , اي انها لا تعاني من مشكلة تقليدية مثل التي عند معظم المتلقين لكتابها .

ويظهر ذلك من الردود التي كتبت كرد  عليها من مقالات في الصحف والمنتديات والمجموعات البريدية , وللتأكيد على كلامي كتب صديقي فؤاد الفرحان في النوته التي ذكرتها في بداية مقالي التالي :

ما طرحته نادين البدير في مقالها الذي نشر في الصفحة الأولى في جريدة المصري اليوم وقرأه الملايين، حول الاستشهاد بقدرة العاهرة على ممارسة الجنس مع أكثر من تسعة رجال لعدة مرات في نفس اليوم، كدليل على إمكانية نادين البدير الفسيولوجية من الزواج من عدة رجال في نفس الوقت، هو أمر يدخل بلا شك في حريّة الرأي. ولكن من حقي، ومن حق غيري أفراد المجتمع فهم مقالها بالشكل الذي تستطيع عقولنا البسيطة فهمه والرد عليها بالشكل الذي نراه.

يذكر الفرحان المقطع المقتبس اعلاه في السياق الذي يدعوا بأن لا يكون المطالب بالحقوق انانياً , اي ان لا يكون متصادماً مع المجتمع , وهذه نقطة سأعلق عليها لاحقاً ولكني اركز هنا على ان الفرحان استخدم الاداة الثانية في تهميش فكرة البدير , ومحاربتها فهو استخدم الجزء من مقال البدير الذي تقول فيه بما معناه انكم ( أي الرجال المعددين ) اذا قلتم بان المرأة لا تستطيع ان تعاشر الا رجل واحد بسبب طبيعتها الفسيلوجية والنفسية فهذا خاطئ لأن الواقع توجد فيه نساء خائنات وبائعات هوى واستخدمة على اساس ان البدير تستطيع هي شخصياً ان تعاشر اكثر من واحد . وهذا اسلوب يفطن له الفرحان ويتداركه بقولة انه من حقه ان يفهم مقالها بالشكل الذي يستطيع عقله البسيط فهمه .

اي ان عقله البسيط فاهم لعبة البدير ولكنه يريد ان يُلبسها تهمة نابعه من نسقية ثقافية فحولية بحته وهي انها تستطيع ان تعاشر اكثر من شخص اي انها <……> .

الذي سمح للفرحان وكل منتقدين البدير بمهاجمة فكرتها الاصلية , هو الاسلوب الذي كتبت فيه البدير مقالها , فبنفس الطريقه التي حاربت فيه هي المجتمع بادواته , استخدم المجتمع خطابها الظاهري ضدها .

وكل هذا التراشق لا يفيد القضية الأساسية بصراحة وهي مشكلة التعدد .

واعتقد ان الفرحان في مقاله وقع في اكثر من مشكلة لفهم طبيعة الحقوق المدنية , على اعتبار ان الفرحان من خلال متابعتي لمقالاته يدافع عن الحقوق بشكل عام .

ولو ان الفرحان كان يدرك تلك المشكلة لكان اكثر احتواءً لأخطاء البدير وأكثر تفهماً , فقد كتب في مقاله :

لذلك، فإننا عندما نكتب ونتكلم ونطالب بالمزيد من الحريّات والانفتاح، فنحن نطالب بها تحت ثوابت ومرجعية تجمع عليها الأغلبية الساحقة في المجتمع. من السهل جداً الكتابة والحديث والتنظير لحريّات أجزم أنه لا يجمع معي عليها سوى أفراد قليلين في المجتمع.

ويقول :

إذا كنّا صادقين في تمني الخير لمجتمعنا ووطننا ورغبتنا في ارتفاع سقف الحريّات، فعلينا البحث عن الثوابت ومكامن الإتفاق مع الأغلبية الساحقة والتمسك بها حتى ولو كنا نتمنى أكثر من ذلك. السبب في ذلك، أننا لا نعيش في هذا المجتمع لوحدنا، بل نؤمن أن علينا أن نتعايش مع غيرنا، وعلينا أن نتنازل عن بعض آرائنا التي نعتقد أنها ستصادم الأغلبية الساحقة من المجتمع إذا كنا فعلاً نرغب في الرقي جميعاً، والاستفادة جميعاً من ارتفاع سقف الحريّات

يعتقد الفرحان ان مسؤلية الانسان الحقوقي والذي يطمح لمزيد من الحريات المدنية والذي يحارب لرفع سقف الحريات تنبع من بحثه عن المرجعية التي تجمع عليها اغلبية المجتمع الساحقه . وهذا خطأ فادح لأنه لم يوجد ابداً في تاريخ الحركات الحقوقية من ذهب للبحث عن المرجعية التي تجمع الشعب تحتها . وان كانت موجوده فهي حتماً لن تختلف لما يعيش هو فيه , وان الشكل الناتج لا يعدوا كونه صورة من صور المجتمع حتى وان كان يمارس ديكتاتورية فوق المجتمع . فمثلاً كل المجتمعات التي انتشرت فيها الشيوعية انطلقوا من محاربة الديكتاتورية ومن ثم مارسوا هم الديكتاتورية على انفسهم لانهم لم يثوروا حتى وجدوا القاسم المشترك بينهم , فما الفائدة اذا كان القاسم المشترك والثوابت المرجعية ستبقى هي ذاتها حتى بعد التغيير ؟ هل نتوقع بان يكون هناك تغيير جوهري ؟ ام سيكون مجرد تغير الشكل دون المضمون ؟

