ترددت كثيراً قبل كتابة هذا الموضوع , فالحديث عن القضية الفلسطينية هو حديث على الرغم من أنه أشبع بحثاً وطرحاً إلا أنه مايزال حديث الساعة , سواء كان ذلك الحديث رصد للأخبار المتلاحقة عنه أو تحليل وتفسير لمخرجات تلك القضية التي منذ بدايات القرن ولم يخفت صوتها أبداً , وأعتقد أنها لن تخفت طالما يتم التعامل معها على شكل سلعة يتم تبادلها في بازارات الشعوب .
إلا أن ما يجعلني اتطرق لهذا المحور الكلاسيكي والممل جداً , ليس لأنه بالنسبة لي يشكل مساحة من اهتماماتي ولكنه وسيلة يتعامل المجتمع معي بها . فمن خلالها يحاول الكثيرين جاهدين بشكل مباشر أو غير مباشر جعلي فرداً من قطيع يتم تحريكة كيفما اراد الرعاة الدينين أو السياسين . وأعتقد أن رعاة القطعان هم أكثر من لا تهمه القضية لجوهرها ولكنها تهمة لتحقيق اهداف هي بعيدة كل البعد عن القضية ذاتها . قد تكون تلك الأهداف في بعض الأحيان شخصية , أو حزبية أو مؤسساتية لا تعنيني أصلاً , ناهيك عن كونها ضد مبادئي الشخصية .
الذي جعلني حقيقة أكتب هذا الموضوع بشكل مباشر هو الأخبار المنشورة في الصحف العربية مؤخراً حول القرار المصري ببناء جدار حديدي على حدودها مع قطاع غزة لمنع التهريب والتسلل من خلال الأنفاق بين غزة والجانب المصري .
حيث أن معظم الصحف العربية ووسائل الإعلام المختلفة في العالم العربي , كانت تنشر الخبر بصياغة إيحائية أن مصر تعمل كحارس حدود لإسرائيل , وكمساعد لها في مواصلة حصار الشعب الفلسطيني المحتجز في غزة . ورغم أن الصياغة للخبر هي صياغة مؤدلجة تماماً لأنها لا تقبل احتمالية أن تكون مصر تريد حماية حدودها أصلاً من المخربين داخل أراضيها, وخصوصاً بعد أزمة خلايا حزب الله اللبناني التي تم القبض عليها داخل الأراضي المصرية والتي كانت تعمل لصالح جهات خارجية وخصوصاً إيران التي توصف علاقتها بالقاهرة بالمتوترة جداً, وهو تبرير حتى وإن كان غير مقبول إلا أنه مطروح للتفكير ويُعتبر بالنهاية تبرير , فمصر لم تبني هذا السياج على الأراضي الفلسطينية , ولم تعتدي على أحد , كل مافي الأمير انها تبني سياج داخل حدودها وعلى اراضي سيادتها القانونية والطبيعية .
إن المتأمل في الوضع الفلسطيني الحالي والحصار الإسرائيلي على غزة تحديداً , يدرك الأزمة العميقة لبنية التفكير العربية , سواء كان ذلك عند الفلسطينين انفسهم أو كان عند بقية العرب المتفرجين من الخارج , وحتى يتمكن المرء من الحكم وتحديد موقفه الخاص من هذه القضية , عليه أولاً أن يرى الصورة بشكلها العمومي الكامل , وأن لا يحاول فهم جانب منها بشكل مجتزء عن بقية الجوانب , أو النظر لها كأحداث منفصلة ومجتزءة من سياقها الكامل .
فالقضايا السياسية لا يمكننا أن نفهمها دون فهم أركانها الأساسية وأبعادها الزمنية وخصوصاً تلك القضايا التي تخرج عن نطاق اهداف السياسة الطبيعية وهي المصالح إلى أبعاد اجتماعية وثقافية ودينية ونفسية , ولهذا علينا أن نفهمها ككتلة واحدة لها بنية متكاملة , نحاول فهمها كما هي , ونكون قد ارتكبنا خطأ فادح إذا حاولنا فهمها بشكل تفكيكي تشريحي كل جانب على حدى , فهنا تصبح أولاً صعبة على الفهم وثانياً تفقد المبررات المنطقية لأحداثها , وهذا ما يجعل الكثيرين يتلاعبون بالقضية ويحولونها إلى سلعة تخدم أهدافهم ومصالحهم الشخصية وتجعل معظم الناس مجرد افراد قطيع يتحركون بواسطة اشخاص معينين أو أصحاب إيدلوجيات معينة .
