أود في البدء ان اعتذر من كل المتابعين للمدونة عن الانقطاع الطويل خلال الفترة الماضية . واشكر كل من راسلني على الايميل متسائل عن سبب انقطاعي .. خصوصاً من بعض الاصدقاء الذين لم اكن اتوقع انهم يتابعون ما اكتب . على كل حال لست هنا في مقام يسمح بالاعتذار عن الغياب ولكن ارجوا ان يتسع صدر القارئ لاسبابي التي قد لا تقنعه ولكنها كانت هي سبب الانقطاع . خلال هذه الفترة كنت منشغل في ترتيب وضع سفري لتكملة الدراسه في الخارج , وقد حدث ما كنت اريده . كما أن الجميل في عالم التدوين أن الشخص غير مرتبط بفترة معينة للكتابة . ولهذا ما اكتبه في التدوينة هي الفكرة التي تريد الخروج وقتها, لست مضطر أن اكتب اذا لم تكن الحالة المزاجية مناسبه للكتابة , ولا استطيع كتابة شيء دون ان يكون هناك دافع داخلي للكتابة . كما أن الشخص المتابع للمدونات لا يريد ان يقرأ أي شيء لأنه يقرأ مدونة وليس مقال صحيفة بحيث يكون الكاتب مجبور ان يملأ العامود المخصص له , سواءاً كانت لديه فكرة أو لا .
عند الشعراء تسمى هذه الحالة “القريحة” , وهي كذلك عند أي شخص يكتب فكر أو رأي .
على كل حال هذا هو سبب انقطاعي عن الكتابة .
————————————-
اكتب هذه التدوينة الان من العاصمة الكندية اوتاواه , المدينة التي اخترتها لدراسة اللغة الانجليزية قبل بدأ برنامج الماجستير . كان وصولي يوم ١٤ أُكتوبر أي تقريباً قبل شهر ونصف من الآن .
سكنت مع عائلة كندية مؤقته لمدة اسبوعين , رشحتها لي منسقة السكن في الجامعه حتى تجد لي عائلة دائمة .
العائلة الأولى عبارة عن أمرأة عمرها ٦٩ سنة إسمها باربارا BarBara تحب اناديها بارب Barb, تسكن في شقة مكونة من غرفتين مع كلبها الصغير .

كان أول لقاء معها هو اثناء وجودي في الكلية اتصلت علي منسقة العوائل وقالت بارب ستتصل عليك الآن وعليكم بالاتفاق عن بقية الأمور . وفعلاً بعد خمس دقائق اتصلت علي وعرفتني بنفسها وقالت انا الان ذاهبة لحديقة الكلاب أريد أن أمشي مع “داندي” لا تخف هو كلب صغير ومؤدب ! طبعاً بالنسبة لي كانت فرصة لتعويد نفسي على عالم الكلاب وبنفس الوقت كانت مغامرة . وفعلاَ ذهبت معها لحديقة الكلاب وداندي مشي واخذ راحته .

العجيب في الامر ان كل الكلاب حينما تلتقي ببعضها تبادر لشم بعضها البعض في اماكن حساسة . لاحظت بارب باني مستغرب من الموضوع , قالت الكلاب تعرف عن نفسها عن طريق رائحتها . طبعاً قالت لي اثناء المشي بأنها تريد معرفة ماهية الأشياء التي افضلها في الاكل وبعض التفاصيل الدقيقة التي تستطتيع توفيرها لي , استغربت بأني مرن في امور كثيرة , ثم أكدت لها بأني اريد ان اعيش تجربة مختلفة تماماً بكل تفاصيلها .
رأيت ابتسامة على وجهها وقالت جيد جداً
—————————
طبعاً اخذتني للفندق بعد رحلة الاخ داندي لكي اجمع حقائبي ونذهب للبيت .. حقيقة كنت متخوف عن مدى مرونتها في العيش . لكن ما لاحظته هو أن بارب شخصية مختلفة جداً خصوصاً عن الذين في عمرها . قد لا اكون مبالغاً اذا قلت بأن عمرها ٦٩ سنه لكن روحها لا تتجاوز ٣٥ سنة .
عرفت لاحقاً بأن لديها ابن وبنت ولكن ماتوا على فترات مختلفة ابنتها ماتت قبل سنة من الآن . وابنها مات في السبعينات الميلادية , ولديها حفيدة اسمها جنيفر متزوجه وعمرها ٢٨ سنة من شخص اسمه اليكس عمره ٣٠ سنة .
دخلت شقتها كانت جداً جداً نظيفة وأنيقه , لكن ديكوراتها تعود للسبعينات , بالضبط لحظتها شعرت أني اعيش في فلم من أفلام السبعينات . قالت لي هذي غرفتك فيها كمبيوتر لي استخدمه فقط حينما تذهب انت للمدرسة وللأسف ما عندي وايرليس لكن تقدر تستخدم الكيبل الموصول في الجهاز .