النقطة الأهم في هذا الحديث هو ان الحقوق التي يراها صديقي فؤاد الفرحان في الغرب ومساحة الحرية التي هي موجوده عندهم . لم تكن في يوم من الايام من ثوابت ومرجعيات تلك المجتمعات , وحقوق الانسان هناك ابداً لم تكن هي نقاط من صميم ثوابت مجتمعاتهم , بل هي نتيجة افراد معدودين وقليلين ومهمشين , حاربوا من اجلها وناضلوا في سبيلها .

ولو كنت انا وصديقي فؤاد وغيرنا سنبحث عن نقاط الالتقاء والمرجعيات التي لا تصادم المجتمع , فاننا لن نتقدم خطوة واحده , كل مافي الامر سنستبدل شكل بائس بشكل أخر بائس مثله .

ولو نظرنا انه عندما مُنع الحجاب في فرنسا , خرجت مظاهرات في امريكا في بعض المدن هناك معترضة على هذا القرار , رغم ان معظم الناس في تلك المظاهرات ليسوا مسلمين ولا لهم علاقه بالحجاب , ويعتبر الحجاب عندهم خارج عن مرجعيتهم الدينية والثقافية , ولكنهم خرجوا لانهم يعلمون ان هناك قيم فردية لا علاقة لها بالمجتمع , عليهم واجب حمايتها والاحتجاج عليها .

وعلى سبيل المثال هناك الكثير من الناس العاديين يخرجون في مظاهرات لدعم حقوق المثليين جنسياً وعلى الرغم انهم ليسوا بمثليين وقد تكون المثلية الجنسية ضد قيمهم واعرافهم وعلى الرغم ان المثليين جنسياً لا يشكلون في احسن الاحوال 5 % من الشعوب الاوروبية فما هو تعليق فؤاد على هذا الامر ؟

- ارجوا ان لا يؤخذ كلامي على اني داعم للمثلية وماهو الا مثال فقط – .

بل ان هناك من الامريكين انفسهم من يعارض الحرب على افغانستان والعراق ويعارض ترحيل امثال ابو حمزة المصري من لندن وعلى الرغم ان مرجعيتهم الثقافية ونقاط الالتقاء مع مجتمعهم ضد شخصيات مثل ابو حمزة المصري وضد طالبان في افغانستان ولكنهم يصرون عن الدفاع عن الحقوق .

بكل بساطة لان الحقوق المدنية اساسها هو الفردية , اي ان لكل فرد المطالبة بحقوقه بالشكل الذي يريده حتى وان تصادم مع المجتمع فبالاخير من الظلم على المجتمع ان يظلم ولو فرد واحد ومن الظلم على الفرد ان لا يدافع عن حقه مقابل انه لا يتعارض مع ثوابت المجتمع او نقاط التقاءة وتجمعه .

لا يوجد حق يتمتع به الانسان اليوم كان في يوم من الايام هو من ثوابت اي مجتمع . ولم ينتظر المناضلون في يوم من الايام لحظات الالتقاء مع بقية الشعب حتى يصلحوا أو يحاولوا تغييره , بل لأنهم دافعوا وناضلوا في سبيل حقوقهم وحرياتهم , وماتوا في سبيل ذلك , ولو كان هذا المناضل اراد يوماً ان يحقق مكسب هو من صميم مرجعيات ذلك المجتمع لما كان ذلك تضحية .
ولك في سيرة الرسول – صلى عليه وسلم – عبرة . فهو لم ينتظر ان يتقاطع مع مجتمع مكه حتى يصلحه وينشر دينه , بل ناضل في سبيل ذلك , وحارب من اجل غايته , وفي النهاية نجح واستطاع ان يحقق ما يريد وما اراد منه ربه .

 

محمد الطويرقي

21 أكتوبر، 2009  |  بقلم:  |  يُصنف في: اجتماع, قروشة

اليوم وأنا أتصفح جريدة السياسي الإلكترونية , أفاجأ بخبر يقول بأن برنامج أحمر بالخط العريض سيعود للعرض مجدداً على القناة الأرضية , وسيعود مرة أخرى المقدم مالك مكتبي لبرنامجه المعتاد ,

 

 

وعلى الرغم أن المشكلة التي حدثت بسبب ما قاله مازن عبدالجواد في برنامج المقدم المذكور , إلا أن تبعات تلك المشكلة لم تقع إلا على مازن عبدالجواد واصدقاءة فقط , ولم يطل مقدم البرنامج ولا القناة أي شيء من تبعات المشكلة التي ساهموا فيها بشكل أساسي , سوا ما علمنا أنه فقط تم إقفال مكاتب القناة في كل من جدة والرياض .