كذلك هناك أمر هام لابد أن يؤخذ في الاعتبار عند الحديث عن القضية الفلسطينية , وهو أن هناك الجانب العاطفي الذي يركز عليه معظم العرب عند الحديث عن القضية الفلسطينية , والذي يدخل من ضمنه عناصر مثل الدين والقومية وغيرها من العناصر التي يرتكز عليها الجانب العاطفي , وهناك الجانب الواقعي والمادي والذي يتم تجاهلة في الخطاب الشعبي العربي بعكس الخطاب الغربي أو العالمي والذي يجعل الجانب المادي والواقعي هو الأساس في صياغة أي مبادرات يمكن ان تكون حلول للقضية. وهنا نقطة الاختلاف التي دائماً ما تجعل المتلقي العربي يكون في حالة رفض دائم لكل المحاولات الغربية لطرح عملية سلام أو مناقشتها . وهي سبب فشل كل المحاولات العربية في ايجاد حلول عملية وخصوصاً المطروحه من دول الاعتدال التي تكون دائماً حلولها المطروحه في حالة رفض على النطاق الشعبي العربي على الرغم من أنها تحاول التركيز على جوانب واقعية أكثر من كونها معنوية .
كما أن مشكلة الحلول الواقعية العربية هي أنها أولاً غير مقبولة شعبياً مما يؤثر على مصداقيتها أمام المجتمع الغربي وخصوصاً في دول جمهورية مثل مصر وغيرها وثانياً أنها لا تأخذ في الإعتبار البعد الزمني المطروحة فيه , مع أن البعد الزمني هو بعد مهم جداً في تقبل الجانب الاسرائيلي لتلك الحلول , وبعكس الجانب العربي والذي يعتبر فرض هذه الحلول شعبياً أمر أقل صعوبة نسبياً من الجانب الإسرائيلي فهي تعتمد في الأخير على شجاعة الحاكم السياسي العربي في فرض الحل شعبياً لكن في الجانب الإسرائيلي فإن ذلك يعتبر أكثر صعوبة ,لأن الحاكم السياسي هناك هو موظف عند الشعب وصل للحكم عن طريق صندوق الانتخابات ولديه وقت محدد في شغر منصبة الوظيفي ولهذا اليمين المتطرف في اسرائيل يفهم تلك اللعبة جيداً فسارع على اقرار قانون في الكنيست الاسرائيلي ينص على أن أي قرار يخص تفكيك مستوطنات أو تنازل عن أرض يكون محل استفتاء شعبي وليس قرار يمكن أن يتخذه رئيس الحكومة . ذلك يعني أن أي حاكم اسرائيلي قد ينجح في الانتخابات مستقبلاً لا يستطيع التوقيع على اي اتفاقية سلام يمكن من خلالها التنازل عن مساحة من الارض كما فعل ارئيل شارون في آخر ايامه حينما انسحب من غزة وفكك المستوطنات بشكل اجباري .
ولهذا البعد الزمني لطرح أي حلول سلام يعتبر مهم بل يعتبر محوري لابد من أن يأخذه الجانب العربي بعين الاعتبار . ففي السابق مثلاً وأعني قبيل حرب 67 التي انهزمت فيها الجيوش العربية كان التفكير بمجرد عمل سلام مع اسرائيل على أي شبر من الأرض العربية يعتبر خيانة وطنية كبيرة , وذلك لأن الشعوب العربية بما فيها السياسيين كانوا غير مستعدين أصلاً بالإعتراف بحق اسرائيل في الوجود من حيث المبدأ , كما أنهم كانوا على ثقة كبيرة بأن المعركة ستكون من صالحهم , غير ملتفتين أصلاً للواقع ولموازين القوى التي كانوا يجهلونها في وقتهم , وكانت أهدافهم طموحة أكثر من اللازم , ولكن بعد الحرب أو كما يسمونها النكسة , أستغرق الأمر مابين الست سنوات إلى السبع سنوات أي حتى حرب العبور في عام 73 لإستيعاب أن إسرائيل أصبحت واقع وتمتلك القوة الكافية لردع كل دول المنطقة إذا ماكان هناك