اليوم سأكتب عن تجربة نفسية وفكرية من كندا, هي حقيقة انطباعات واستنتاجات من خلال قرابة الثمن شهور التي عشتها هنا. وعلى الرغم من محاولتي هو كتابة امر متعلق بكندا , لكني حقيقة لا استطيع ان افصلها عن وطني الأصلي الذي عشت فيه كل عمري . دائماً حينما استلذ بالحياة هنا في كندا يكون الشعور المتولَد هو نتيجة مقارنة بين هنا وهناك, بين اللحظة في كندا واللحظة في السعودية. وهذا وإن كان في ظاهره أمر يدعوا للاستمتاع الكامل إلا أن باطنه هو ألم لا يفارق شعور اللذه .
حقيقة لا تستطيع الاستمتاع بالحياة هنا دون ان تشعر في نفس الوقت بالألم في داخلك من ما يحدث هناك. إنه التنغيص بمعنى الكلمة.
قد يعتقد الإنسان قبل أن يأتي لدولة الابتعاث سواء كندا أو غيرها من الدول , بأن المتعة الحقيقية هي في التنظيم, في الحضارة المادية , في المستوى التعليمي , في الاخلاقيات الاجتماعية العامة … إلخ . لكن للأسف هذه كلها ليست هي جوهر الحضارة التي نفتقر إليها في مجتمعنا. ليست الحضارة في أن يكون لديك مطار خمس نجوم أو مترو انفاق أو شبكة صرف صحي أو ناطحات سحاب أو جامعة مبنية على تقنية فضائية.
صحيح أن هذه الامور مهمة لتحسين وتسهيل حياة الانسان ولكن في النهاية هي مجرد امور تعتبر مخرجات للحضارة ليست الحضارة.
نحن نشبه الشخص المترف الذي لا يعرف كيف يصطاد ولكنه يملك المال, فذهب لاستئجار صياد يصطاد له كل يوم وطباخ يطبخ له كل يوم .
نحن نتعامل بهذا المنطق تقريباً مع كل شيء في حياتنا. وليتنا استطعنا حتى بهذا المنطق أن ننجز شيء على أرض الواقع , بل بالعكس اصبحنا نخرب ونسيء استخدام ما ينتجه لنا الطباخ والصياد الذي استئجرناه باموالنا.
اليوم أنا اقولها بكل صراحه , لم يعد مهم بالنسبة لي أن ارى صرف صحي في جده , ولا لمطار بطاقة استيعابية ٣٠ مليون مسافر في السنة, ولا لجامعة مرصود لها ميزانية مفتوحة وفيها خبراء من كل مكان في العالم , لم يعد يهمني حقيقة أن يكون في بلدي مستشفى فيه أفضل طاقم طبي لفصل التوائم السيامية .
حقيقة لم يعد يهمني أن تكون نثريات شركة طيران خمسة مليارات ريال , أو موقع جامعة بمئتين مليون أو شركة اتصالات تقدم خدمة انترنت بكيابل ضوئية أو شوارع ملساء وناعمة تصلح للتزلج فضلاً عن قيادة سيارة .
بالمختصر لا أريد أن أكون دبي .
ما يهمني اليوم هو مشاعر انسانية , مجتمع يحترم وجودي كانسان يحترم اختياري كوجود قائم بذاته منفصل عن كل المعطيات التي تقيمه كفرد .
ما يهمني هو وجود حقيقة تقول بأني كفرد لدي مطلق الحرية في تحديد مصيري وافكاري وخياراتي دون تدخل من احد طالما انني لم اعتدي على احد .
لا يهمني ان تقود المرأة بشكل محدد , ولكن يهمني انني لو كنت امرأة سأتمكن من الحياة بحرية. لا يهمني أن يخرج معتقل من السجن , ولكن يهمني انه لو كانت لدي افكار مختلفة ان اعبر عنها بحرية كاملة , ولهذا يهمني ان يخرج المعتقلين من معتقلاتهم.
اليوم لا يهمني أن يقتنع يوسف الأحمد وسلمان الدويش بجواز الاختلاط , ولكن ما يهمني ان لا يفرض الاحمد والدويش رؤيتهم علي أو على غيري.
اليوم لا توجد لدي مشكلة مع محبين أسامة بن لادن أو الشيخ البراك , لكن عندي مشكلة مع من يريد أن يصادر حريتي من اجلهم ووفقاً لآرائهم.