إن مشكلة مازن عبدالجواد تدعونا لإعادة التفكير في كل ثقافتنا , إنها تبرز تناقضاتنا بشكل واضح وصريح . قد لا اكون مخطئاً إذا قلت بأن التناقضات التي برزت مع المشكلة واضحة جداً ومرئية لكل الناس بمختلف مستواياتهم الثقافية , ولكنها للأسف تكشف مدى ضحالة مثقفينا الفكرية قبل العوام , وسطحية كتاب جرايدنا وإعلامنا قبل جماهيرهم الذين يتابعونهم .

إن المشكلة التي راح ضحيتها مازن عبدالجواد لم تكن سوا مرآة لمستويات النفاق الذي نعيشه الاجتماعي والديني والإنساني وعلى كل مستوى , فمازن عبدالجواد مثله مثل الكثيرين من أفراد هذا المجتمع الذي يمارس الجنس خارج نطاق الزواج , ومازن عبدالجواد مثله مثل الكثيرين ممن يتفاخرون بانجازاتهم الجنسية امام الآخرين , بل يزيد الآخرين عليه بوصف شريكاتهم عند أصدقائهم وفي جلساتهم الخاصة بوصف دقيق قد لا يعرفها أقرب الناس لهم .

 

 

الفرق بين مازن عبدالجواد وبين الآخرين أن الأول ظهر على شاشات التلفزيون بإسمه الصريح وبهويته ولم يكن يخفي شيئاً , بينما الآخرين يكتفون بتلك المغامرات على دوائرهم الخاصة , أما إذا أحبوا ممارستها على العلن فإنهم يختفون وراء أسماء مستعارة أو هويات مضلله كمشاهد مرئية , وعلى الرغم من أنهم يجرمون الفعل في حد ذاته إلا أنهم يركزون على المظهر أكثر من الجوهر , فنجد أن المصيبة تتضاعف أضعاف مضاعفة إذا كان هذا الفعل اخترق جدار النفاق الاجتماعي الذي يمارسونه دائماً .

جدار النفاق الاجتماعي هو مفهوم المجاهرة بالمعصية ( مسمى التهمة القانونية التي تلاحق مازن عبد الجواد ) , حينما يجير هذا المفهوم لخدمة مصالح مختلفة ويكون قاعدة لكل سلوك نقوم به فإنه يتحول من حديث نبوي إلى نفاق اجتماعي , هذا المفهوم يؤسس لقاعدة أن لكل إنسان صفات وممارسات يحاول اخفائها تحت قناع مختلف تماماً , والتبرير هو أنه لا يريد أن يكون مجاهر بالمعصية ! .

*******************

بناءاً على التهمة الموجهة لمازن عبدالجواد وهي ( المجاهرة بالمعصية ) فهل نستطيع أن نقول بأن كل فاعل للمعصية يكون مجاهر ؟

ماهي حدود المجاهرة بالمعصية ؟

وهل كل المعاصي تكون داخلة في هذا المفهوم والقاعدة ؟

هل قانون المجاهرة بالمعصية يشمل الكبائر والصغائر من المعاصي على حدٍ سواء ؟

هل مثلاً الذي يدخن في الشارع يُعتبر مجاهر بالمعصية ؟ وهل يحق لنا رفع قضية مجاهرة عليه أمام المحاكم ؟

 

 

هل المغني والمطرب يُعتبر مجاهر بالمعصية ؟ وبالتالي يحق لنا أن نرفع عليه قضية مجاهرة بالمعاصي ؟

ماذا عن الممثل والملحن والشاعر ؟

ماذا عن صاحب محلات الحلاقة والأشرطة الموسيقية والفيديو أليسوا هم ممن يجاهر بالمعصية وهم أصلاً حاصلين على رخص نظامية لفتح محلاتهم الخدمية ؟

كم يتبقى من المجتمع إذا كان لدينا قانون لمعاقبة المجاهر بالمعصية ؟

لماذا يذهب مازن عبدالجواد وحيداً ضحية هذا القانون الغريب ؟

هل إصلاح المجتمع يكون بتربية الناس والثقافة على أساس إختلاف شخصياتهم الخاصة وشخصياتهم العامة ؟

************

 

 

 

بعد كل هذه الحملة الهوجاء التي طالت مازن عبدالجواد أين هيئة حقوق الإنسان   |  وجمعية حقوق الإنسان لم تتقدم برفض لما يتعرض له مازن عبدالجواد ؟

أين الناشطين الحقوقيين عن مازن عبدالجواد ؟

أليسوا هم من الذين يبحثون عن الشهرة في المواقف التي تساهم في ترويجهم الشخصي عند الجمهور فقط , أما إذا كان المجتمع ونسقه البدائي والمتخلف اتفق على قضية معينة فإنهم يختفون بل يمارسون ذات الدور الهمجي مع المجتمع في تخلفه ويبدأون في الوقوف ضد الضحية , للأسف إن معظم نشطائنا الحقوقيين لا يوجد لديهم مبادئ فكرية واضحة , وإنما مجرد ممارسات عاطفية غير عقلانية ولا ترتكز على مبادئ اساسية , ولهذا نراهم يخفقون في أول تجربة يواجهون فيها المجتمع بمفردهم لانهم لا يعتمدون على مبادئ فكرية اساسية تدعمهم في نشاطهم وإنما على عواطف شخصية فقط .

