10 يونيو، 2010  |  بقلم: محمد الطويرقي  |  يُصنف في: سياسة

إلى سيادة رئيس وزراء الجمهورية التركية ………………………………………المحترم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ,

سيادة الرئيس أحب أن أهنئك على الشعبية الطاغية التي حصلت عليها في العالم العربي قاطبة , حيث أن شعبيتكم يا سيادة الرئيس لا أعتقد أنها تكررت في الشارع العربي منذ سنوات الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر , ولا أعتقد ان شعبيتكم الآن تشابه في قوتها إلا شعبية الرمز الارجنتيني الكوبي البوليفي  ارنستو تشي غيفارا .

سيادة الرئيس أنا كغيري من المواطنين العرب نشاهد تحركاتكم السياسية الخارجية الأخيرة , ونلاحظ مدى تعاظم الدور الذي تقومون به من خلال رعايتكم لمفاوضات السلام بين سوريا وإسرائيل , وتعليقاتكم القوية على بعض الأحداث السياسية مثل مقاطعتكم لجلسات مؤتمر دافوس الاقتصادي , ومثل هذه التصرفات قد تركت انطباعات معينة عندنا عن تركيا وعن حزب العدالة والتنمية الذي تنتمون إليه .

وعلى الرغم أن الفعل هو واحد إلا أن تلك الانطباعات تختلف من شخص لآخر , وبطبيعة الحال فإن تفسيراتها وبناء الأفكار عليها يختلف من شخص لآخر , ولهذا أردت سيادة الرئيس أن أكتب هذه الرساله لكي لا نسيء الفهم وتكون كل الأمور واضحة وشفافة .

سيادة الرئيس إن رجوع تركيا للعب دور محوري في الشرق الأوسط وأحداثه يجعلنا أمام سؤالين كبيرين هما:

ماذا تريد تركيا ؟ ولماذا ؟

إن إجابة تلك السؤالين سيساعدنا على فهم الواقع ومحاولة إبداء المساعدة لكم إذا كانت الإجابة تحتوي على مصالح مشتركة بيننا كدول ومجتمعات , إما في حالة كانت الاجابة تحتوي على غير ذلك فعذراً سيادة الرئيس , نحن لسنا مستعدين أن ننزل لمستويات متدنية أكثر, فنحن الآن مقيمين أسفل القاع.

إن وضعي لإحتمال تعارض المصالح نابع من تحليل شخصي لعدة مجريات تحدث مقارنة بتاريخنا العربي المعاصر , فنحن يا سيادة الرئيس دخلنا حروب كانت سبب الكثير من الاخفاقات مع اسرائيل وهي ليست بخافية عليك , كانت أولها النكبة , ثم العدوان الثلاثي , ثم النكسة , ثم العبور , وعلى الرغم أنها مجرد جوانب عسكرية إلا أنها ليست الوحيدة , فزعمائنا يا سيادة الرئيس باعونا الكثير من الشعارات في تاريخنا , وبرروا لنا تلك الاخفاقات , فإن كنت لا تعرف أن المنعطف التاريخي ومبدأ الاستقلال والسيادة , والغزو الحضاري , وسلسلة المؤامرات السياسية والاجتماعية والدينية , والتقدمية , والوحدوية , ومحاربة الماضوية , والإصلاح الزراعي والصناعي والعمالي والحيواني والخضري وبقية سلسلة المبررات كانت تساق لنا تباعاً لتبرير تلك الاخفاقات من جهة والتسلط على المجتمعات من جهة أخرى .

وكما تعلم سيادة الرئيس أن شعوبنا تواقه في كل مرة لظهور البطل والقائد المغوار الذي سيحل كل شيء , أعلم يا سيادة الرئيس أن تلك نزعة طفولية , ولكنها للأسف موجودة , وقد تكون تلك إحدى أسباب شعبيتكم الجارفه في مجتمعاتنا . يا سيادة الرئيس لقد شبعنا من قصص البطولات والعنتريات ولا أعتقد أنك تتوق لكي تكون البطل المغوار اليوم وتتحول غداً إلى مجرد أحد رموز الظاهرة الصوتية , فتلك إن حدثت فإنها ستكون طامة ليس عليك فقط ولكن على دولة تركيا الشقيقه .

سيادة الرئيس إن معيار البطولة الحقيقية هو في عدد المكتسبات المادية والبراغماتية التي نحصل عليها كشعوب , ولهذا ليست البطولة في خسارة المزيد من تلك المكتسبات , لقد تعلمنا من تاريخنا الطويل يا سيادة الرئيس أن تركيا الحديثة منذ تأسيسها على يد رمزكم مصطفى كمال اتاتورك تعاملت مع الواقع بالواقع , وتعاطت مع كل حدث بما ينسجم مع تلك النظرة , وهذا ما جعل تركيا اليوم لديها ما تفاوض عليه المجتمع الدولي والعالم , فكما تعرف سيادتك أن مشكلة العرب مع اسرائيل أن ليس لديهم ما يفاوضون به سوى المزيد من العطائات , بينما انتم لديكم المزيد من الحرمان .

أنا أعتقد يا سيادة الرئيس أن القوة الفعلية لتركيا الآن بالنسبة لما هو في صالح قضيتنا العربية ليست امكانية تركيا العسكرية وليست امكانية تركيا الاقتصادية , وإن كانت تلك تشكل فارق ولكنها ليست من الأولويات , ولكن القوة الحقيقية هي أن تركيا تستطيع أن تلعب دور الوساطة بيننا وبين اسرائيل , وأن تقدم لنا خدمات الطرف الثالث , فعلاقتكم مع اسرائيل تستطيع ان تحل الكثير من المشاكل بيننا وبين اسرائيل .

ولهذا استغرب يا سيادة الرئيس من تصاعد التوتر بين دولتكم ودولة اسرائيل , ومدى امكانية استغلال ذلك في صالحنا , سيادة الرئيس أنه ليس من المفيد لنا أن تنضم تركيا لدول المقاطعة لإسرائيل , لأن ذلك لن يشكل اي ورقة ضغط على اسرائيل طالما أن اسرائيل معتمدة على الدول المتقدمة مثل امريكا والاتحاد الاوروبي والصين وروسيا , سيادة الرئيس أن ورقة السلام مع اسرائيل المطروحة على الطاولة , تريد دفعة سياسية من دولة بمثل دولتكم , فهي ليست بحاجة إلى دولة تضاف إلى دول المقاطعة مع اسرائيل . خصوصاً أن اسرائيل اعتادت المقاطعة من الدول العربية , بل إني استطيع أن أجزم مقاطعتها زادت من اعتمادها على الاتحاد الأوروبي .

فدافع الضرائب الاوروبي والأمريكي يا سيادة الرئيس اعتاد أن جزء من ضرائبه تذهب لدعم اسرائيل منذ ما يقارب الخمسين عام , فهو ليس في موقف المعترض ولا اعتقد انه سيعترض في يوم من الأيام , لأنه لو كان هنالك نية للإعتراض لحدث ذلك خلال تلك الخمسين سنة اللعينة , ولكنها للأسف لم تحدث , ولهذا نحن يا سيادة الرئيس عمقنا من تلك العلاقه بين الغرب واسرائيل . والمثير للدهشة أيضاً أن اسرائيل استطاعت في فترة وجيزة أن تتحول من دولة شاحذة إلى دولة منتجة , تساهم مع المجتمع الدولي ومع الدول المتقدمة , بينما يا سيادة الرئيس بقينا نحن نلطم ونبكي ونصرخ ونفقد المزيد والمزيد من مكتسباتنا .

سيادة الرئيس أن علاقتكم مع اسرائيل سيكون لها دور محوري مهم في الوصول للسلام مع اسرائيل , ولهذا أريد من سيادتكم أن توضح لنا اذا كان العكس هو الصحيح بكيف يكون ذلك ؟

قد أكون انا مستعجل قليلاً وأن لديك مسببات وقراءة مختلفه للأحداث , وقد تكون تلك مجرد مناورة سياسية بين دولتكم واسرائيل , ولكن بما أنني مواطن عربي يهمني كغيري مصلحتنا الوطنية أحببت أن أعرف تلك الاجابات .

سيادة الرئيس توجد قراءة للأحداث والدور التركي مختلفه قليلاً واتمنى أن لا تكون صحيحة , تلك القراءة تقول بأن تركياً تريد الضغط على الاتحاد الأوروبي ليسمح لها بالإنضمام للاتحاد من خلال افتعال تلك المناورات السياسية مع اسرائيل ,  لا أخفيك أنها بالنسبة للكثيرين وخصوصاً البعيدين عن الحقل السياسي والقراءة السياسية تفسيراً منطقياً .

المشكلة يا سيادة الرئيس إن كانت تلك القراءة صحيحه فإنه من غير المنطقي أن أطلب منك تأكيدها أو نفيها ولكن اتمنى أن لا تكون .

أخيراً أحب أن أقول بأن خير مثال لانتشال العرب من واقعهم هو في تغير الفرد العربي وإعطائهم المثال الذي يحتذى من خلال دولة مقاربة لهم عقائدياً ومع هذا تعيش في ديمقراطية كاملة وحرية , وبها مؤسسات مدنية وحقوقية , وحياة عصرية ومنفتحة . وهذا ماهو المفروض على تركيا أن تقوم به .