قلت لها ليه ما يكون عندك واير ليس حتى يكون سهل لك في حالة أن يكون هناك طالب لديه جهاز كمبيوتر ؟ قالت الواير ليس مكلف جداً ! ؟
انا لم استوعب الفكرة كيف يكون الوايرليس غالي جداً ؟ وهي أصلاً عندها انترنت ؟
ثاني يوم قمت بشراء جهاز وايرليس من قسم الالكترونيات في الجامعة , وضعته في شقتها وقلت هذا هدية , قالت هذا كثير يا محمد انت لست بحاجة لشراء هدية لي ! . قلت هذه هدية ليست لك ولكن للطلاب الذين سيأتون بعدي !
شكرتني بشدة ثم قالت ولكن كيف سيكون وضع الفواتير الان ؟ ! قلت ما دخل الوايرليس بالفواتير ؟ قالت اليس ضروري ان يكون عليه فاتورة شهرية ؟ قلت لا هذا مجرد جهاز يوزع الانترنت في البيت .
ذهبت في تلك الليله تكلم حفيدتها جينفر وتخبرها بأني اشتريت وايرليس لها وتقول لها : الان شقتي فيها وايرليس !
وتخيلي ان الطالب السعودي اشتراه لي .
هي لم تكن تعلم بأن الوايرليس ليس له علاقه باشتراك النت , طبعاً بحكم السن لكن ما فهمته انها تستخدم الانترنت لقراءة ايميلها وتسديد الفواتير الدورية فقط .
قلت في عقلي كفاية , من هو في عمرك في السعودية لا يعرف كيف يستخدم مكينة الحلاقه وليس قراءاة ايميلات وتسديد فواتير اون لاين ! .
-————————–
مع بارب عشت مغامرة حقيقية خلال اسبوعين , اختصرت علي فترة طويلة لمعرفة معلومات اساسية في المدينة , كل يوم كانت تصنع شي جديد , اخذتني اشتري جكيت لاني كنت متجمد خلال الايام الأولى , طبعاً عملت بحث سألت أليكس عن أفضل الأماكن لشراء جكيت , وسألت جنيفر عن أفضل الأماكن لشراء بوت ثلجي , واخذتني للتسوق , اكتشفت انها تريد ان اشتري مشتروات بجودة عالية وبأسعار مخفضة , كانت بارب لديها بطاقات تخفيض تقريباً في كل محلات اوتواه , كانت تعطيني في بعض الاحيان بطاقاتها الائتمانية اشتري فيها واحصل على التخفيض وادفعلها كاش .
اخذتني في جولة على المدينة , كانت تقف عند كل الاماكن المهمة وتعطيني نبذه عن كل مكان , في احدى الجولات قالت لي هذه المحكمة العلياً في كندا , هي أعلى هيئة قضائية في البلد , قلت ايواه هذي المحكمة العلياً رئيس المحكمة امرأة عضو في المجلس الملكي , واعتقد ان فيها تسعة قضاة , قالت لا اعرف كم قاضي فيها حقيقة , في الواقع ان ويكيبيديا ساعدني كثير لمعرفة المعلومات العامة عن كندا عن نظامها السياسي والاحزاب الرئيسية والحكومة الحالية , واسماء بعض المسؤولين في البلد , كنت خلال جولاتي مع بارب اسرد لها بعض المعلومات التي اقرأها لأربطها بالمعلومات التي تقولها , تفاجأت هي من المعلومات التي اعرفها , قلت لها قراءة الموسوعات على الانترنت تساعد !
في احدى الايام تناقشت مع بارب في بعض الامور السياسية والدينية , عرفت انها مسيحية الأصل ولكنها ملحدة حالياً , هي تركت الكنيسة منذ ان كان عمرها ١٦ سنة , وتزوجت كاثوليكي هو ايضاً غير متدين ثم تطلقت منه .
بعدها قرأت عن التطور واصبحت تميل لنظرية التطور , ثم قرأت في فلسفة الأخلاق واصبحت تعتقد أن لا معنى للأخلاق في وجود خالق , حيث انها قالت بأن التصرف الاخلاقي لابد وان يكون نابع من ذات الشخص , ولا معنى للأخلاق اذا كان الفعل الذي تقوم به من أجل مكسب اخروي أو دنيوي , وتؤكد دائماً في حديثها أن الضمير الإنساني يجب أن يكون اكثر تطوراً من خلال الوعي المتكون حضارياً , وهي تعتقد بأن الضمير لابد وأن يكون مستقل عن أي توجه فلسفي أو ديني . !