*********

 

 

إذا كان مازن عبدالجواد أخطأ بظهورة على القناة الفضائية وتحدث عن حياته الجنسية الشخصية , فإنه ليس الوحيد المخطئ في هذا , بل عليهم ملاحقة القناة وملاكها ومعديها ومخرجين برنامجها ومقدمهم قبل أن ترفع قضية ضد مازن عبدالجواد , ولا يجوز أبدأ أن يعاقب أحد أطراف القضية ويترك الطرف الآخر حراً طليقاً , فإما معاقبة الجميع وفق قانون واضح وصريح وإما ترك الجميع .

محمد الطويرقي

20 أكتوبر، 2009  |  بقلم:  |  يُصنف في: اجتماع, قروشة

إلا أنه من الملاحظ أن تعريف العنصرية غالباً ما يعتمد على جانبين مهمين وهما : ( الجانب التطبيقي – جانب اعتقادي )  الأول كما قلنا هو بسبب أن التعريفات المدرجة أعلاه هي صياغة قانونية أي تطبيقية لو أردنا الدقة أكثر , ولهذا نجد في كلا التعريفين مصطلح ( الأفعال )  وإن كان في التعريف الثاني هو مصطلح (  hatred) والذي يكون قاعدة لتبرير السلوك دون أن يكون لدلالة الكلمة علاقة مباشرة بالاعتقاد , ولهذا نجده في التعريف الثاني يرجع ويؤكد على عنصر الاعتقاد بالقول ( or the belief ) .

أن المحاولين لإيجاد تعريف للعنصرية يكون أكثر شمولية يحاولون جاهدين لحصر أشكال العنصرية كتطبيقات سلوكية في تعريفاتهم إلا أنها تبقى عملية متعذرة , وذلك لأن التطبيقات السلوكية لا يمكن حصرها طالما ما بقيت الظروف الثقافية مختلفة لكل مجتمع , ولهذا ما يهمني أنا في مقالي هذا هو الجانب العقدي والذي يمكن من خلاله تفسير السلوك العنصري وفق المنظومة الثقافية للمجتمع المعين , وبهذه الطريقة يصبح الحكم على تصرف معين بأنه عنصري وفقاً للاعتقاد لا لمقاربة السلوكيات المختلفة في كل مجتمع بمجتمعات أخرى .

وفي محاولة مبدئية لوضع تعريف للعنصرية يمكنني القول بأنه :

هو الاعتقاد بتصنيف الناس إلى طبقات رأسية بناءً على مقومات عرقية أو دينية أو جنسية أو لغوية أو ثقافية أو لونية , مما يترتب على ذلك التصنيف حقوق وواجبات متفاوتة , والاعتقاد بأن الصفة البشرية بها درجات متفاوتة .

وبناءاً على هذا التعريف فإن أي سلوك يكون مبني على هذا الاعتقاد فإنه يمكن اعتباره سلوك عنصري , سواءً كان ذلك ظاهراً أم باطناً . وكذلك فإن أي قانون في أي دولة يميز الناس بناءً على عرقيتهم أو لونهم أو دينهم أو لغتهم أو ثقافتهم  مما يجعل الفرص الحياتية أو الحقوق والواجبات أو العقوبات مبنية على ذلك الاعتقاد فإنه يكون قانون عنصري .

*************

دوافع العنصرية :

هناك دوافع كثيرة أيضاً للعنصرية سواءً كانت تلك دوافع فردية أو دوافع جمعية لا يمكن حصرها ولكن أعتقد ان أهم دوافع العنصرية بصفة عامة هي الجهل . وأعني بذلك بأن هناك علاقة طرديه بين الجهل المسبب للعنصرية والانعزال , فكلما كان زاد الانعزال في مجتمع كلما زاد معه الجهل المسبب للعنصرية , لأنه كلما زاد إختلاط الفرد بمثيله من ثقافات ومجتمعات أخرى كلما عرف أن هناك مزايا بشرية يشاركه فيها الآخر وبالتالي يقل الجهل المسبب العنصرية .

كما أن احتكاك الإنسان بثقافات مختلفة يساعده على فهم تلك الثقافات ويجعله يعرف أن لكل ثقافة ظروف تاريخية ومكانية ساهمت بتشكله بشكل مختلف وبالتالي أن الحياة تقوم على التنوع ولكن الأصل الإنساني له قيمة منفصلة عن تلك الظروف المختلفة .

*************

العنصرية ضد القيمة الإنسانية :

في بحث للأستاذ عبدالله حميد الدين في كتابة المعنون بالكينونة المتناغمة لفت نظري وضعه لفكرة مبسطة لشرح القيمة الإنسانية , فقد قسم القيمة الإنسانية إلى قسمين رئيسين هما القيمة الذاتية للإنسان والقيمة العارضية .