لا يهمني حقيقة اليوم أن يكون في بلدي أكبر وأعظم وأضخم , اذا كانت تلك الأشياء لن تغير في طريقة تفكيرنا واحترامنا لذواتنا وحريتنا وكرامتنا البشرية , بغض النظر عن انتمائاتنا أو أعراقنا أو مذاهبنا أو اشكالنا.
إلا يكفي أننا بشر ؟ وجدنا على هذا الكون دون خيار منا ؟ ومطالبين بالكثير من الواجبات ؟ لماذا اذا نصعب الحياة على بعضنا البعض ؟
أن أكون فقير ليست قضية كبيرة بالنسبة لي , أن يكون هناك في بلدي تاجر يسرق مليارات الريالات ليست هي المشكلة, لكن المشكلة هو أننا نسيء لانسانيتنا حينما نضطهد ونقصي ونصادر ونجبر ونبتز ونضغط على فلان من الناس من أجل أن يسايرنا ويجاملنا على حساب ذاته .
للأسف كلنا نمارس تلك الجرائم بحق الأخرين كل يوم وفي كل مناسبة حتى اصبحت تلك الممارسات أمور لا ننتبه لها ولا ندركها .
ما معنى الفردانية ؟
من الصعب جداً أن أجيب على السؤال بشكله الكامل ولكن سأتطرق للجانب الذي أريد إيصاله .
الفردانية بكل بساطة هي أن تعتقد تمام الإعتقاد بأن كل فرد له حريته الخاصة وله خياراته التي يختارها بنفسه دون تدخل من أحد , والاعتقاد بان حفاظك على حريات الأخرين وخياراتهم هو حفاظ على حريتك انت وخياراتك انت.
هنا في كندا لا أحد يتدخل في خصوصيات الأخرين ليس لأنه يحترم القانون فقط ولكن لأنه لا يعنيه أصلا ما افعله أو ما اقوم به . هنا حينما اتصرف بشكل جنوني في مكان عام لا أحد يتدخل فيما افعله ولهذا تكون ردة الفعل الأولية لكل الناس حولي هو التجنب فقط .
لا يتدخل هنا احد الا اذا رأوا انك اعتديت على شخص لا يستطيع الدفاع عن نفسه, هنا يكون التدخل بالقدر الذي يدفع الضرر أو الإعتداء.
هنا كل شخص ينظر لنفسه وكل شخص يرى في شخصه حاله خاصة لا تشبه أحد , ولهذا لا يكون خاضع دائماً تحت تأثير مقارنة نفسه بالاخرين , هنا لا يهم أحد ماذا تلبس أو تعتقد أو أتأكل أو تتصرف , طالما هذا خيارك .
الفردانية هنا قائمة كضرورة حياتية , ليست ترف وليست خيار, هم لا يستطيعون مهما حاولوا التفكير أن يخرجوا عن أساس الفردانية الذي يشكل منطلقهم وفكرهم وحياتهم.
الفردانية ليست أن امارس حريتي بشكلها الكامل في كل مرة , ولكن هي في توفر الخيار في كل مرة, على الأقل ليس هناك من يمنعها عنك أو يحرمك منها.
ليس بالضرورة أن تعني الفردانية هو مجتمع رأسمالي تماماً , ففي كندا على الرغم من الفردانية الكبيرة إلا أن هناك حقوق للفقراء والمحتاجين والمرضى وذوي الاحتياجات الخاصة , هنا الفقير حينما يذهب للتسجيل في المخصص الشهري لا يتعامل ولا يشعر بنقص , لأنه يعتبرها حق ذاهب لأخذه.
حينما يذهب المحتاج لعملية جراحية في المستشفى لا يدعوا لمسؤول أو مدير لأنه ساعده وهو محتاج له , بل يشكر ويدعوا لمجتمعه الذي اعترف بحقه وعاملة بانسانية.
هم الان في كندا قريبين من الناحية الاجتماعية لتجاوز حتى فكرة الحدود السياسية وفكرة القومية , لم يعد هنا احساس حقيقي بالوطن كحدود جغرافية . صحيح أن هناك جيش يحمي الحدود وهناك مؤسسات وطنية , ولكنهم اليوم هم اقرب إلى الاحساس بالعالمية وقدسية الانسان في كل العالم خصوصا من الناحية الاجتماعية.
لم أرى خلال فترة بقائي هنا واختلاطي بالكنديين بشكل يومي أي تذمر أو امتعاض أو تلميح أو حتى ممارسة بدون قصد فيها ايذاء أو اظهار بأن قومية أو عرقية معينة يجب أن ترحل أو غير مرحب بها في كندا ( باستثناء مقاطعة كوباك الفرنسية فيها بعض التصرفات الفردية ) . أنا هنا لا أقول أنه لا تحدث بعض الممارسات العنصرية ابداً ولكني أقول بأنها من الندرة لدرجة أن ثمانية أشهر لم تكن كافية بالنسبة لي لأرصد ممارسة واحدة فقط .