شكراً لسعة صدرك سيادة الرئيس , إلى اللقاء

التوقيع : مواطن عربي خائف ومتوتر .

——————————————

 

بالمناسبة : المملكة العربية السعودية ارسلت قافلة مساعدات لغزة قبل عدة ايام ووصلت دون شوشرة ولا مشاكل

هل أعجبك المقال ؟ شاركه في الشبكات الاجتماعية :
  • Print
  • email
  • Facebook
  • Twitter
  • Tumblr
  • PDF
  • Digg
  • Sphinn
  • del.icio.us
  • Mixx
  • Google Bookmarks
  • StumbleUpon
  • Yahoo! Bookmarks
  • MySpace
  • blogmarks
  • Fleck
  • Live
  • RSS

شاهدت قبل قليل حلقة من البرنامج " الحريمي " الشهير كلام نواعم , الذي يُعرض على قناة الـ MBC , كان موضوع إحدى فقرات الحلقة هو مقال نادين البدير أنا وأزواجي الأربعة , وكما قيل في البرنامج أن البدير كانت على موعد مع معدين البرنامج للظهور في الحلقة ولكنها اختفت عن الأنظار ويبدوا أنها لم تعطي معدين البرنامج أي خبر مسبق يعلمهم بتغيبها المفاجئ , وحيث أن مثل هذا الأمر قد يحدث في أي لحظة لأي شخص , فلا أعرف ماهو  الطارئ الذي حدث للبدير والذي لم يمكنها من الحضور , أو فلنكن قاسين قليلاً على البدير ونقول انها لم تقدم سبب او اعتذار لتغيبها , في الأخير ليس هذا هو المهم بالنسبة لي كمشاهد , فغياب البدير لن يشكل لي أنا شخصياً أي مشكلة , وأقول لا تشكل لي مشكلة ذلك لأني قرأت البدير ووصلتني فكرتها ورأيها من خلال كتاباتها ولم أكن منتظراً رؤيتها على الشاشة , ( وإن كانت رؤيتها تمثل لدى البعض فرصة للتكحيل ) , ولكني تابعت الحلقة لأني كنت متوقع الأحداث مسبقاً , حيث أن في عالمنا العربي خصوصاً تغتال المرأة المرأة , وتحارب المرأة المرأة , وتطهد المرأه المرأة , ذلك كله يحدث على مرأى ومسمع من الرجل , بل حتى أحياناً قد يكون الرجل في موقف المعترض على تصرف المرأة في طريقة اغتيالها للمرأة , ولا تندهش عزيزي القارئ إذا قلت لك أن إغتيال المرأة للمرأة لا يتم عادة من إمرأة مضطهدة , بل للأسف يحدث هذا من خلال إمرأة متحررة لمرأة قد توازيها تحرراً وقد تكون أكثر منها تحرراً .

 

في مقال سابق لي كنت أدعوا لأن تطالب المرأة نفسها بحقوقها وكنت أقول بأن مطالبة الرجل بالحقوق للمرأة لن تحقق شيء يذكر مقارنة بما إذا كانت هي نفسها تطالب بحقوقها لأنه بطبيعة الحال الحقوق تنتزع وتُؤخذ ولا تمنح , في الحقيقة أني كنت ادعوا في مقالي ذاك لإظهار محاربة المرأة لنفسها قبل محاربة الجنس الآخر , وللأسف حلقة البرنامج آنف الذكر تدلل على أن المرأة عادة ما تكون عدوة لنفسها . 

 

حيث أن اسم البرنامج ( كلام نواعم ) أي بالمعنى الدارج ( سوالف نسوان ) خير دليل وشاهد على ما أقول , وعلى رأي الغذامي في كتابه المرأة واللغة : أن المرأة كانت محصورة في نطاق الحكي , فإنها للأسف من خلال هذا البرنامج تؤكد أنها لم تبرح ساحتها المفضلة ( ألحكي ) , فالبرنامج بالمختصر لم يخرج عن دائرة الحكي بل الحكي هو عنوان البرنامج , وصدق أحدهم حينما قال : حينما اشاهد برنامج كلام نواعم : أتخيل نفسي في لمة نسوان بعد المغرب عند بيت جارتنا أم ناصر , المهم في الموضوع هو طريقة تناول هؤلاء النسوة لمقال البدير , حيث أن المذيعة المصرية ( لا أعرف اسمها ) حاولت أن تثأر لبرنامج اللمة من البدير بسبب تغيبها , وكالت لها جميع انواع التهم التي لا تمس سلوكها فقط بل حتى رأيها الذي كتبته في المقال , ووجهت لها تهم بعدم جديتها , وعدم وثوقها في نفسها , بل أنها جعلت من خلال الدقائق الأولى للبرنامج عبارة عن دقائق لتصفية حسابها مع البدير , ولأن المذيعة " المصرية " هي وبقية المذيعات يعتقدون بأن البرنامج عبارة عن مساحة شخصية , فلم تتوانى إحداهن من الاقتصاص من البدير , حيث أن المذيعات الأخريات كالوا لها تهم من نوعية ( أن البدير فقط تحب لفت النظر , أن البدير مجرد انسانة فارغة لا تجيد الا الزوبعة , أن البدير عندها مشكلة فطرية وشذوذ نفسي وسلوكي واخلاقي )  , فبقدرة قادر تحول النواعم إلى ثعالب , وتحولت الأنوثة التي يفتخرون بها إلى خربشة قطاوة . والمضحك في الموضوع أن فرح بسيسو حاولت إفراغ سهامها وعقدها الثقافية على البدير ووصمتها بأنها فقط كتبت المقال لتنطبق عليها مقولة – خالف تعرف – !! .

 

في موضوع حساس مثل الذي كتبت عنه البدير , حيث أنها أرادت من خلال مقالها أن توضح بأن المبررات التي يستخدمها الرجل لتبرير التعدد , يمكن أن تستخدمها المرأة لذات الفعل , أي أنها أرادت بأن تقول للرجل حاول أن تجد مبررات أخرى , فلو أن الرجال لم يفهموا مقالها والمعنى المبطن ( رغم إني مؤمن أنهم أكثر من فهم مقالها ) , إلا أن موقف المرأة على الأقل يجب أن يكون أكثر فهماً لطبيعة الفكرة التي طرحتها البدير , على اعتبار أنها هي المعنية بالمشكلة , ولكن لأن المرأة في العالم المتخلف , مبرمجه على اغتيال نفسها , فإنها حتى وإن بدت بأنها متحررة وأنها تعيش في مجتمعات علمانية ( مثل فرح بسيسو السورية أو رانيا برغوت اللبنانية )  فأنها لم تتحرر حقيقة من ثقافة النسق الذكوري الذي ذكره وبرهن عليه الغذامي في كتابه المرأة واللغة .

أما عن نفسي أنا أستطيع الجزم بأن كل الموجودات لم يقرأوا المقال , بل إن بعضهم اكتفى فقط بالعنوان , وهذا ظاهر من خلال تعليقات رانيا برغوت وفرح بسيسو المصرتان خلال الفقرة على مناقشة فكرة تعدد المرأة , ولم يتعدون العنوان لأصل مشكلة التعدد كسبب لمقالة البدير .

نهاية أنا أشكر البدير ليس على مقالها بل لعدم حضورها للبرنامج , لأنها اعطتني المبرر الأخلاقي للتعدد , فإمرأة تغتال حقوقها بيديها , لا تستحق أن امنحها حقوقاً كمكرمه أو كمنحة .

هل أعجبك المقال ؟ شاركه في الشبكات الاجتماعية :
  • Print
  • email
  • Facebook
  • Twitter
  • Tumblr
  • PDF
  • Digg
  • Sphinn
  • del.icio.us
  • Mixx
  • Google Bookmarks
  • StumbleUpon
  • Yahoo! Bookmarks
  • MySpace
  • blogmarks
  • Fleck
  • Live
  • RSS

في ساعة مبكرة من نهار اليوم , كانت الحالة المزاجية ليست في أفضل حالاتها , دخلت كعادتي على صفحتي في الفيسبوك , وهو اجراء روتيني على أية حال , وكالعادة لم أشعر وقتها بأي احساس آخر سوى بملل قاتل , وخصوصاً حين اترقب بالنظر لمربع التنبيهات الخاص بالفيسبوك والذي انتظر فيه كعادتي اي تنبيه عن تحديث يخصني على صفحتي في الفيسبوك .

خلال تلك الدقائق القاتلة فعلاً , وجدت أن هناك مشاركة لمقطع فيديو على اليوتيوب من أحد الأصدقاء , لم يشدني المقطع لأن الصديق الذي رفعه لم يكتب تعليق شدني له , وكون صفحتي في الفيسبوك حينها كانت تعج بتحديثات غبية لا تهمني لا من قريب أو بعيد , فلم أشعر إلا وأنا افتح المقطع المذكور وانتظر تحميله , ولكون المقطع طويل بعض الشيء حيث أنه يزيد عن السبع دقائق , فقد اوقفته بانتظار استكمال تحميله وذهبت لتصفح بعض المواقع الاخبارية الاخرى , وهي على فكرة مواقع مملة وكئيبة جداً – من مثلاً يفتتح يومه بتصفح ( الشرق الأوسط – الحياة – الشبكة الليبرالية السعودية …. ) – والمشكلة الحقيقية تكمن أن الأخبار والمواضيع المنشورة في المواقع هذه تصيب الانسان بالاحباط بشكل مباشر وأيضاً بشكل غير مباشر , فهل يا ترى استفتاح يوم بخبر مثل هذا أو هذا , هو عمل جيد وقد يكون فاتحة خير مثلاً ؟ !

