نُشر في الأيام الأخيرة عدة أخبار متفرقة عن بعض رموز الحداثة في الوطن العربي مابين شعراء ونقاد وغيرهم وقد استوقفني بعض تلك الأخبار والمساجلات
فقد نشر في بعض وسائل الإعلام عن الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي بيان بأنه عازم على تشكيل جبهة لمقاومة قصيدة النثر على اعتبار أنها لا تقوم على دعائم أساسية ولا تحتوي على الموضوعات التي يجب أن تحتوي عليها القصيدة أو الشعر من وجهة نظره فهو يقول: -مؤكدا على أن الشعر والنثر نقيضان بالرغم من أن لغتهما مشتركة، إلا أن وظيفة الأولى غير مطابقة لوظيفة الثانية، فالنثر وظيفته الاتصال والإخبار والإفهام، ولغته تقوم على الاتفاق والاصطلاح والوصف والسرد والشرح والمنطق، ومن هنا فالعلم والخبر والجدل والفكر نثر، أما الشعر فهو فن مختلف قائم على الحدث والنبوءة والخيال –
وبناءاً عليه فإن قصيدة النثر لا تدخل ضمن تلك الموضوعات التي وضعها الحجازي كأصنام مبطناً حديثه بأن شعراء النثر ليسوا شعراء أساساً , مجرداً حضارتنا وثقافتنا من رموز حداثية شكلت جزءاً من الإنتاج الإنساني الثقافي بشكل عام فأدونيس والماغوط و زكريا محمد ليسوا بشعراء إذا قلنا إن قصيدة النثر ليست بشعر فهل كانوا هؤلاء كتاب خواطر ؟
ثم كيف استطاع حجاي أن يجرد قصيدة النثر من الخيال والنبوءة التي وضعها كأساسات لا يجب أن تتكسر إذا سلمنا بديمومتها ؟ وهل كل قصائد النثر لا تحتوي على الخيال والنبوءة والحدث ؟
يذكرني هذا الصراع بين حجازي وقصيدة النثر بالصراع القديم الذي كان يدور بين التقليدين وكتاب الشعر الحر والذي كان حجازي احد أهم رموزها على اعتبار انه شاعر تفعيلة فقد كانوا يرون أن قصيدة التفعيلة لا ترتقي لأن تكون شعراً فهي بلا قافية وتكتب بشكل مختلف عن الإطار القديم للقصيدة من وزن وقافية فكان الصراع حقيقة بين التقليدين والحداثيين ولكن للأسف حداثيين اليوم يمارسون نفس الأسلوب القديم ضد حداثيين اليوم دون أن يعوا بأنهم أصبحوا بما يقدمونه تقليديين بالمقارنة مع حداثة اليوم .
لا أعرف إذا كان كتاب قصيدة النثر سيمارسون ذات الدور على أحد الفنون المستحدثة القادمة فيتحولون من حداثيين إلى تقليدين ؟ هذا ما أكدته لي الملاسنات التي نشرت على صفحات الجرائد في السعودية بين محمد العلي وهو شاعر قصيدة نثر ومن روادها في السعودية وعبدالله الغذامي الناقد الثقافي حيث وصف العلي الغذامي بأنه مجرد ناقد مدعِ ومعترضاً على نقد الغذامي لأدونيس والذي قال عنه الغذامي في كتابه النقد الثقافي بأنه حداثي رجعي بسبب اعتماده على آليات جديدة في النقد الثقافي أظهر فيها الشكل النسقي لأدونيس .
فهل يعتبر العلي أدونيس صنم لا يجوز نقده ؟ أم اعتراضه على الغذامي بدافع شخصي ووظف أدونيس لصالحة ؟
مهما كانت الإجابة فإني أرى أن ما يفعله العلي وغيره ما هو إلا صورة نسقيه جعلت الحجازي يهاجم الحديث حتى لو كان ذلك المستحدث مؤثر وهو نفسه ما جعل الذين يكتبون القصيدة العمودية يهاجمون شعراء التفعيلة فهم بالنهاية يعبرون بصوت النسق كما قال الغذامي في كتابه النقد الثقافي دون أن يعوا بأن تبدل أشكال الفنون هو أمر ضروري في الحداثة .
وهذا ناتج عن أن الحداثيين في المجتمع العربي بشكل عام هم حداثيين منتج لا حداثين مبدأ .
فغالب رموز الحداثة في الثقافة العربية هم من الأدباء أي أنهم أصحاب منتج حداثي فقط وهذا يؤكد أنهم لو أجادوا كتابة غيرها لفعلوا أي أنهم لا يملكون المبدأ الذي من المفترض أن يحملوه كرموز حداثية هو ذات المبدأ الذي كان سيجنبهم فضيحة الصراع مع ما هو أكثر حداثة من منتجهم .


انا مهتم بالسياسة والثقافة العامة والكتابات الدينيةهذه المدونة أكتب فيها ما يعبر عن وجهة نظري في لحظة كتابة المقال وهذا لا يعني أنني سأبقى مقتنعاً بكل فكرة كتبتها مدى الحياةبل أن هناك الكثير من الأفكار قد تتغير وتتبدل إذا تغيرت الظروف واستطعت فهم الواقع بشكل مختلفباب النقد مفتوح على ( البحري ) سواءً في التعليقات أو في الرسائل الخاصة!