تهديد لوجودها , وعلى الرغم من أن اسرائيل دولة معترف بها دولياً وعضوا في الأمم المتحدة منذ عام 48 إلا أن أول خطوة قامت بفعل إيجابي واقعي من السياسيين هي عملية السلام بين مصر واسرائيل بعد حرب العبور وهي ما يعرف باتفاقية كامب ديفد التي ابرمها الرئيس المصري السادات مع الجانب الاسرائيلي . طبعاً تلى ذلك الاتفاق قطيعة مصر مع بقية دول الجامعة العربية وعلقت عضوية مصر عشر سنوات تقريباً في الجامعة العربية ,
لأن السادات حتى وإن كان متأخراً في عقد تلك الاتفاقية إلا أنها تعتبر خطوة جريئة وبراغماتية جداً , لقد ادرك السادات حينها بأن الانتصار الذي حققه في 73 كان مجرد انتصار معنوي أكثر من كونه انتصار فعلي , فعبور جدار برليف لم يكن يعني تحرير سيناء من قبضة الاسرائيلين وان اسرائيل كانت تريد وقت اطول حتى تبني مستوطنات جديدة في سيناء لتكون ورقة ضغط إضافية على مصر في المستقبل إذا كان هناك محاولة لعمل سلام أو طرح حلول , هذا ناهيك على أن العرب قد اعتبروا حرب الـ 73 انتصار ( مثل اعتبارهم حرب تموز بين حزب الله واسرائيل انتصار ) لأن الجيش المصري تخطى جدار برليف ودخل 20 كيلو متر شرق قناة السويس ولأن الجيش السوري دخل في عمق الجولان وهذا كان في بداية الحرب أما في نهايتها فإن الجيش الاسرائيلي عبر للجانب الغربي من قناة السويس والتف على الجيش المصري وقام بطرد الجيش السوري من هضبة الجولان , هذا ما جعل السادات يدرك حقيقة أن الانتصار المزعوم لم يكن انتصار فعلي على أرض الواقع وإنما كان مجرد انتصار معنوي .
ولهذا سارع السادات بكل جراءة وشجاعة لعقد اتفاقية كامب ديفد واسترد من خلالها سيادة بلادة على أرض سيناء كاملة والسماح للسفن التجارية بالعبور من قناة السويس واسترد جزء مهم من إحدى دعائم اقتصاده الوطني , في المقابل واجه السادات حرب شرسة من قادة الدول العربية الأخرى وتم تخوينه علانية في الخطابات الشعبية وعلى وسائل الإعلام العربية وخصوصاً السورية لأنه عقد الاتفاقية مع الاسرائيلين ولم تشمل اتفاقيته ولا حتى في مراحل مفاوضاته بقية القضايا العربية الأخرى , فهو بالنهاية أراد تحقيق مكاسب وطنية تخص مصر وحدها لا بقية العرب .
لقد تعلم السادات من حروب أعوام 48 و 56 و 67 وبقية المناوشات العربية التي دارت مع الاسرائيلين أن وجود أكثر من طرف عربي في الصراع لا ينبغي أن يكون طرف في عمل اي اتفاق , لأن السياسة لابد وأن تكون قائمة على المصالح وليست على الشعارات , ولأن بقية الاطراف العربية أصلاً تقتات على الشعارات وتغيب عنها النظرة الواقعية للأمور فإنها بطيبعة الحال ستكون معرقلة لأي مكاسب مادية حقيقية لأنه ببساطة هناك لغتين مختلفتين بين طرفي الصراع , فالعرب خطابتهم عاطفية غير واقعية وبسببها يخسرون كل شيء وأي شيء والاسرائيلين براغماتيين وواقعين ولهذا فهم يكسبون من أي شيء كل شيء .
*******
إن الواقع الفلسطيني في غزة هذه الأيام هو واقع صعب جداً حقيقة على كل الجوانب وخصوصاً الجوانب الانسانية . فالحصار الذي تفرضة إسرائيل على القطاع يمنع دخول المساعدات الإنسانية والاحتياجات الأساسية الطبيعية , عوضاً عن الكماليات التي تحتاجها الأسرة .