عموماً بعد قراءة تلك الأخبار الي تسم البدن , رجعت للمقطع الذي حملته وبدأت مشاهدته , حينها فقط أستطيع القول بأن هذا المقطع سبب لي صدمة نفسية ووجدانية وحضارية . فعلاً لم أكن أستوعب ما أرى , ليس لأن ما شاهدته غريب علي بالكلية أو مثلاً لم أكن أتوقع حدوثه في يوم من الأيام , بل لأنه أتى في حالة كنت فيها محبطاً بشكل كبير , والمصيبة أني لم أكن أعلم بأني في تلك الحالة النفسية السيئة إلا بعد ما شاهدت المقطع .

وعلى الرغم من أني سافرت لخارج المملكة كثيراً ولدول أوروبية تحديداً , لكني لم أشعر بما شعرت به الآن , ولأن السبب أيضاً يعود لأن ما تعيشه في لحظة يكون في حالة من التطرف الشديد لإحدى الاتجاهات , وفجأة تنقلب إلى الإتجاه الآخر بشكل مريع , هنا أضمن بأن ما يحدث في العقل ليس سوى زلزال قوي يتعدى السبع درجات الريختارية ويسبب موجات تسونامية ارتدادية عنيفة , تنعكس على المشاعر الداخلية وتسبب حالة لا يمكن وصفها .

وحتى لا أطيل الهذرة تعالوا لنشاهد المقطع , وأرجوا عدم إكمال قراءة المقال قبل مشاهدة المقطع كاملاً .

 

 

هل رأيتم المقطع ؟

ما شاهدته أعلاه هو هدية الخطوط البرتغالية لركابها المسافرين في ليلة رأس السنة , الفكرة بسيطة جداً , هو أن الشخص المسافر على الخطوط البرتغالية والمتواجد في صالة المطار ويقف في طابور الشحن عند كاونترات الشركة ينتظر دوره , وغالباً ما يكون مزاجه يشبه مزاجي الصباحي وذلك لأنه مسافر في وقت يحتفل فيه الناس بدخول السنة الجديده , ولأن هذا الشخص المسافر هو جزء من المجتمع ولأن موظفين الشركة هم أيضاً جزء من المجتمع , ولأنهم هم أيضاً مزاجهم وقتها قد يشبه مزاجي ومزاج المسافر , فإن الواجب الإنساني والحس الثقافي لدى الشركة أنتج فكرة بسيطة جداً .

وهي لماذا لا نشعر هذا المسافر أنه في احتفال ؟ وكيف نجعله يشارك في هذا الاحتفال بتلقائية انسانية بشرية طبيعية ؟

وبنفس الوقت نجعلها فكرة بسيطة يمكن تطبيقها بدون أي مجهود أو مصاريف زايده لا معنى لها – طبعاً ماكان فيه سعودي في الشركة وإلا لكان الموضوع تحول لمناقصة تجارية – .

اغنية تذاع في مكبرات الصالة , ومشاركة من الموظفين بالرقص لتحفيز المسافرين على الرقص كفيلة بجعل المسافر سعيداً لبقية اليوم , وسعادة كبيرة وغامرة ليست سعادة مزيفة على أية حال , بدليل أني ابتسمت وشعرت بجزء من فرحتهم وأنا أشاهد المقطع .

إن محاولة التدقيق في المقطع وإعادته عشرات المرات خلال , جعلتني اندهش من ثقافة هذه المجتمعات , انهدش من استمتاعهم بالحياة , انهدش من تحويلهم اكتئاب العمل وضغوط الحياة لفرح وسعادة وتطلع للعيش بهناء , نحن حتى نجهز لحفلة رسمية , نحتاج ألف توقيع , وألف واسطة , وحرب مع المجتمع ومع الهيئة ومع المتعاونين وطلاب العلم والمشايخ , وفي الأغلب انها لن تنجح فقد يأتي خطاب المنع في اللحظات الأخيرة , بينما في مجتمعات أخرى الموضوع سهل لدرجة أنه لا يحتاج لتجهيز , فهو سلوك اجتماعي متكرر وطبيعي وغير متكلف وتلقائي .

نحن حتى في الأعياد وفي المناسبات الدينية الكبيرة , لا نعرف كيف نفرح ولا نعرف كيف نكون سعداء , لم أشعر في يوم من الأيام من حياتي أن عيد الفطر أو عيد الأضحى هو مناسبة للسعادة , والله أني اشعر بملل قاتل يوم العيد , أحب أن أقضيه في النوم بعيداً , وأدعوا الله أن ينتهي سريعاً . لأنه بكل بساطة لا يوجد سبب للفرح يوم العيد , لأنه في أحسن الأحوال ينقضي في مقابلة أقارب لا تحبهم أو لا تعرف عنهم سوى يوم العيد وتضطر للتصرف بشكل رسمي امامهم , وقد تدخل في نقاش حاد مع احدهم تخرج بعدها بمزاج اسوء من مزاجي الصباحي .

دققوا النظر في وجوه الناس , انظروا كيف الابتسامة والفرح بادية عليهم , انظروا لملامح المسافرين كيف تتحول من العبوس إلى الابتسامة والانتعاش في ثواني , فقط بالمسويقى والرقص .

مقاطع أخرى

انا بصراحة مستعد أن أتخلى عن كل مكاسبي المادية في المجتمع الذي أعيش فيه واستبدله بهذا المجتمع الجميل والتلقائي والسعيد .

هل أعجبك المقال ؟ شاركه في الشبكات الاجتماعية :
  • Print
  • email
  • Facebook
  • Twitter
  • Tumblr
  • PDF
  • Digg
  • Sphinn
  • del.icio.us
  • Mixx
  • Google Bookmarks
  • StumbleUpon
  • Yahoo! Bookmarks
  • MySpace
  • blogmarks
  • Fleck
  • Live
  • RSS
1 يناير، 2010  |  بقلم: محمد الطويرقي  |  يُصنف في: سياسة

ترددت كثيراً قبل كتابة هذا الموضوع , فالحديث عن القضية الفلسطينية هو حديث على الرغم من أنه أشبع بحثاً وطرحاً إلا أنه مايزال حديث الساعة , سواء كان ذلك الحديث رصد للأخبار المتلاحقة عنه أو تحليل وتفسير لمخرجات تلك القضية التي منذ بدايات القرن ولم يخفت صوتها أبداً , وأعتقد أنها لن تخفت طالما يتم التعامل معها على شكل سلعة يتم تبادلها في بازارات الشعوب .

 

 

إلا أن ما يجعلني اتطرق لهذا المحور الكلاسيكي والممل جداً , ليس لأنه بالنسبة لي يشكل مساحة من اهتماماتي ولكنه وسيلة يتعامل المجتمع معي بها . فمن خلالها يحاول الكثيرين جاهدين بشكل مباشر أو غير مباشر جعلي فرداً من قطيع يتم تحريكة كيفما اراد الرعاة الدينين أو السياسين . وأعتقد أن رعاة القطعان هم أكثر من لا تهمه القضية لجوهرها ولكنها تهمة لتحقيق اهداف هي بعيدة كل البعد عن القضية ذاتها . قد تكون تلك الأهداف في بعض الأحيان شخصية , أو حزبية أو مؤسساتية لا تعنيني أصلاً , ناهيك عن كونها ضد مبادئي الشخصية .

 

الذي جعلني حقيقة أكتب هذا الموضوع بشكل مباشر هو الأخبار المنشورة في الصحف العربية مؤخراً حول القرار المصري ببناء جدار حديدي على حدودها مع قطاع غزة لمنع التهريب والتسلل من خلال الأنفاق بين غزة والجانب المصري .

 

حيث أن معظم الصحف العربية ووسائل الإعلام المختلفة في العالم العربي , كانت تنشر الخبر بصياغة إيحائية أن مصر تعمل كحارس حدود لإسرائيل , وكمساعد لها في مواصلة حصار الشعب الفلسطيني المحتجز في غزة . ورغم أن الصياغة للخبر هي صياغة مؤدلجة تماماً لأنها لا تقبل احتمالية أن تكون مصر تريد حماية حدودها أصلاً من المخربين داخل أراضيها, وخصوصاً بعد أزمة خلايا حزب الله اللبناني التي تم القبض عليها داخل الأراضي المصرية والتي كانت تعمل لصالح جهات خارجية وخصوصاً إيران التي توصف علاقتها بالقاهرة بالمتوترة جداً, وهو تبرير حتى وإن كان غير مقبول إلا أنه مطروح للتفكير ويُعتبر بالنهاية تبرير , فمصر لم تبني هذا السياج على الأراضي الفلسطينية , ولم تعتدي على أحد , كل مافي الأمير انها تبني سياج داخل حدودها وعلى اراضي سيادتها القانونية والطبيعية .