بينما في دول أخرى قبل أن تطئ قدمك أرض المطار سترى العنصرية ورفض الاخر.
حينما تعرف بأن أعلى منصب في الدولة ( الحاكم العام ) كانت تشغله امرأة سمراء مهاجرة من هايتي وأن الصورة التي تروج في الإعلام الكندي الرسمي وشبه الرسمي والخاص عن الشعب الكندي ستجد أنه يمثل بالأسمر والمحجبه واليهودي والبوذي والسيخي والأبيض والهندي الاحمر ستعرف حينها عن ماذا اتحدث.
المطعم اليوناني والهندي والصيني والتايلندي واللبناني والأمريكي والمكسيكي أصبحت مطاعم كندية.
هنا بعكس العالم كله لا تشعر ابداً بفكرة نحن والآخر , في كل العالم ستجد ان المجتمع دائماً يفكر بطريقة نحن والأخر وكيف نساعد الأخر ونحترم الأخر , هنا حتى فكرة الآخر ليست موجوده , هم دائماً يتحدثون عن نحن وماهو مصيرنا نحن ( انا+هم+والاخرين= نحن ) .
كنت اخشى قبل أن ائتي لكندا بأن أشعر بأعراض الهوم سيك , لكن صدقاً لم أشعر بها , شعرت هنا بأن كل شيء يقبلني كشخص قبل أن اقول من انا , فاكتشفت اخيراً ليس مهماً أن أقول من انا , تم قبولي هنا قبل أن يعرفوا من أنا أو ماذا افكر أو كيف افكر.
لم تعد عندي هنا مشكلة وجودية سببها مجتمع أو حكومة أو تيار أو ايدلوجيا أو تنظيم سري أو علني أو اي بطيخ, اصبحت مشاكلي كلها شخصية فردية عائلية فقط ولا تتجاوز ذلك. لم يعد مهم أن أعرف ماذا قال هاربر أو ماذا يقول رئيس الكنيسة الانجيلية في مقاطعة اونتاريو . لأنه بكل بساطة حياتي بشكلها الفردي محفوظة ومكفولة , ولو اهتميت وقرأت فهو من باب التسلية والفضول والاطلاع لا كثر من ذلك .
حقيقة لو ان كندا مافيها الا مجتمعها ومبادئها دون خدماتها واتصالاتها وجامعاتها لكفتني .
هنا أريد أن أتسائل هل نحن بحاجة لمطارات أو مستشفيات أو غيرها من الخدمات ؟
الحقيقة التي نتجاهلها دوماً أن مهما استوردنا من خبراء ومهندسين واطباء ومهما ابتعثنا من آلاف الطلبة حول العالم لتعلم تلك الأشياء فنحن لن نتحرك ولن نتقدم قيد أنملة .
حتى لو اشترينا كل مخرجات الغرب أو الشرق فلن يغير من حقيقة وحدة وهي أننا مدمرون على كل الأصعدة .
لن يجعلنا متقدمين مادياً دون أن نتقدم حضارياً , نحن لا نحتاج لمئة الف مهندس , نحن نحتاج لعشرة فلاسفة ومفكرين ونظام اجتماعي حر يقوم على تقديس الفرد وحريته , وبعدها سنجد أننا استطعنا أن نكون من الدول المتقدمة , ستكون ثروتنا النفطية هي زيادة عن حاجاتنا وقد نتبرع بجزء منه لخدمة الانسانية لأننا اكتفينا.!
لن أتكلم أكثر من ذلك ويمكنكم اعتبارها , رؤية لحظية قد تتغير مستقبلاً دون إشعار مسبق.


















انا مهتم بالسياسة والثقافة العامة والكتابات الدينيةهذه المدونة أكتب فيها ما يعبر عن وجهة نظري في لحظة كتابة المقال وهذا لا يعني أنني سأبقى مقتنعاً بكل فكرة كتبتها مدى الحياةبل أن هناك الكثير من الأفكار قد تتغير وتتبدل إذا تغيرت الظروف واستطعت فهم الواقع بشكل مختلفباب النقد مفتوح على ( البحري ) سواءً في التعليقات أو في الرسائل الخاصة!