إن هذا النوع من الحصار في الحقيقة هو مرحلة متقدمة من تأزم الصراع العربي الإسرائيلي , مع العلم أنه كانت هناك مراحل سابقة لهذا الوضع كانت كفيلة بتحسين الأوضاع وانفراج الأزمة وحلول سلام كانت قريبة من التحقق لولا حدوث موجات سياسية معينة وشعبية أدت إلى تراجع وتقهقر مسار التقدم المفروض والعودة للمربع الأول , ولهذا أرى أنه من الأولى عند الحديث عن الحصار على قطاع غزة هو معرفة الدوافع الذي أدت لهذا الحصار , ليسهل علينا حينها الحكم على الأمور بمنظور لا أدعي أنه حكم موضوعي ولكنه على الأقل أقرب للموضوعية ,
إن الحصار على غزة أتى بعد ما يسمى الحسم العسكري لحماس على غزة ف
ي عام 2007 وبعد المناوشات التي حدثت بين حركتي فتح وحماس انفصلت حماس عن السلطة الفلسطينية واعلنت حكمها على القطاع , هنا دخلت اسرائيل على الخط وقامت بفرض الحصار على القطاع , ولأن حماس أصلاً مصنفة دولياً على أنها منظمة إرهابية , وقانوناً فإنه لا يمكن للحكومات الأجنبية بمساعدة الحكومة إذا ماكانت تلك الحكومة مشكلة من قبل منظمة مدرجة على لائحة الإرهاب العالمي . فإن حماس بوصولها للحكم عن طريق الانتخابات فإنها حرمت الشعب الفلسطيني من المساعدات الأجنبية وخصوصاً المساعدات التي تمنحها الدول الاسكندنافية والتي هي من أكبر الداعمين للفلسطينين , ولأن أصلاً الشعب الفلسطيني يعيش على المساعدات الدولية فإن الوضع أثناء حكومة حماس كان مأساوي حقيقي , ومن الطريف التنوية إلى تناقض غريب تقع فيه حماس بحيث أنها لا تعترف باتفاق أوسلو الذي افرز الانتخابات الفلسطينية التي اوصلت حماس للحكم , فهي تناقض شرعيتها بنفسها فكيف تحتج بشرعيتها الديمقراطية في الوقت الذي لا تعترف بالاتفاق الذي افرز تلك الشرعية ؟! .
إن وصول حماس للحكم عن طريق الانتخابات هو في الحقيقة وصول ديمقراطي سليم لا غبار عليه , لكن معظم الغاضبين الآن من المجتمع الغربي في حصارة لحكومة حماس على الرغم من أنها وصلت بشكل ديمقراطي , يتناسون أن الديمقراطية هي مسؤولية قبل أن تكون حرية , بمعنى أن الناخب الفلسطيني قبل أن يمارس حريته الديمقراطية الطبيعية والتي هي حق من حقوقه الإنسانية فإن عليه أن يعلم أن من سيرشحه سيكون ممثل له ليس فقط داخلياً ولكن حتى خارجياً , وطالما أن الناخب الفلسطيني حياته معتمدة اعتماد كامل على المساعدات الأجنبية فإنه ليس من المعقول أبداً لو ذهب لترشيح حزب سياسي سيمنع الآخرين من مساعدته , إن انتخاب الشعب الفلسطيني لحماس هو في الحقيقة إعلان حرب مع إسرائيل أولاً ومع الغرب ثانياً .
إن الواقعية مهمة أصلاً في التعامل مع صندوق الانتخاب , ولا معنى أبداً أن يلوم الناخب الآخرين إذا كان تمثيله الشعبي رافض لهم, حتى وإن كانوا معتدين عليه , وعلى سبيل المثال لو اختار الشعب الألماني حزب نازي لحكمه فإنه بهذا الاختيار فإنه يعلن الحرب ببساطة .
أنا هنا لا أنزه اسرائيل عن الجرائم التي ترتكبها كل يوم ضد "المدنيين" الفلسطينين ولكن الحياة الواقعية تقول بأن الصراع هو عبارة عن اقتناص فرص , فلماذا اعطاء العدو فرصة لتبرير جرائمه ؟
هناك شريحة كبيرة من العرب والمسلمين فرحوا بهجمات 11 سبتمبر على الولايات المتحدة الأمريكية وفي نفس الوقت غضبوا من هجمات الولايات المتحدة الامريكية على افغانستان والعراق , وفي الحقيقة أنهم لا يحاولون الوقوف على التناقض الذي يقعون فيه دوماً وهذا كله نتيجة العاطفة التي تتحكم دائماً في قراراتهم المصيرية .
قد يقول قائل ولكن هجمات نيويورك كانت جزء من الرد على الدعم الامريكي لاسرائيل , وهنا أقول حتى ولو كانت تلك الهجمة جزء من الصراع ولكن المسلمين الآن في موقف الضعيف وليس في موقف الند للغرب أو الولايات المتحدة الأمريكية , أما إذا اختار المسلم أو العربي أن يكون في موقف الضد فعليه تحمل تبعات ذلك الموقف لا أن يتباكى على ما يحدث .