فيقول في مامعناه بان الٌقيمة الإنسانية بشكل عام تعتمد على قيمتين أساسيتين قيمة ذاتية وتلك القيمة نابعه من وجوده المجرد فقط دون أن يكون هناك أي مسبب لها غير الوجود فقط , وقيمة عارضية ويمكن أن تشمل القيم المعنوية للشخص ( مثل اخلاصه , تفكيرة , اخلاقه , رغباته ….الخ ) وقيم مادية ( مثل امواله , أو انجازاته العملية …الخ ) ,

وأنه من المفترض أن تكون القيمة الذاتية النابعه من الوجود المجرد للإنسان هي القيمة الأكبر بكثير مقارنة بالقيم العارضية , وهو يقول بأنه هذا لا يعني عدم أهمية القيم العارضية ولكنها تبقى في مرتبة أقل مقارنة بالقيمة الذاتية , ويبرر ذلك بأنه لو استطعنا الوصول لمعرفة أن القيمة الذاتية أي قيمة الوجود المجرد فإنها كافية لمعرفة أهمية الإنسان التي يجب أن يكون عليها بعيداً عن القيم العارضية والتي قد تتغير من وقت لآخر أو من حالة لأخرى .

ويقول بأنه معظم المشاكل التي يقع فيها الإنسان هي بسبب أن معظم الناس تنظر للقيم العارضية وتعطيها مساحة قد تكون مساوية أو أكبر من القيمة الذاتية , فينشأ عن هذا صراع يكون أفقي , ومن هنا أبرر أنا أن العنصرية هي محاولة بناء القيمة الإنسانية على أساس القيمة العارضية ( اللون , العرق , الثقافة , اللغة , الجنس , الدين ) .

وبالتالي فإنه من المفترض أن تكون حقوق الإنسان مبنية على القيمة الذاتية للإنسان المجرده من أي قيمة عارضية , فإنه بناءً على هذا المقياس الذي وضعه المؤلف في كتابه فإنه يمكننا أن نتجاهل أي مبرر لأي تصرف عنصري , لأنه يتجاهل القيمة الذاتية للإنسان ويعتمد في عنصريته على القيم العارضية .

ويمكننا أن نلخص المفهوم بالقول بأن لكل إنسان حقوق إنسانية متساوية مع الآخر , لأن لكل إنسان قيمة ذاتية نابعه من كونه موجوداً فقط . وهذه قيمة أخلاقية مبدئية ضرورية لأي مجتمع .

************

العنصرية اللاواعية :

قد نستغرب من مصطلح العنصرية الخفية أو اللاواعية  , ولكنها موجودة وقد لا نستطيع ادراكها بسهولة , وهي نوع من العنصرية التي نمارسها دون وعي مننا أو معرفة بما نقوم به , بل أنها قد تكون ظاهرة حتى في سياقات محاربتنا للعنصرية دون أن نشعر بتسللها , ويمكن ملاحظتها للقارئ أو الناقد في كتابات بعض الناس أو في سلوكياتهم وتكون أكثر وضوحاً في انفعالاتهم .

تلك العنصرية الخفية , هي النظرة النقدية للعنصرية على أساس أنها سلوك وتطبيق دون أن يكون لها أساس اعتقادي , فيصبح الشخص ينتقد السلوك العنصري و يحاربه دون أن يكون لهذا الاعتراض اساس فكري وعقدي مقنع , فنجده يجنح في بعض الأحيان لاستخدام الوسائل العنصرية لمحاربة العنصرية نفسها هذه في حالة , وفي حالات أخرى قد نجده يمجد قوانين تنهى عن العنصرية وينظر لها كقيمة أخلاقية مجردة من أي أساس فلسفي أو فكري ,

للمثال على ذلك انظر المقال السابق ( الانتخابات الأمريكية وازمة الخطاب العربي ) .

ولهذا فإنه من الضروري معرفة الأساس الفكري للمساواة الفردية بين الناس كنظرية فلسفية , وإعادة تشكيل الثقافة العامة حتى نستظيع التغلب على العنصرية بشكل أكثر وعياً .

محمد الطويرقي

يتفق معظم الناس من مختلف الجنسيات والشعوب على مبادئ  أخلاقية معينة , وعلى الرغم من أن المنظومة الأخلاقية بشكل عام هي نسبية بالدرجة الأولى , إلا أنه توجد هناك مبادئ أولية يمكن أن نطلق عليها (العامل المشترك ) بين مختلف الثقافات والأفكار , ذلك العامل المشترك هو الهدف الذي يريد الإنسان منذ تكوينه الثقافي الأول الوصول إليه وتحقيقه .