 

إن المتأمل في الوضع الفلسطيني الحالي والحصار الإسرائيلي على غزة تحديداً , يدرك الأزمة العميقة لبنية التفكير العربية , سواء كان ذلك عند الفلسطينين انفسهم أو كان عند بقية العرب المتفرجين من الخارج , وحتى يتمكن المرء من الحكم وتحديد موقفه الخاص من هذه القضية , عليه أولاً أن يرى الصورة بشكلها العمومي الكامل , وأن لا يحاول فهم جانب منها بشكل مجتزء عن بقية الجوانب , أو النظر لها كأحداث منفصلة ومجتزءة من سياقها الكامل .

 

فالقضايا السياسية لا يمكننا أن نفهمها دون فهم أركانها الأساسية وأبعادها الزمنية وخصوصاً تلك القضايا التي تخرج عن نطاق اهداف السياسة الطبيعية وهي المصالح إلى أبعاد اجتماعية وثقافية ودينية ونفسية , ولهذا علينا أن نفهمها ككتلة واحدة لها بنية متكاملة , نحاول فهمها كما هي , ونكون قد ارتكبنا خطأ فادح إذا حاولنا فهمها بشكل تفكيكي تشريحي كل جانب على حدى , فهنا تصبح أولاً صعبة على الفهم وثانياً تفقد المبررات المنطقية لأحداثها , وهذا ما يجعل الكثيرين يتلاعبون بالقضية ويحولونها إلى سلعة تخدم أهدافهم ومصالحهم الشخصية وتجعل معظم الناس مجرد افراد قطيع يتحركون بواسطة اشخاص معينين أو أصحاب إيدلوجيات معينة .

 

كذلك هناك أمر هام لابد أن يؤخذ في الاعتبار عند الحديث عن القضية الفلسطينية , وهو أن هناك الجانب العاطفي الذي يركز عليه معظم العرب عند الحديث عن القضية الفلسطينية , والذي يدخل من ضمنه عناصر مثل الدين والقومية وغيرها من العناصر التي يرتكز عليها الجانب العاطفي , وهناك الجانب الواقعي والمادي والذي يتم تجاهلة في الخطاب الشعبي العربي بعكس الخطاب الغربي أو العالمي والذي يجعل الجانب المادي والواقعي هو الأساس في صياغة أي مبادرات يمكن ان تكون حلول للقضية. وهنا نقطة الاختلاف التي دائماً ما تجعل المتلقي العربي يكون في حالة رفض دائم لكل المحاولات الغربية لطرح عملية سلام أو مناقشتها . وهي سبب فشل كل المحاولات العربية في ايجاد حلول عملية وخصوصاً المطروحه من دول الاعتدال التي تكون دائماً حلولها المطروحه في حالة رفض على النطاق الشعبي العربي على الرغم من أنها تحاول التركيز على جوانب واقعية أكثر من كونها معنوية .

 

كما أن مشكلة الحلول الواقعية العربية هي أنها أولاً غير مقبولة شعبياً مما يؤثر على مصداقيتها أمام المجتمع الغربي وخصوصاً في دول جمهورية مثل مصر وغيرها وثانياً أنها لا تأخذ في الإعتبار البعد الزمني المطروحة فيه , مع أن البعد الزمني هو بعد مهم جداً في تقبل الجانب الاسرائيلي لتلك الحلول , وبعكس الجانب العربي والذي يعتبر فرض هذه الحلول شعبياً أمر أقل صعوبة نسبياً من الجانب الإسرائيلي فهي تعتمد في الأخير على شجاعة الحاكم السياسي العربي في فرض الحل شعبياً لكن في الجانب الإسرائيلي فإن ذلك يعتبر أكثر صعوبة ,لأن الحاكم السياسي هناك هو موظف عند الشعب وصل للحكم عن طريق صندوق الانتخابات ولديه وقت محدد في شغر منصبة الوظيفي ولهذا اليمين المتطرف في اسرائيل يفهم تلك اللعبة جيداً فسارع على اقرار قانون في الكنيست الاسرائيلي ينص على أن أي قرار يخص تفكيك مستوطنات أو تنازل عن أرض يكون محل استفتاء شعبي وليس قرار يمكن أن يتخذه رئيس الحكومة . ذلك يعني أن أي حاكم اسرائيلي قد ينجح في الانتخابات مستقبلاً لا يستطيع التوقيع على اي اتفاقية سلام يمكن من خلالها التنازل عن مساحة من الارض كما فعل ارئيل شارون في آخر ايامه حينما انسحب من غزة وفكك المستوطنات بشكل اجباري .

 

ولهذا البعد الزمني لطرح أي حلول سلام يعتبر مهم بل يعتبر محوري لابد من أن يأخذه الجانب العربي بعين الاعتبار . ففي السابق مثلاً وأعني قبيل حرب 67 التي انهزمت فيها الجيوش العربية كان التفكير بمجرد عمل سلام مع اسرائيل على أي شبر من الأرض العربية يعتبر خيانة وطنية كبيرة , وذلك لأن الشعوب العربية بما فيها السياسيين كانوا غير مستعدين أصلاً بالإعتراف بحق اسرائيل في الوجود من حيث المبدأ , كما أنهم كانوا على ثقة كبيرة بأن المعركة ستكون من صالحهم , غير ملتفتين أصلاً للواقع ولموازين القوى التي كانوا يجهلونها في وقتهم , وكانت أهدافهم طموحة أكثر من اللازم , ولكن بعد الحرب أو كما يسمونها النكسة , أستغرق الأمر مابين الست سنوات إلى السبع سنوات أي حتى حرب العبور في عام 73 لإستيعاب أن إسرائيل أصبحت واقع وتمتلك القوة الكافية لردع كل دول المنطقة إذا ماكان هناك تهديد لوجودها , وعلى الرغم من أن اسرائيل دولة معترف بها دولياً وعضوا في الأمم المتحدة منذ عام 48 إلا أن أول خطوة قامت بفعل إيجابي واقعي من السياسيين هي عملية السلام بين مصر واسرائيل بعد حرب العبور وهي ما يعرف باتفاقية كامب ديفد التي ابرمها الرئيس المصري السادات مع الجانب الاسرائيلي . طبعاً تلى ذلك الاتفاق قطيعة مصر مع بقية دول الجامعة العربية وعلقت عضوية مصر عشر سنوات تقريباً في الجامعة العربية ,

 

لأن السادات حتى وإن كان متأخراً في عقد تلك الاتفاقية إلا أنها تعتبر خطوة جريئة وبراغماتية جداً , لقد ادرك السادات حينها بأن الانتصار الذي حققه في 73 كان مجرد انتصار معنوي أكثر من كونه انتصار فعلي , فعبور جدار برليف لم يكن يعني تحرير سيناء من قبضة الاسرائيلين وان اسرائيل كانت تريد وقت اطول حتى تبني مستوطنات جديدة في سيناء لتكون ورقة ضغط إضافية على مصر في المستقبل إذا كان هناك محاولة لعمل سلام أو طرح حلول , هذا ناهيك على أن العرب قد اعتبروا حرب الـ 73 انتصار ( مثل اعتبارهم حرب تموز بين حزب الله واسرائيل انتصار ) لأن الجيش المصري تخطى جدار برليف ودخل 20 كيلو متر شرق قناة السويس ولأن الجيش السوري دخل في عمق الجولان وهذا كان في بداية الحرب أما في نهايتها فإن الجيش الاسرائيلي عبر للجانب الغربي من قناة السويس والتف على الجيش المصري وقام بطرد الجيش السوري من هضبة الجولان , هذا ما جعل السادات يدرك حقيقة أن الانتصار المزعوم لم يكن انتصار فعلي على أرض الواقع وإنما كان مجرد انتصار معنوي .

 

ولهذا سارع السادات بكل جراءة وشجاعة لعقد اتفاقية كامب ديفد واسترد من خلالها سيادة بلادة على أرض سيناء كاملة والسماح للسفن التجارية بالعبور من قناة السويس واسترد جزء مهم من إحدى دعائم اقتصاده الوطني , في المقابل واجه السادات حرب شرسة من قادة الدول العربية الأخرى وتم تخوينه علانية في الخطابات الشعبية وعلى وسائل الإعلام العربية وخصوصاً السورية لأنه عقد الاتفاقية مع الاسرائيلين ولم تشمل اتفاقيته ولا حتى في مراحل مفاوضاته بقية القضايا العربية الأخرى , فهو بالنهاية أراد تحقيق مكاسب وطنية تخص مصر وحدها لا بقية العرب .

 

لقد تعلم السادات من حروب أعوام 48 و 56 و 67 وبقية المناوشات العربية التي دارت مع الاسرائيلين أن وجود أكثر من طرف عربي في الصراع لا ينبغي أن يكون طرف في عمل اي اتفاق , لأن السياسة لابد وأن تكون قائمة على المصالح وليست على الشعارات , ولأن بقية الاطراف العربية أصلاً تقتات على الشعارات وتغيب عنها النظرة الواقعية للأمور فإنها بطيبعة الحال ستكون معرقلة لأي مكاسب مادية حقيقية لأنه ببساطة هناك لغتين مختلفتين بين طرفي الصراع , فالعرب خطابتهم عاطفية غير واقعية وبسببها يخسرون كل شيء وأي شيء والاسرائيلين براغماتيين وواقعين ولهذا فهم يكسبون من أي شيء كل شيء .