على نفس المنطق فإنه ليس من المعقول أن تنفصل حماس بقطاع غزة عن السلطة الفلسطينية وتحكمها بشكل مستقل ومن ثم تطالب اسرائيل بعدم الحصار أو تطالب الدول الغربية بدعمها أو مساعدتها , لأنه حتى وإن كان لدى اسرائيل أي تردد في ارتكاب أي جريمة ضد الشعب الفلسطيني كون أن السلطة الفلسطينية وحركة فتح جزء من الشعب الفلسطيني وهي غير ارهابية في نظر الغرب فإن حماس في حكمها على قطاع غزة وانفصالها عن حركة فتح فكأنها تقول لاسرائيل لا تترددين في ارتكاب جرائم ضدي لأني هنا أقف لوحدي والسبب الذي يجعلكِ مترددة قد انتفى .
وبدل أن تعمل حماس على التهدئة مع اسرائيل ومحاولة فك الحصار عن القطاع بطرق سلمية كونها الطرف الأضعف فإنها عملت على فك الحصار عن طريق اطلاق الصواريخ من غزة على اسرائيل , في عملية غريبة وفي الوقت الذي تحاول فيه السلطة الفلسطينية استكمال عملية السلام والمباحثات حوله , فإن حماس عملت على افساد ذلك الأمر عن طريق اطلاق الصواريخ فأعطت الفرصة والمبرر لاسرائيل لتنفيذ تهديداتها باسكات الصواريخ فما كان إلا المجزرة التي حدثت في القطاع في عام 2008 والتي اسفرت عن سقوط آلاف القتلى والجرحى والذي بدوره أعتبر أنه انتصار لأنه كان بلغة العرب صمود ! , هل كان مثلاً سيكون غير ذلك ؟
ومازال الحصار مستمراً وبعد كل هذه الأحداث تصر حماس على مواصلة حكمها للقطاع واستمرار حصار اسرائيل للقطاع حتى تنهك حماس لأكبر وقت ممكن , الغريب أن حماس وكل العرب سابقاً يتناسون عنصر الوقت الذي لم يكن في صالحهم منذ 48 وحتى اللحظة , فإنه سلاح بيد اسرائيل لكسب المزيد من الأراضي لبناء المستوطنات والمزيد من أوراق الضغط التي تمارسها على المجتمع الدولي وعلى العرب .
*******
في بداية التسعينات من القرن الماضي عقد الرئيس الراحل ياسر عرفات اتفاقية أوسلو للسلام في واشنطن , وكانت تلك خطوة متقدمة جداً في سبيل إيجاد حل نهائي وجذري للقضية الفلسطينية لولا تعنت الجانب الاسرائيلي بعد ذلك في اتفاقية كامب ديفد2000 , والتي كان محورها الأساسي قضية القدس الشرقية كعاصمة للدولة الفلسطينية . قبل التطرق لها أحب أن أوضح بأن اتفاقية أوسلو كانت اتفاقية تحوي الكثير من المكاسب للدولة الفلسطينية , إن بنود الإتفاقية كانت فعلاً حقيقية وتحمل إيجابيات كثيرة كان يمكن استثمارها لولاً ان كامب ديفد2000 كانت تحتاج لحاكم اسرائيلي قوي مثل اسحق رابين والذي دفع ثمنها حياته من قبل المتطرفين الصهاينة إنجاحها , , لكانت القضية الفلسطينية الآن أصبحت من قضايا التاريخ , لأنه بعد اتفاقية أوسلو التي ضمنت بأن اسرائيل والمجتمع الدولي سيعمل على بناء دولة فلسطينية ومساعدتهم على تكوين مجتمعهم المدني ومؤسساتهم الحكومية من برلمان ومجلس وزراء وشرطة قوية وبنية تحتية وخدمات كاملة وميناء ومطارات ومراكز تجارة حرة والكثير من المكاسب الواعدة حدثت قمة كامب ديفد2000 والتي رفض التوقيع عليها الراحل ياسر عرفات وكان مت تبعاتها هو اعتقاله في منزلة وعدم السماح له بالخروج مما تلى ذلك انفجار للانتفاضة الثانية التي عملت على إيقاف كل شيء .