وعلى  الرغم من أن تحقيق ذلك الهدف يختلف من زمن لآخر ويختلف من مجتمع لآخر من حيث الأسلوب  إلا أنه يمكننا القول بأن المبادئ الأخلاقية الأولية هي المحور الأساسي لتشكيل أي منظومة أخلاقية في أي مجتمع مهما كان ذلك المجتمع منعزلاً عن بقية المجتمعات , وقد جاءت أهمية تلك المبادئ الأولية من كون أنها أحد أركان العقد الاجتماعي الذي وافقنا عليه بمجرد ولادتنا وبقائنا داخل نطاق المجتمع ,

وقد تعرف الإنسان إلى تلك المبادئ من خلال حاجته الملحة في إيجاد صياغة تنظيمية في بداية تجربته للعقد الاجتماعي[1] , فكانت تلك الحاجة هي بداية وجود المبادئ الأخلاقية الأولية .

ولكن لأن تنوع المجتمعات البشرية وتباعد بعضها عن البعض الآخر مما جعل البعض منها منعزلاً بطبيعة – الظروف البدائية الأولى –  ساهم في إيجاد تنوع كبير في الأساليب والطرق التي تؤدي إلى تطبيق وتفسير حاجة الجماعة البشرية لتلك المبادئ الأخلاقية ( الأولية ) .

ومن هنا بدأت الفلسفة البشرية من جهة والأديان  بشكل عام تختلف في التصور لتلك الأخلاقيات الأولية من حيث تفسيرها وتطبيقها ومحاولة فهمها وتبريرها.

فكل الأديان ( السماوية ) والفلسفات ( البشرية ) حاولت تفسير تلك المبادئ الأخلاقية وحاولت تطبيقها من خلال قوانين اجتماعية معينة غالباً ما كانت تناسب المجتمعات التي نشأت فيها ونزلت فيها ( الأديان ) .

ولا يمكننا القول بأن تطبيقات قوانين معينة في مجتمع ما تناسب المجتمع الآخر بالضرورة , لأن تنوع التطبيقات واختلافها لم يكن بسبب اختلاف الهدف أو المبدأ الأولي , وإنما كان بسبب اختلاف الظروف التي ساهمت في تطور مجتمع ما والتي غالباً لم تكن تلك الظروف مشابه لظروف تطور مجتمع آخر .

وخلاصة القول أن المبدأ موحد بسبب حاجة الإنسان لمبادئ أخلاقية أولية تنظم علاقة الفرد بالجماعة أو علاقة جزء من الجماعة بالمجتمع , أما تطبيقاته مختلفة وأشكاله متنوعة بسبب اختلاف ظروف كل مجتمع عن المجتمع الآخر .

ولكن ما حدث بعد ذلك أن المجتمعات البشرية بدأت في الاتصال ببعضها البعض, وازداد تداخل المجتمعات أكثر , وأصبح هناك شعور فردي بإمكانية اختيار الفرد لمجتمعه بعد أن كانت تلك الاختيارات شبه محدودة في أزمان سابقة , وظهرت مشاكل فهم الثقافات لبعضها البعض , ونشأت مشاكل في فهم ظروف مجتمع ما من خلال تجارب الفرد في مجتمعات أخرى , فصار من الضروري إيجاد صيغة تجنح لأن تكون صيغة تطبيقية ( قانونية ) لتلك المبادئ الأخلاقية ( الأولية ) . وظهور تلك الصيغة التطبيقية لم تكن فقط لتسهيل فهم المجتمعات لبعضها بل أيضاً من أجل رفع مستوى تطبيق تلك المبادئ الأخلاقية في مختلف المجتمعات .

أي أن التواصل الاجتماعي البشري يحاول أن يعمم فوائد التجارب, والذي يسهله أكثر تنوع وسائل الاتصال بين المجتمعات ,

وقد تكون تلك هي أحد مسببات ظهور مفهوم العولمة بالشكل المثالي للمفهوم الاصطلاحي له , أي أن الفرد بدأ يشعر بأن انتمائه للجماعة الخاصة ( الدولة – القبيلة – العائلة ) يتحول ليكون أكثر شمولية وأن يكون (عالمي ) .

ولذلك أتت الحاجة لميثاق عالمي يضع  صياغة شبه تطبيقية ( قانونية ) لتوحيد تطبيقات المبادئ الأخلاقية الأولية , وتلزم المجتمعات البشرية بإتباعها وتطبيقها وحتى وإن لم تكن هناك إمكانية كافية لتطبيقها في بعض المجتمعات إلا أنه كان من الضروري البدء والعمل على تنفيذها , حتى تضع حد لتنوع تلك التطبيقات واختلافها والذي أدى إلى ضياع المفهوم الأساسي لتلك المبادئ .

من هنا اتفقت مجموعة من الدول على صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان , وبدأت الدول في التوقيع على ذلك الإعلان العالمي والذي يُلزم بشكل قانوني ( دولي ) على تنفيذ مبادئه وبنوده والذي يشمل على أهم المبادئ الأخلاقية ( العدل – المساواة – الحرية …. إلخ ) .