 

*******

إن الواقع الفلسطيني في غزة هذه الأيام هو واقع صعب جداً حقيقة على كل الجوانب وخصوصاً الجوانب الانسانية . فالحصار الذي تفرضة إسرائيل على القطاع يمنع دخول المساعدات الإنسانية والاحتياجات الأساسية الطبيعية , عوضاً عن الكماليات التي تحتاجها الأسرة .

إن هذا النوع من الحصار في الحقيقة هو مرحلة متقدمة من تأزم الصراع العربي الإسرائيلي , مع العلم أنه كانت هناك مراحل سابقة لهذا الوضع كانت كفيلة بتحسين الأوضاع وانفراج الأزمة وحلول سلام كانت قريبة من التحقق لولا حدوث موجات سياسية معينة وشعبية أدت إلى تراجع وتقهقر مسار التقدم المفروض والعودة للمربع الأول , ولهذا أرى أنه من الأولى عند الحديث عن الحصار على قطاع غزة هو معرفة الدوافع الذي أدت لهذا الحصار , ليسهل علينا حينها الحكم على الأمور بمنظور لا أدعي أنه حكم موضوعي ولكنه على الأقل أقرب للموضوعية ,

إن الحصار على غزة أتى بعد ما يسمى الحسم العسكري لحماس على غزة ف

ي عام 2007 وبعد المناوشات التي حدثت بين حركتي فتح وحماس انفصلت حماس عن السلطة الفلسطينية واعلنت حكمها على القطاع , هنا دخلت اسرائيل على الخط وقامت بفرض الحصار على القطاع , ولأن حماس أصلاً مصنفة دولياً على أنها منظمة إرهابية , وقانوناً فإنه لا يمكن للحكومات الأجنبية بمساعدة الحكومة إذا ماكانت تلك الحكومة مشكلة من قبل منظمة مدرجة على لائحة الإرهاب العالمي . فإن حماس بوصولها للحكم عن طريق الانتخابات فإنها حرمت الشعب الفلسطيني من المساعدات الأجنبية وخصوصاً المساعدات التي تمنحها الدول الاسكندنافية والتي هي من أكبر الداعمين للفلسطينين , ولأن أصلاً الشعب الفلسطيني يعيش على المساعدات الدولية فإن الوضع أثناء حكومة حماس كان مأساوي حقيقي , ومن الطريف التنوية إلى تناقض غريب تقع فيه حماس بحيث أنها لا تعترف باتفاق أوسلو الذي افرز الانتخابات الفلسطينية التي اوصلت حماس للحكم , فهي تناقض شرعيتها بنفسها فكيف تحتج بشرعيتها الديمقراطية في الوقت الذي لا تعترف بالاتفاق الذي افرز تلك الشرعية ؟! .

 

إن وصول حماس للحكم عن طريق الانتخابات هو في الحقيقة وصول ديمقراطي سليم لا غبار عليه , لكن معظم الغاضبين الآن من المجتمع الغربي في حصارة لحكومة حماس على الرغم من أنها وصلت بشكل ديمقراطي , يتناسون أن الديمقراطية هي مسؤولية قبل أن تكون حرية , بمعنى أن الناخب الفلسطيني قبل أن يمارس حريته الديمقراطية الطبيعية والتي هي حق من حقوقه الإنسانية فإن عليه أن يعلم أن من سيرشحه سيكون ممثل له ليس فقط داخلياً ولكن حتى خارجياً , وطالما أن الناخب الفلسطيني حياته معتمدة اعتماد كامل على المساعدات الأجنبية فإنه ليس من المعقول أبداً لو ذهب لترشيح حزب سياسي سيمنع الآخرين من مساعدته , إن انتخاب الشعب الفلسطيني لحماس هو في الحقيقة إعلان حرب مع إسرائيل أولاً ومع الغرب ثانياً .

 

إن الواقعية مهمة أصلاً في التعامل مع صندوق الانتخاب , ولا معنى أبداً أن يلوم الناخب الآخرين إذا كان تمثيله الشعبي رافض لهم, حتى وإن كانوا معتدين عليه , وعلى سبيل المثال لو اختار الشعب الألماني حزب نازي لحكمه فإنه بهذا الاختيار فإنه يعلن الحرب ببساطة .

 

أنا هنا لا أنزه اسرائيل عن الجرائم التي ترتكبها كل يوم ضد "المدنيين" الفلسطينين ولكن الحياة الواقعية تقول بأن الصراع هو عبارة عن اقتناص فرص , فلماذا اعطاء العدو فرصة لتبرير جرائمه ؟

هناك شريحة كبيرة من العرب والمسلمين فرحوا بهجمات 11 سبتمبر على الولايات المتحدة الأمريكية وفي نفس الوقت غضبوا من هجمات الولايات المتحدة الامريكية على افغانستان والعراق , وفي الحقيقة أنهم لا يحاولون الوقوف على التناقض الذي يقعون فيه دوماً وهذا كله نتيجة العاطفة التي تتحكم دائماً في قراراتهم المصيرية .

 

قد يقول قائل ولكن هجمات نيويورك كانت جزء من الرد على الدعم الامريكي لاسرائيل , وهنا أقول حتى ولو كانت تلك الهجمة جزء من الصراع ولكن المسلمين الآن في موقف الضعيف وليس في موقف الند للغرب أو الولايات المتحدة الأمريكية , أما إذا اختار المسلم أو العربي أن يكون في موقف الضد فعليه تحمل تبعات ذلك الموقف لا أن يتباكى على ما يحدث .

 

على نفس المنطق فإنه ليس من المعقول أن تنفصل حماس بقطاع غزة عن السلطة الفلسطينية وتحكمها بشكل مستقل ومن ثم تطالب اسرائيل بعدم الحصار أو تطالب الدول الغربية بدعمها أو مساعدتها , لأنه حتى وإن كان لدى اسرائيل أي تردد في ارتكاب أي جريمة ضد الشعب الفلسطيني كون أن السلطة الفلسطينية وحركة فتح جزء من الشعب الفلسطيني وهي غير ارهابية في نظر الغرب فإن حماس في حكمها على قطاع غزة وانفصالها عن حركة فتح فكأنها تقول لاسرائيل لا تترددين في ارتكاب جرائم ضدي لأني هنا أقف لوحدي والسبب الذي يجعلكِ مترددة قد انتفى .

 

وبدل أن تعمل حماس على التهدئة مع اسرائيل ومحاولة فك الحصار عن القطاع بطرق سلمية كونها الطرف الأضعف فإنها عملت على فك الحصار عن طريق اطلاق الصواريخ من غزة على اسرائيل , في عملية غريبة وفي الوقت الذي تحاول فيه السلطة الفلسطينية استكمال عملية السلام والمباحثات حوله , فإن حماس عملت على افساد ذلك الأمر عن طريق اطلاق الصواريخ فأعطت الفرصة والمبرر لاسرائيل لتنفيذ تهديداتها باسكات الصواريخ فما كان إلا المجزرة التي حدثت في القطاع في عام 2008 والتي اسفرت عن سقوط آلاف القتلى والجرحى والذي بدوره أعتبر أنه انتصار لأنه كان بلغة العرب صمود ! , هل كان مثلاً سيكون غير ذلك ؟

 

ومازال الحصار مستمراً وبعد كل هذه الأحداث تصر حماس على مواصلة حكمها للقطاع واستمرار حصار اسرائيل للقطاع حتى تنهك حماس لأكبر وقت ممكن , الغريب أن حماس وكل العرب سابقاً يتناسون عنصر الوقت الذي لم يكن في صالحهم منذ 48 وحتى اللحظة , فإنه سلاح بيد اسرائيل لكسب المزيد من الأراضي لبناء المستوطنات والمزيد من أوراق الضغط التي تمارسها على المجتمع الدولي وعلى العرب .

 

*******

 

في بداية التسعينات من القرن الماضي عقد الرئيس الراحل ياسر عرفات اتفاقية أوسلو للسلام في واشنطن , وكانت تلك خطوة متقدمة جداً في سبيل إيجاد حل نهائي وجذري للقضية الفلسطينية لولا تعنت الجانب الاسرائيلي بعد ذلك في اتفاقية كامب ديفد2000 , والتي كان محورها الأساسي قضية القدس الشرقية كعاصمة للدولة الفلسطينية . قبل التطرق لها أحب أن أوضح بأن اتفاقية أوسلو كانت اتفاقية تحوي الكثير من المكاسب للدولة الفلسطينية , إن بنود الإتفاقية كانت فعلاً حقيقية وتحمل إيجابيات كثيرة كان يمكن استثمارها لولاً ان كامب ديفد2000 كانت تحتاج لحاكم اسرائيلي قوي مثل اسحق رابين والذي دفع ثمنها حياته من قبل المتطرفين الصهاينة إنجاحها , , لكانت القضية الفلسطينية الآن أصبحت من قضايا التاريخ , لأنه بعد اتفاقية أوسلو التي ضمنت بأن اسرائيل والمجتمع الدولي سيعمل على بناء دولة فلسطينية ومساعدتهم على تكوين مجتمعهم المدني ومؤسساتهم الحكومية من برلمان ومجلس وزراء وشرطة قوية وبنية تحتية وخدمات كاملة وميناء ومطارات ومراكز تجارة حرة والكثير من المكاسب الواعدة حدثت قمة كامب ديفد2000 والتي رفض التوقيع عليها الراحل ياسر عرفات وكان مت تبعاتها هو اعتقاله في منزلة وعدم السماح له بالخروج مما تلى ذلك انفجار للانتفاضة الثانية التي عملت على إيقاف كل شيء .