في الحقيقة أن اثناء نقاشاتي مع بارب كنت مندهش جداً بأن شخص في عمرها لديه هذا المستوى المعرفي , لا أقول ان بارب فيلسوفه ولكن هي انسانة عادية كانت تعمل مديرة حسابات في شركة ومتقاعدة منذ اربع سنوات .
في ليلى اخرى قلت لها بارب انتي تنتمين لأي حزب ؟ قالت انا عضو في الحزب المحافظ ؟ قلت لها ليه ؟
قالت لاني اجد سياساته الاقتصادية جيدة جداً وأنا ادعم الحرية الاقتصادية بشكلها الكامل !
قلت لها ولكن انتي مؤمنة بالتطور ومؤمنة بأن الأخلاق منفصلة عن الدين ونابعة من الضمير المستقل للإنسان , الا يتعارض هذا مع افكار الحزب المحافظ ؟
قالت قد يتعارض ولكن في الاخر هذه الامور لا تؤثر على حياتي باي شكل من الاشكال , انا سأختار وأرشح الحزب الذي اراه يقدم برنامج انتخابي جيد , القانون في كندا يكفل لك جميع انواع الاعتقادات فلا داعي ان انتمي لحزب لا تعجبني سياساته الاقتصادية من أجل فقط الانتماء الفكري أو الفلسفي !!
قلت لها ولكن اعضاء الحزب الا يطرحون برنامج اقتصادي يتوافق مع منظومتهم الفكرية والفلسفية ؟
قالت لا .لأن المبادئ الأساسية للإقتصاد متشابه بين الحزبين الرئيسيين في كندا , الاختلاف هو في كيف يكون تطبيق هذه المبادئ الأساسية , هنا قد تكون انت محافظ ولكن قد ترشح الليبرالين في دورة انتخابية معينة , قلت لها اذا لابد ان تكوني تتبعين الحزب الليبرالي , واذا لم يعجبكي برنامجه الانتخابي رشحي المحافظين , ولكن ان تكون عضويتك الاساسية في حزب ينسجم مع افكارك الفلسفية على الاقل .
قالت كلامك صحيح … بس ترا اغلب مرشحين الليبراليين اكاديمين زيادة عن اللزوم وهم غير جذابين بالنسبة لي ؟ !!!
هنا ضحكت على تبريرها الاخير , انتهى النقاش ودخلت غرفتي , سمعتها تتكلم مع حفيدتها عن الموضوع , وتشرحلها وجهة نظري , انتهت المكالمة ثم اتت لغرفتي وقالت جينفر واليكس يريدون التعرف عليك , هل هذا ممكن ؟ قلت اكيد ممكن , قالت انا كنت اكلم جينفر وشرحتلها وجهة نظرك وتشوقت لمعرفتك !
قلت حتى انا مشتاق لمعرفتهم .
في الواقع ما جعلني اتحمس للتعرف على جينفر واليكس هو أن بارب كانت دائمة الحديث عنهم , وتتكلم عنهم بنوع من الافتخار دائماً , عرفت منها ان جينفر واليكس هم شخصيات متعلمة جداً , الاثنين يعملون في مجال السياسة والاثنين هم اعضاء للحزب المحافظ الكندي .
شرحتلي بارب ان اليكس ينتمي لاسرة تكنوقراطية وبرجوازية ايضاً , ابوه دكتور في القانون كان مستشار قانوني لاحدى الحكومات المحاظفة السابقة ومتقاعد الان ويعيش في فانكوفر , وامه رئيسة مكتبة جامعة بريتيش كولمبيا وايضاً هي دكتورة في تخصص المكتبات العامة , طبعاً اسرة ثرية جداً . تخيل محامي يعمل لصالح حكومة ! في امريكا الشمالية مهنة المحاماه مهنة دخلها عالي جداً !
وفعلاً في نهاية الاسبوع قدم اليكس وجينفر للبيت , وكان مع جينفر ادوات مطبخ كانت مستعيرتها من بارب , حينها قالت بارب ليتك يامحمد اتيت من زمان عشان ترجعلي ادواتي !
اليكس وجينفر كانوا فعلاً ازواج سياسيين , مثل ما تخيلتهم تماماً يرتدون ملابس انيقه جداً جداً جداً , الملفت في الموضوع ان ملابسهم كانت ماركات عالمية لكن بدون أي مظهر باذخ مثل السعوديين البرجوازيين .
اليكس مسؤول عن لوبي ضغط في الحزب المحافظ , يضغط على الحكومة المحافظة في تقليل نسب الضرائب للشركات الصغيرة .
جينفر تعمل في المكتب الإعلامي للحزب المحافظ في وظيفة لا أذكرها بالضبط ماهي .
جلسوا يتحدثون ويسألون عن اخبار بارب وسألوني بعض الاسئلة الاعتيادية كيف وجدت كندا , وهل انت مرتاح هنا , وكيف تأقلمك مع الثقافة الجديدة , وعبرولي عن تفهم لمدى الصعوبة في التأقلم مع حياة غربية جديدة مختلفة كلياً عن ثقافتي الأصلية .