وفي هذا التطور أصبح هناك شبه اتفاق دولي على محاربة العنصرية والتي تم اعتبارها من المبادئ الأخلاقية الأولية , وأنفقت الكثير من الدول برامج متنوعة لمحاربة العنصرية  , وكل يوم يكون هناك نقاش داخل هذه المنظومة بدءاً من إيجاد تعريف شامل للعنصرية يمكن أن يتفق عليه الجميع إلى حصر أنواع العنصرية ومحاربة مسبباتها وليس انتهاءً بالنقاش حول اعتبار بعض السلوكيات القانونية المختلفة عما إذا كانت تؤدي إلى عنصرية من نوع ما أو لا .

هذا كله ضروري لحصر مفهومنا المتنوع عن العنصرية ومحاولة التقليل من الفارق  ( على الفرد ) الذي نتج من تطبيق محاربة العنصرية في مجتمعات قطعت أشواط متقدمة في محاربتها مقارنة بمجتمعات ما زالت في بداية الطريق .

إلا أنه في محاولة لتعريف العنصرية يمكننا القول بأن العنصرية هي  :

هي الافعال أو المعتقدات التي تقلل من شأن شخص ما كونه ينتمي لعرق أو لدين أو لثقافة معينة. كما يستخدم المصطلح ليصف الذين يعتقدون أن نوع المعاملة مع سائر البشر يجب أن تحكم بعرق وخلفية الشخص متلقي تلك المعاملة، وان المعاملة الطيبة يجب أن تقتصر على فئة معينة دون سواها.و ان فئة معينة يجب أو لها الحق في أن تتحكم بحياة و مصير الأعراق الأخرى . ويكيبيديا العربية – .

وذلك التعريف ماهو إلا صياغة مازالت قابلة للنقاش والتعديل حتى تشمل جوانب كثيرة يمكن فهمها على أساس أنها سلوكيات عنصرية , على سبيل المثال التمييز العنصري اللغوي ( راجع ملف حقوق الإنسان من منظمة العفو الدولية الخاص بدولة استونيا ) .

وقد يكون هناك محاولات أخرى تكون أكثر شمولية مثل :

Racism has existed throughout human history. It may be defined as the hatred of one person by another — or the belief that another person is less than human — because of skin color, language, customs, place of birth or any factor that supposedly reveals the basic nature of that person. It has influenced wars, slavery, the formation of nations, and legal codes. © 2009 Anti-Defamation League

يتبع في مقالة قادمة ….

محمد الطويرقي


http://www.doroob.com/?p=16667[1]

28 سبتمبر، 2009  |  بقلم:  |  يُصنف في: اجتماع, كل التصنيفات

يصرخ أحدهم بأعلى صوته منادياً بالوسطية وأننا أمة وسطاً وأننا يجب أن نكون بعيدين عن التطرف بشتى أشكاله ويرد عليه آخر بأننا نريد وسطية من داخل ثقافتنا وديننا وعاداتنا وتقاليدنا ولا نريد وسطية خارجة عن حدود هويتنا ويقول متهماً الأول أنه يدعوا للتغريب وتذويب الهوية ,

وهناك  ثالث يجلس في كهف جبلي يراقبهم عن بعد وهو يشرب شاي العصرية وخلفه الكلاشينكوف ورهطٌ من الملثمين ويضحك على جدالهم فهم بالنهاية بالنسبة له مجرد خونة خارجين عن الملة وموالين للكفار والصهاينة ومتخاذلين عن الجهاد وحينما تسأله هل ما إذا كان يرى نفسه وسطياً لرد عليك بالإيجاب وأنه يحب علي ابن أبي طالب ويترحم عليه كما أنه يترحم على معاوية ابن أبي سفيان وبهذا ينفي عن نفسه صفة الخارجية وأنه في هذا المكان بسبب أنه يرى نفسه باحثاً عن الوسطية ومقيماً لشعيرة الجهاد التي ضيعها المتخاذلون والذين يبتعدون عن الوسطية التي يعرفها ,

كما أننا لا ننسى الرابع الذي يرى بأن الرأسمالية ماهية إلا شكل جديد من الإقطاعية , وأن أصحاب رؤوس الأموال يجنون أرباحهم على تعاسة العمال المضطهدين , مقابل حفنة من الدولارات  تدفع لهم آخر الشهر والتي تذهب في الديون والقروض ومختلف أنواع التأمينات ,

ولا ننسى أيضاً الخامس الذي يرد على الرابع والذي يرى في السوق الحر و الاقتصاد والعولمة النظام الأمثل الذي حقق نجاح واكتسح العالم دون ثورة أو باستخدام سلاح وهي سبب تطور الحياة وتنافس الشركات وزيادة إنتاجية السوق وتوفر الكثير من الخيارات للمستهلك وبسبب تلك المنافسات المحمومة تم توفير ملايين الوظائف والتي حققت الرفاهية لمعظم شعوب العالم أكثر من النظم اليسارية ( الاشتراكية ) التي يؤكد عليها الواقع من خلال الأرقام والإحصائيات .

والكل يرى نفسه وسطياً في كل شيء في السياسة وفي الاقتصاد وفي الاجتماع وفي كل شيء .