 

فبعد عام 93 وبعد توقيع اتفاقية اوسلوا بدأت منظمة التحرير الفلسطينية بعمل انتخابات حرة ونزيهة وبإشراف دولي والتي فاز فيها الراحل عرفات , وبدأت الشركات الأوروبية والأمريكية بالدخول لفلسطين وعمل الخدمات اللازمة والبنية التحتية , فمطار غزة على سبيل المثال بنته ايطاليا على نفقتها الخاصة , والنرويج عملت على مد الطرقات وكان المهندسين النرويجين يعملون في الطرقات الفلسطينية لعمل شبكة الطرق , والدنمارك والسويد عملواعلى بناء المدارس والمستشفيات وغيرها من الخدمات , وكان الشعب الفلسطيني يرى ذلك كواقع خلال يومه الذي يعيشه , بل حتى اليابان ساعدت في بناء بعض الجامعات وغيرها بتمويل مباشر من حكومة اليابان , كبرامج انسانية .

 

وبطبيعة الحال كعادة العرب فإنه بعد اتفاقية اوسلو فإن ياسر عرفات أصبح في نظر الشعب العربي مجرد عميل وخائن لأنه قبل بالاتفاقية وحاول الدخول في حل منطقي للقضية وتأسيس دولته وكسب الوقت بدل الضياع الحاصل لكل مكتسباته التي كان سيحصل عليها , وقد شنت وسائل الإعلام العربية عامة والسورية خاصة كعادتها حرب شعواء لتشويه صورة ياسر عرفات ووصمه بالخيانة وغيرها , ولم تقف تلك الحملة حتى فشلت المفاوضات في كامب ديفد2000 واعتقال ياسر عرفات في منزله وضاعت أهم مكتسبات أوسلو , هنا فقط أصبح عرفات مناضل وتوقفت تلك الهجمة التي لا يمكن وصفها سوى بأنها غوغائية .

 

في النهاية إن موقفي من الحصار على غزة لا يمكن أن يكون خارج هذا السياق وماهو إلا تعبير عن قراءتي للقضية الفلسطينية "الدوشة" , صحيح أنا ضد حصار الجميع وعقاب الجميع ولكني أيضاً لا أحمل اسرائيل كامل المسؤولية عن ما يحدث في غزة , ولكن حماس تشترك مع اسرائيل في ذلك كونها رضت بأن تتخلى كحركة مقاومة عن المقاومة المسلحة وقبولها الانخراط في العملية السياسية وهي تعلم علم اليقين ما يترتب على ذلك الأمر من مخاطر تقع على كامل الشعب الفلسطيني .

 

كما أن موقفي من حماس هو موقف جوهر لا موقف شكل أو أسلوب , فحماس هي جزء من ايدلوجيا تقول بأن حياة الإنسان ماهي الا مجرد عبور لحياة الآخرة , وأن الأصل هو حياة الآخرة , وأن الجهاد هو لغة الحوار مع المعتدي حتى وإن كان الواقع ليس في صالح المعتدى عليه ,

 

وكون أصلاً ايدلوجية حماس هي إيلوجيا مثالية تفترض أن المكاسب المعنوية أهم من المادية , وإن كرامة الإنسان في موته لا في حياته ووطنه ودولته وحريته , فإن موقفي مبرر .

 

اتذكر مقولة لا أعرف نصها ولكن معناها يقول : أننا نقاتل لنموت وأنتم تقاتلون لتحيون , وهي شعار يقال في الخطابات الجماهيرية المحمسة , هذه المقولة تعبر بعمق على أن العقلية العربية أصلاً تتحدث بلغة لا يفهمها بقية العالم , فالعبارة بالنسبة لي مسيئة لقائلها لا لمن تقال له . لأنني أؤمن بان الله خلقنا لإعمار الأرض والعيش عليها , وخلق الأرض لنا لكي نحيا عليها لا لكي نموت من أجلها , فهي مسخرة لنا ولسنا مسخرين لها .

 

وفي السيرة النبوية الطاهرة تعلمنا من خاتم الأنبياء والمرسلين بأن الاتفاق مع العدو وعقد الصلح هو من صميم ديننا الذي نزل لينقذنا من النار ويهيء لنا حياة كريمة على الأرض , فحينما كان المسلمون في عهده صلى الله عليه وسلم في حالة ضعف لم يكن ليغامر بحياتهم ويحارب لخسارة مكتسباته , فقد صلى الله عليه وسلم مدرسة في الواقعية لا الخيالية , فهو قد بقي مع كفار قريش 13 سنة لم يحاربهم ولم يجاهدهم بالسلاح , لأنه كان هدفه صلى الله عليه وسلم الحفاظ على ارواح أصحابه رضي الله عنهم وتحقيق غاية ربه من بعثه وهو تبليغ دعوته المباركة .

 

محمد الطويرقي

——————

نص اتفاقية أوسلو

هل أعجبك المقال ؟ شاركه في الشبكات الاجتماعية :
  • Print
  • email
  • Facebook
  • Twitter
  • Tumblr
  • PDF
  • Digg
  • Sphinn
  • del.icio.us
  • Mixx
  • Google Bookmarks
  • StumbleUpon
  • Yahoo! Bookmarks
  • MySpace
  • blogmarks
  • Fleck
  • Live
  • RSS

 

البدير والفرحان

 

 
كتب الصديق فؤاد الفرحان ( المواطن السعودي غير الصالح والعشوائي والمختلط ) نوتة يرد فيها على مقال الإعلامية السعودية نادين البدير والمنشور في صحيفة المصري اليوم بعنوان أنا وأزواجي الأربعة , حيث أن الأخيرة طرحت في مقالها موضوعاً خلافياً منذ القدم وهو أيضاً ليس بذلك الموضوع الذي يمكن تصنيفه من الكلاسيكيات الحوارية والتي انتفت الحاجة لإعادة طرحه , بل أنه من المواضيع التي سيستمر طرحها طالما وجدت الأسباب الداعية لمثل ذلك النوع من الطرح ,

 

وبعيداً عن الأسلوب الذي اتبعته الكاتبة في مقالها وبالرجوع إلى جوهر المشكلة الأساسية والتي غالباً ما يغض الطرف عنها معظم الكُتاب وهي أن الكاتبه وأمثالها انطلقوا في كتاباتهم من مشكلة تعدد الأزواج للرجل , ذلك الحق المكتسب للرجل في مجتمعاتنا الثيوقراطية والذي لا تحده أي ضوابط قانونية يمكننا من خلالها حصر ذلك المكتسب في نطاق قانوني يمكن ان يكون كحل مرضي للجنسين , فالمشكلة هي عند المشرع وعند الرجل , ففي حالة النظرة الدينية المتبعة في المجتمعات حالياً أن الرجل يحق له التعدد امام القانون دون ان يبدي اي سباب مقنعة للقاضي , لأنه بكل بساطة الأصل مجتمعياً وقانونياً هو أن التعدد مشروع , فهل يوجد في مجتمعاتنا العربية باستثناء المجتمع التونسي الشقيق قانون يمنع التعدد كأصل وهناك حالات استثنئاية ؟ أم إن الأصل هو أن التعدد مشروع وان تقنين التعدد – إن وجد – هو الاستثناء ؟

ليس ذلك فحسب فأيضاً حينما يكون هناك اعتراض على هذا النوع من الحق المكتسب للرجل تُساق الكثير من المبررات من طرفه والتي أيضاً بائت لم تعد مقنعة للمرأة , وهذا خلاصة ما عبرت عنه البدير في مقالها الجريء , فهي تريد القول بأن المبررات التي تضعها أيها الرجل والمشرع يمكنني أن أضع مثلها بالنسبة للمرأة كي تبرر التعدد إن هي طالبت به يوماً .

هذا هو لب المشكلة التي تدعوا نادين البدير وغيرها لكتابة مواضيع من هذا النوع , كما أن المشكلة في مسائل التعدد متعدية على طرف آخر وليست محصورة على الشخص صاحب التعدد , وهذا يحرم على الآخر وخصوصاً الرجل أن يعترض على ما تطالب به نادين البدير , لأنه وبكل بساطة لن تأتي زوجة فؤاد الفرحان  أو زوجة محمد الطويرقي في يوم من الايام وتخبره بأن اليوم هو يوم عرسها الثاني من رجل آخر , ليس لأنها لا تريد فقط , بل لأنها أيضاً لا تستطيع .