فبعد عام 93 وبعد توقيع اتفاقية اوسلوا بدأت منظمة التحرير الفلسطينية بعمل انتخابات حرة ونزيهة وبإشراف دولي والتي فاز فيها الراحل عرفات , وبدأت الشركات الأوروبية والأمريكية بالدخول لفلسطين وعمل الخدمات اللازمة والبنية التحتية , فمطار غزة على سبيل المثال بنته ايطاليا على نفقتها الخاصة , والنرويج عملت على مد الطرقات وكان المهندسين النرويجين يعملون في الطرقات الفلسطينية لعمل شبكة الطرق , والدنمارك والسويد عملواعلى بناء المدارس والمستشفيات وغيرها من الخدمات , وكان الشعب الفلسطيني يرى ذلك كواقع خلال يومه الذي يعيشه , بل حتى اليابان ساعدت في بناء بعض الجامعات وغيرها بتمويل مباشر من حكومة اليابان , كبرامج انسانية .
وبطبيعة الحال كعادة العرب فإنه بعد اتفاقية اوسلو فإن ياسر عرفات أصبح في نظر الشعب العربي مجرد عميل وخائن لأنه قبل بالاتفاقية وحاول الدخول في حل منطقي للقضية وتأسيس دولته وكسب الوقت بدل الضياع الحاصل لكل مكتسباته التي كان سيحصل عليها , وقد شنت وسائل الإعلام العربية عامة والسورية خاصة كعادتها حرب شعواء لتشويه صورة ياسر عرفات ووصمه بالخيانة وغيرها , ولم تقف تلك الحملة حتى فشلت المفاوضات في كامب ديفد2000 واعتقال ياسر عرفات في منزله وضاعت أهم مكتسبات أوسلو , هنا فقط أصبح عرفات مناضل وتوقفت تلك الهجمة التي لا يمكن وصفها سوى بأنها غوغائية .
في النهاية إن موقفي من الحصار على غزة لا يمكن أن يكون خارج هذا السياق وماهو إلا تعبير عن قراءتي للقضية الفلسطينية "الدوشة" , صحيح أنا ضد حصار الجميع وعقاب الجميع ولكني أيضاً لا أحمل اسرائيل كامل المسؤولية عن ما يحدث في غزة , ولكن حماس تشترك مع اسرائيل في ذلك كونها رضت بأن تتخلى كحركة مقاومة عن المقاومة المسلحة وقبولها الانخراط في العملية السياسية وهي تعلم علم اليقين ما يترتب على ذلك الأمر من مخاطر تقع على كامل الشعب الفلسطيني .
كما أن موقفي من حماس هو موقف جوهر لا موقف شكل أو أسلوب , فحماس هي جزء من ايدلوجيا تقول بأن حياة الإنسان ماهي الا مجرد عبور لحياة الآخرة , وأن الأصل هو حياة الآخرة , وأن الجهاد هو لغة الحوار مع المعتدي حتى وإن كان الواقع ليس في صالح المعتدى عليه ,
وكون أصلاً ايدلوجية حماس هي إيلوجيا مثالية تفترض أن المكاسب المعنوية أهم من المادية , وإن كرامة الإنسان في موته لا في حياته ووطنه ودولته وحريته , فإن موقفي مبرر .
اتذكر مقولة لا أعرف نصها ولكن معناها يقول : أننا نقاتل لنموت وأنتم تقاتلون لتحيون , وهي شعار يقال في الخطابات الجماهيرية المحمسة , هذه المقولة تعبر بعمق على أن العقلية العربية أصلاً تتحدث بلغة لا يفهمها بقية العالم , فالعبارة بالنسبة لي مسيئة لقائلها لا لمن تقال له . لأنني أؤمن بان الله خلقنا لإعمار الأرض والعيش عليها , وخلق الأرض لنا لكي نحيا عليها لا لكي نموت من أجلها , فهي مسخرة لنا ولسنا مسخرين لها .
وفي السيرة النبوية الطاهرة تعلمنا من خاتم الأنبياء والمرسلين بأن الاتفاق مع العدو وعقد الصلح هو من صميم ديننا الذي نزل لينقذنا من النار ويهيء لنا حياة كريمة على الأرض , فحينما كان المسلمون في عهده صلى الله عليه وسلم في حالة ضعف لم يكن ليغامر بحياتهم ويحارب لخسارة مكتسباته , فقد صلى الله عليه وسلم مدرسة في الواقعية لا الخيالية , فهو قد بقي مع كفار قريش 13 سنة لم يحاربهم ولم يجاهدهم بالسلاح , لأنه كان هدفه صلى الله عليه وسلم الحفاظ على ارواح أصحابه رضي الله عنهم وتحقيق غاية ربه من بعثه وهو تبليغ دعوته المباركة .
محمد الطويرقي
——————
نص اتفاقية أوسلو
هل أعجبك المقال ؟ شاركه في الشبكات الاجتماعية :