بين كل هؤلاء المتصارعين هناك الشريحة الأكبر من الناس الذين أطلق عليهم صفة ( الضايعين في الطوشة ) الذين تتجاذبهم التيارات والإيدلوجيات والفلسفات بمختلف أشكالها , والذين تُعجبهم الشعارات البراقة فهذا يغريهم بالجنة وبالحور العين والنعيم في الآخرة وذلك يغريهم بالعدل الاجتماعي والمادي وآخر يغريهم بزيادة الدخل والعديد من الفرص وكل صاحب فكر أو فلسفة يبحث عن جمهور وأتباع حتى أنه يُصبح من عاشر المستحيلات أن يكون الإنسان لا منتمياً لشيء حتى وإن حاول ذلك فالحياة سوق شرسة هذا إذا لم تكن غابة يتصارع فيها مئات الأسود والذئاب , ( طيب وين الجديد :يقول قائل ) .

الجديد هو أنني أرفض الشعارات البراقة والمكاسب الوهمية والتصنيفات الغير ملموسة أو محسوبة بدقة والتي دائماً ما يحاولون أن يضحكوا علينا بها ( بياعين ألحكي : كما وصفتهم في مقال سابق ) ,

مشكلتي ليست الترويج لأفكار فلكل صاحب فكرة الحق في الترويج لأفكاره إن لم تكن مؤذية بشكل مباشر للبشرية ( كالقتل والسرقة والنهب ) ولكن مشكلتي في الطريقة التي يسوق فيها صاحب الفكرة فكرته , فحينما يكتب احدهم أو يتحدث عليه أن يحترم من يحدثه ولا يبيع عليه ألحكي بشعارات من قبيل : الوسطية , والعدل , وغيرها . هذه الشعارات الغير قابلة للقياس أو التعريف بشكل يتفق عليه كل الناس بشكل مُحكم وصريح, تجعل أي شخص يتبناها ويروج لفكرة على أساسها  , فمن يستطيع أن يمنع أي إنسان مهما كان مجرماً وقاتلاً من استخدام كلمة الوسطية ؟

المشكلة أن الناس مازالت تصدق وترخي مسامعها لكل مروج أن يخدعها بتلك المصطلحات , فالنازية والاشتراكية والكنفوشوسية والبوذية والهرطوقية والخربوطية كلها تنادي بالعدل والمساواة والوسطية والاعتدال ولا أعرف إذا كان هناك تيار فكري أو ديني يقول عن نفسه بأنه متطرف ( حتى أفيجدور ليبرمان يرى نفسه وسطي ومعتدل! ) .

قد يقول قائل علينا أن  نترك الحكم للآخرين على الفاعل وهم بالتالي يحددون ما إذا كان الفاعل وسطي أم متطرف , هذا صحيح إذا كنا نتحدث عن شراء سيارة أو إيجار شقة أي تكون الأمور على نطاق ضيق ولكن المشكلة أن التيارات الفكرية والدينية والسياسية والاجتماعية  خياراتها واسعة جداً وليس من السهل على الإنسان كفرد أن يلم بجوانبها ونطاقاتها بشكل كامل وبالتالي يكون من الصعب عليه تحديد المكان الدقيق للوسط .

إذا ما الحل ؟

الحل هو في تغير نظرتنا وحكمنا على الأمور من المنظور المثالي البراق ذلك المنظور الذي يجعل الإنسان يفقد مكاسبه وطموحاته المادية في مقابل بحثه عن تلك الشعارات العائمة والغير مقاسه .

هل هذا يعني أننا يجب أن نتخلى عن جوانبنا المعنوية وشعاراتنا ؟

لا . ولكن أن تكون تلك الشعارات على نطاق الفرد فقط وأن يُقتصر استخدامها للفرد ولا أن تكون شعار لتيار فكري أو سياسي حتى لا يُستغل الإنسان وهو يلهث خلف تحقيق قيمة نسبية لا يمكن أن يحددها إلا هو فقط وأن تحديدها يختلف من زمن لزمن ومن شخص لآخر .

فنحن نعرف أن كثير من الدول ومن الأحزاب السياسية التي وعدت الناس بتحقيق تلك الشعارات حتى تصل إلى سدة الحكم وصناعة القرار وبعد ذلك أطلقت تلك المسميات على مكتسباتها رغم أن الواقع يثبت أنها ضيعت المكاسب المادية التي كان بالإمكان الحصول عليها , فكم من تيار سياسي ضيع الأرض والأموال والبشر في مقابل تحقيق الشعارات من قبيل العزة والكرامة وتلك السلسلة من الشعارات وهو واقعياً ومادياً قد خسر الأرض أو جزء منها وخسر الإنسان وتكبد ملاين الدولارات في إعادة تصليح ما خسره من مكتسبات مادية وأنفس بشرية ؟

هذا ما أدعوا للحذر منه كل إنسان يسمع من ينادي بالوسطية أو بالعدل دون أن يسأل ماذا يكسب وماذا يخسر وهل بمقدوره أن يحاكم أو يحاسب من وعده ثم أخلف وفق مقياس ومعيار معلوم ومحدد .

Page 2 of 41234