وبالعودة لمقال نادين البدير يتضح ما كتبته أعلاه في مقالها حيث تقول :

أصل الموضوع كان تعنتى وإصرارى على أحادية العلاقات. أصله رغبة جامحة باستفزاز الرجل عبر طلب محاكاته بالشعور بذاك الإحساس الذى ينتابه (وأحسده عليه) وسط أربعة أحضان.. ألم يمتدحه الرجال؟ ألا يتمنونه بالسر وبالعلن؟ لطالما طرحت السؤال حول علة الاحتكار الذكورى لهذا الحق. لكن أحداً لم يتمكن من إقناعى لم: أنا محرومة من تعدد الأزواج؟

فهي تعترف بأن لديها اصرار بل وتعنت على أحادية العلاقات , والذي دعاها لكتابة مقالها هو أنها تريد أن تصنع محاكاة معنوية للرجل , وقد نجحت هي بذلك بدليل أن كل المعترضين على حديثها قد شعروا وتخيلوا لوهلة أن هناك إمراة قد تكون إحدى قريباتهم أو إحدى زوجاتهم تفكر بالطريقة التي فكرت بها نادين البدير , ليس ذلك فقط بل أن هناك الكثيرين ( وأنا منهم ) شعرت فعلاً بفداحة ذلك الشعور الذي تشعر به إن شاركك أحد في شريك حياتك ليس لأن الطرف الثالث يريد المشاركة بل المصيبة لأن شريك حياتك هو من سمح بالمشاركة .

وعلى الرغم من أن نادين البدير فضحت نفسها بالجملة المقتبسة أعلاه , إلا انها استرسلت في استكمال محاكاتها , وعرفت كيف تضرب على وتر  الأنا عند الرجل والذي هو جزء من نسق الفحولة , والذي يستمد قوته دائماً من النسق الثقافي الاجتماعي .
ويكمن قوة التأثير الحقيقي في مقال البدير هو استحضارها لكل المبررات التي يسوقها الرجل لتبرير مكتسب التعدد الذي يملكه وإعادة استخدام ذات الادوات في السماح للمرأة بالتعدد وكأنها تقول بأن المبررات واحدة اذا كنت انت أيها الرجل تريد ان تعدد من اجلها فانها ايضاً ستعطيني ذات الحق في أن اعدد  . حيث تقول البدير في إحدى فقرات مقالها :

كرروا على مسامعى ذات أسطوانة الأسئلة وقدموا ذات الحجج التى يعتقدونها حججاً.

قالوا إنك لن تتمكنى كامرأة من الجمع جسدياً بين عدة رجال، قلت لهم الزوجة التى تخون وبائعة الهوى تفعلان أكثر، بلى أستطيع. قالوا المرأة لا تملك نفساً تؤهلها لأن تعدد. قلت: المرأة تملك شيئاً كبيراً من العاطفة، حرام أن يهدر، تملك قلباً، حرام اقتصاره على واحد. إن كان الرجل لا يكتفى جنسياً بواحدة فالمرأة لا تكتفى عاطفياً برجل.. أما عن النسب فتحليل الحمض النووى DNA سيحل المسألة.

 

أتخيل انا شخصياً بأن البدير تعيش دور الحرب كواقع في قضيتها التي تكتب عنها , فتستخدم اسلحة العدو لمحاربته , ولا انكر ان البدير في الحقيقة تكشف بُعداً آخر من شخصيتها , ذات البُعد الذي يستخدمه الاخرين في محاربتها , وارجوا ان يتسع صدر البدير لما سأقوله فذلك بالأخير هو رأي الشخصي وقرائتي الخاصة لنمط مقالها وخطابها الثقافي , والذي من المفترض ان يتم نقده ثقافياً وهو سبب كل المشاكل التي نعاني منها , حيث ان خطاب البدير الثقافي يجسد الصورة النمطية للمرأة الجنسية في نظرة المجتمع حتى وإن كان ذلك الخطاب ظاهره هو المطالبة بالمساواة بين الجنسين ,

 

فخطابها بالنهاية يجسد في خيالي شخصية المرأة عند نزار قباني , المرأة اللعوب والتي تستمتع بتكوين ذاتها عن طريق الاطراء التي تحب ان تسمعه من الرجل بخصوص مفاتنها , تلك المراة التي تشرب السيجار وتلبس احلى الفساتين , وتستطيع ان تمارس حياتها الشخصية بكل حرية والتي هي صدى لصوت الرجل وليست صوت منفرد عنه ولكنه صوت بشحنة سالبة عن الرجل معاكسة له في الاتجاه ومساوية له في القوة .

وعلى الرغم من المساواة الجنسية لا تعني المساواة الندية بين الانواع الجنسية بقدر ماهي مساواة بين الافراد , فالمساواة الحقوقية في المجتمعات المدنية تعني أن كل فرد في المجتمع سواء كان ذكر أو أنثى له نفس المقدار من الحقوق وعليه نفس القدر من الواجبات وهذا لا يعني ان المرأة لها حقوق بمقدار معين لأن الرجل له نفس المقدار .

 

ولهذا لا يجب ابداً ان تكون هناك علاقة ندية بين الطرفين لأنهم أصلاً ليسوا موجودين لكي يكونوا ضد بعض , وعلمياً الذكر يكون ذكراً لان هرمونات الذكورة اكثر من هرمونات الانوثة لديه , هذا يعني أن الذكر يحمل في داخله جزء من الانثى ,

وكذلك الانثى تحمل في داخلها هرمونات ذكورية ولكن هرموناتها الانثوية تطغى عليها فتصبح انثى . ولذات السبب ينشأ لدينا احياناً نوع ثالث وهو ما يعرف ( الجنس الثالث ) وهو نوع ايضاً موجود في الطبيعة لا يمكننا ان نتجاهله ,  وبالعودة لمقال آخر بعنوان – أرقص لأفكر -  تتحدث فيه البدير عن الرقص الشرقي وتحاول أن تطرح قضية الرقص الشرقي كفن غير مبتذل وكفن روحاني وتصيغه على طريقة حوار بينها وبين شخص اخر تتناسى بأن الرقص الشرقي اذا كان فن روحاني لماذا هو مرتبط دائماً بالانوثة ؟ فنجدها في كل المقال تتكلم على الراقصه فقط ولم تتحدث عن الراقص . مع العلم ان هناك معلمين رقص شرقي من الذكور . ولكنهم يعتبرون شاذين مجتمعياً ولكني لا اعتقد بان البدير تغفل وجودهم . 

httpv://www.youtube.com/watch?v=cr-fAzr_LqQ

وبالعودة للمقال الأصلي للبدير وهو مدار بحثي هذا , نجد ان المقال مكون من اداتين رئيسيتين :

الأولى : هي في طلب البدير ان يقنن أو يمنع التعدد بالنسبة للرجل , حيث تبين فيه ان المرأة تشعر بنفس الشعور الذي يشعر فيه الرجل اذا قام هو بالتعدد , وأن المبررات التي يسوقها يمكن ان تُساق في حالة طلب المرأة  التعدد .

الثانية : الاسلوب الذي تحارب فيه البدير قضية التعدد بطرح المشكلة بشكل معاكس للرجل . وباستخدام الندية التي تحدثنا عنها اعلاه وفي هذه الحالة تؤكد على نسقية الفحولة ولا تحاربها ويزيد من ترسيخ مفهومها وقوتها . وذلك واضح في بداية مقالها حينما كتبت :

ائذنوا لى أن أزف إلى أربعة.. بل إلى خمسة. أو تسعة إن أمكن.

فلتأذنوا لى بمحاكاتكم.

ائذنوا لى أن أختارهم كما يطيب لجموح خيالى الاختيار.

أختارهم مختلفى الأشكال والأحجام. أحدهم ذو لون أشقر وآخر ذو سمرة. بقامة طويلة أو ربما قصيرة. أختارهم متعددى الملل والديانات والأعراق والأوطان. وأعاهدكم أن يسود الوئام.

لن تشتعل حرب أهلية ذكورية، فالموحد امرأة.

اخلقوا لى قانوناً وضعياً أو فسروا آخر سماوياً واصنعوا بنداً جديداً ضمن بنود الفتاوى والنزوات. تلك التى تجمعون عليها فجأة ودون مقدمات.

فهي هنا تضع المرأة كطرف معاكس للرجل وليس كطرف مماثل ومساوي له .

المشكلة ان استخدام هذا الاسلوب في حالة اجتماعية مثل القائمة , لا يخدم فكرة البدير . وإنما يسيء اليها , ويحد من تأثير الفكرة الأصلية للمقال , فعلى الرغم من ان  الأداة الاولى مؤثرة فكرياً , إلا ان طبيعة المتلقي أياً كان يجنح نحو الانتقام ورد الفعل , فيسهل عليه استخدام الاداة الثانية لتهميش الاولى , وهذا باب مريح للهروب من خطر التفكير بأن التعدد يحمل مشكلة متعدية للطرف الاخر .
فهي تظهر البدير وكأنها متمردة على ذاتها الانثوية , وتسعى لمصادمة المجتمع فقط وخصوصاً اذا رأينا ان البدير كما يبدوا من اسرة منفتحة فهي مقدمة برامج وكاتبة في عدة صحف ومتحررة , اي انها لا تعاني من مشكلة تقليدية مثل التي عند معظم المتلقين لكتابها .

ويظهر ذلك من الردود التي كتبت كرد  عليها من مقالات في الصحف والمنتديات والمجموعات البريدية , وللتأكيد على كلامي كتب صديقي فؤاد الفرحان في النوته التي ذكرتها في بداية مقالي التالي :

ما طرحته نادين البدير في مقالها الذي نشر في الصفحة الأولى في جريدة المصري اليوم وقرأه الملايين، حول الاستشهاد بقدرة العاهرة على ممارسة الجنس مع أكثر من تسعة رجال لعدة مرات في نفس اليوم، كدليل على إمكانية نادين البدير الفسيولوجية من الزواج من عدة رجال في نفس الوقت، هو أمر يدخل بلا شك في حريّة الرأي. ولكن من حقي، ومن حق غيري أفراد المجتمع فهم مقالها بالشكل الذي تستطيع عقولنا البسيطة فهمه والرد عليها بالشكل الذي نراه.

يذكر الفرحان المقطع المقتبس اعلاه في السياق الذي يدعوا بأن لا يكون المطالب بالحقوق انانياً , اي ان لا يكون متصادماً مع المجتمع , وهذه نقطة سأعلق عليها لاحقاً ولكني اركز هنا على ان الفرحان استخدم الاداة الثانية في تهميش فكرة البدير , ومحاربتها فهو استخدم الجزء من مقال البدير الذي تقول فيه بما معناه انكم ( أي الرجال المعددين ) اذا قلتم بان المرأة لا تستطيع ان تعاشر الا رجل واحد بسبب طبيعتها الفسيلوجية والنفسية فهذا خاطئ لأن الواقع توجد فيه نساء خائنات وبائعات هوى واستخدمة على اساس ان البدير تستطيع هي شخصياً ان تعاشر اكثر من واحد . وهذا اسلوب يفطن له الفرحان ويتداركه بقولة انه من حقه ان يفهم مقالها بالشكل الذي يستطيع عقله البسيط فهمه .

اي ان عقله البسيط فاهم لعبة البدير ولكنه يريد ان يُلبسها تهمة نابعه من نسقية ثقافية فحولية بحته وهي انها تستطيع ان تعاشر اكثر من شخص اي انها <……> .

الذي سمح للفرحان وكل منتقدين البدير بمهاجمة فكرتها الاصلية , هو الاسلوب الذي كتبت فيه البدير مقالها , فبنفس الطريقه التي حاربت فيه هي المجتمع بادواته , استخدم المجتمع خطابها الظاهري ضدها .

وكل هذا التراشق لا يفيد القضية الأساسية بصراحة وهي مشكلة التعدد .

واعتقد ان الفرحان في مقاله وقع في اكثر من مشكلة لفهم طبيعة الحقوق المدنية , على اعتبار ان الفرحان من خلال متابعتي لمقالاته يدافع عن الحقوق بشكل عام .

ولو ان الفرحان كان يدرك تلك المشكلة لكان اكثر احتواءً لأخطاء البدير وأكثر تفهماً , فقد كتب في مقاله :

لذلك، فإننا عندما نكتب ونتكلم ونطالب بالمزيد من الحريّات والانفتاح، فنحن نطالب بها تحت ثوابت ومرجعية تجمع عليها الأغلبية الساحقة في المجتمع. من السهل جداً الكتابة والحديث والتنظير لحريّات أجزم أنه لا يجمع معي عليها سوى أفراد قليلين في المجتمع.

ويقول :

إذا كنّا صادقين في تمني الخير لمجتمعنا ووطننا ورغبتنا في ارتفاع سقف الحريّات، فعلينا البحث عن الثوابت ومكامن الإتفاق مع الأغلبية الساحقة والتمسك بها حتى ولو كنا نتمنى أكثر من ذلك. السبب في ذلك، أننا لا نعيش في هذا المجتمع لوحدنا، بل نؤمن أن علينا أن نتعايش مع غيرنا، وعلينا أن نتنازل عن بعض آرائنا التي نعتقد أنها ستصادم الأغلبية الساحقة من المجتمع إذا كنا فعلاً نرغب في الرقي جميعاً، والاستفادة جميعاً من ارتفاع سقف الحريّات

يعتقد الفرحان ان مسؤلية الانسان الحقوقي والذي يطمح لمزيد من الحريات المدنية والذي يحارب لرفع سقف الحريات تنبع من بحثه عن المرجعية التي تجمع عليها اغلبية المجتمع الساحقه . وهذا خطأ فادح لأنه لم يوجد ابداً في تاريخ الحركات الحقوقية من ذهب للبحث عن المرجعية التي تجمع الشعب تحتها . وان كانت موجوده فهي حتماً لن تختلف لما يعيش هو فيه , وان الشكل الناتج لا يعدوا كونه صورة من صور المجتمع حتى وان كان يمارس ديكتاتورية فوق المجتمع . فمثلاً كل المجتمعات التي انتشرت فيها الشيوعية انطلقوا من محاربة الديكتاتورية ومن ثم مارسوا هم الديكتاتورية على انفسهم لانهم لم يثوروا حتى وجدوا القاسم المشترك بينهم , فما الفائدة اذا كان القاسم المشترك والثوابت المرجعية ستبقى هي ذاتها حتى بعد التغيير ؟ هل نتوقع بان يكون هناك تغيير جوهري ؟ ام سيكون مجرد تغير الشكل دون المضمون ؟

النقطة الأهم في هذا الحديث هو ان الحقوق التي يراها صديقي فؤاد الفرحان في الغرب ومساحة الحرية التي هي موجوده عندهم . لم تكن في يوم من الايام من ثوابت ومرجعيات تلك المجتمعات , وحقوق الانسان هناك ابداً لم تكن هي نقاط من صميم ثوابت مجتمعاتهم , بل هي نتيجة افراد معدودين وقليلين ومهمشين , حاربوا من اجلها وناضلوا في سبيلها .

ولو كنت انا وصديقي فؤاد وغيرنا سنبحث عن نقاط الالتقاء والمرجعيات التي لا تصادم المجتمع , فاننا لن نتقدم خطوة واحده , كل مافي الامر سنستبدل شكل بائس بشكل أخر بائس مثله .

ولو نظرنا انه عندما مُنع الحجاب في فرنسا , خرجت مظاهرات في امريكا في بعض المدن هناك معترضة على هذا القرار , رغم ان معظم الناس في تلك المظاهرات ليسوا مسلمين ولا لهم علاقه بالحجاب , ويعتبر الحجاب عندهم خارج عن مرجعيتهم الدينية والثقافية , ولكنهم خرجوا لانهم يعلمون ان هناك قيم فردية لا علاقة لها بالمجتمع , عليهم واجب حمايتها والاحتجاج عليها .

وعلى سبيل المثال هناك الكثير من الناس العاديين يخرجون في مظاهرات لدعم حقوق المثليين جنسياً وعلى الرغم انهم ليسوا بمثليين وقد تكون المثلية الجنسية ضد قيمهم واعرافهم وعلى الرغم ان المثليين جنسياً لا يشكلون في احسن الاحوال 5 % من الشعوب الاوروبية فما هو تعليق فؤاد على هذا الامر ؟

- ارجوا ان لا يؤخذ كلامي على اني داعم للمثلية وماهو الا مثال فقط – .

بل ان هناك من الامريكين انفسهم من يعارض الحرب على افغانستان والعراق ويعارض ترحيل امثال ابو حمزة المصري من لندن وعلى الرغم ان مرجعيتهم الثقافية ونقاط الالتقاء مع مجتمعهم ضد شخصيات مثل ابو حمزة المصري وضد طالبان في افغانستان ولكنهم يصرون عن الدفاع عن الحقوق .

بكل بساطة لان الحقوق المدنية اساسها هو الفردية , اي ان لكل فرد المطالبة بحقوقه بالشكل الذي يريده حتى وان تصادم مع المجتمع فبالاخير من الظلم على المجتمع ان يظلم ولو فرد واحد ومن الظلم على الفرد ان لا يدافع عن حقه مقابل انه لا يتعارض مع ثوابت المجتمع او نقاط التقاءة وتجمعه .

لا يوجد حق يتمتع به الانسان اليوم كان في يوم من الايام هو من ثوابت اي مجتمع . ولم ينتظر المناضلون في يوم من الايام لحظات الالتقاء مع بقية الشعب حتى يصلحوا أو يحاولوا تغييره , بل لأنهم دافعوا وناضلوا في سبيل حقوقهم وحرياتهم , وماتوا في سبيل ذلك , ولو كان هذا المناضل اراد يوماً ان يحقق مكسب هو من صميم مرجعيات ذلك المجتمع لما كان ذلك تضحية .
ولك في سيرة الرسول – صلى عليه وسلم – عبرة . فهو لم ينتظر ان يتقاطع مع مجتمع مكه حتى يصلحه وينشر دينه , بل ناضل في سبيل ذلك , وحارب من اجل غايته , وفي النهاية نجح واستطاع ان يحقق ما يريد وما اراد منه ربه .

 

محمد الطويرقي

هل أعجبك المقال ؟ شاركه في الشبكات الاجتماعية :
  • Print
  • email
  • Facebook
  • Twitter
  • Tumblr
  • PDF
  • Digg
  • Sphinn
  • del.icio.us
  • Mixx
  • Google Bookmarks
  • StumbleUpon
  • Yahoo! Bookmarks
  • MySpace
  • blogmarks
  • Fleck
  • Live
  • RSS
Page 1 of 812345...Last »