اجابتي لهم كانت غير متوقعه , لاني قلت بأن الثقافة الغربية سهلة التعامل ولا تحتاج لاي مشكلة طالما الانسان مستعد لتقبل حياة جديدة ومتفهم لها , وقلت لهم في الواقع انا مغرم بالحياة الغربية لأن حتى لو كانت هناك صعوبات في بعض التفاصيل الا انها بالمجمل هي تعكس عن افكار قيمية عالية مثل حرية التعبير والديمقراطية وحقوق الانسان .
والأهم الفردية المقدسة وهي أمر نحتاجه جداً قد لا تشعرون أنتم بأهميته لأنكم لا تعرفون غيره ولم تجربوا غيره , ولكن بالنسبة لي هذا شيء رائع جداً , والأجمل في كندا بأن الفردية مقدسة وفي نفس الوقت هناك دعم للمجتمع المدني من خلال الفردية , يكفي ان الرعايا الصحية في كندا عالية ومجانية لجميع المواطنين , هنا استطيع أن أقول بأن الفردية تعمل في نطاقها الصحيح , وامريكا خير دليل على ذلك , فردية عالية ولكن تطغى في جانب على النواحي الاجتماعية .
عند هذه النقطة بدأت مرحلة مختلفة كلياً في النقاش , حيث بدأوا في شرح سياسات الحزب المحافظ , والنواحي الاقتصادية , ثم قالوا أكثر من ٩٠٪ من المحافظين في كندا هم محافظين اقتصاديين فقط , ليسوا محافظين اجتماعياً , جينفر تتكلم عن اليكس تقول بأنها هي واليكس ليبراليين اجتماعياً , هم مع حقوق المثليين جنسياً , ومع نظرية التطور , ويدعمون بحوث الخلايا الجذعية . ثم قال أليكس : الناس من خارج كندا يعتقدون بأن محافظين كنداً هم امتداد في كل شيء للجمهوريين في امريكا , وهذا خطأ في كثير من الجوانب .
طبعاً انا لم اكن اعرف كل هذه التفاصيل ولم اكن اعرف بأن الاحزاب السياسية في بلد ديمقراطي من بلدان العالم الأول تتحرك على مستويات مختلفة وأن هناك اختلافات كبيرة بين النظريات والتطبيق الواقعي . كنت اعتقد بأن الصراع هو صراع مبادئ كما نعيشه نحن في العالم العربي , هم تجاوزا فكرة صراع المبادئ وتجاوزا جوانب كثيرة جداً حتى في النواحي التطبيقية , صراعهم هو على تفاصيل مختلفة تماماً عن ما نعرفه نحن عن صراعات التيارات في الشرق الاوسط . نحن لدينا كل طرف يرفض كل شيء للطرف الاخر , وقد لا تجد اصلاً نقاط اتفاق في بحر الاختلافات بين الناس .
اعتقد ان المرحلة الموجودة في كندا هي مرحلة متجاوزه على كل الاشياء التي نقرأ عنها ونسمعها في الاعلام العربي , الكل في كندا متفق على تداول السلطة , الكل في كندا متفق على الديمقراطية , الكل في كندا متفق على ٩٩٪ من حقوق الانسان , الكل في كندا متفق على الدستور , الكل في كندا متفق على أن المرجعية الأخيرة هي للمحكمة والقضاء .
أعود لأليكس وجينفر , سألني أليكس عن ميولي الفلسفية , قلت له حقيقة أن تكون في الشرق الاوسط لا يوجد خيارات كبيرة امامك , إما أن تذهب لليمين أو اليسار , وفي منطقة في المنتصف كبيرة جداً تجعلك تضيع داخلها .
رد علي بضحكة وقال : تسمحلي اقول انت لو في كندا ممكن تكون فين ؟
قلت : احب أعرف
قال : انت ميولك ليبرالية … اعرف كثير اصدقاء ليبرالين اذا تحب اني اعرفك عليهم … ممكن انهم يفيدوك .
قلت له طيب انت كذا قاعد تخدم الليبراليين , قال : ما فهمت عليك ..! قلت يعني انت تبغى تعرفني على ليبراليين وانت محافظ ,, ما تحب انك تعرفني على محافظين مثلك ؟
قال : ما فهمت عليك . هنا غيرت الموضوع لاني متأكد انه ما حيفهم علي اصلاً , بالمختصر لأنه كندي مش عربي .
طبعاً اللقاء استغرق اكثر من الوقت المخطط له , هم كانوا يريدون البقاء فقط نصف ساعة ولكنهم جلسوا تقريباً ثلاث ساعات , في هذه التدوينة اختصرت كثير من السياقات وذكرت الأمور العالقة في ذهني الان والمهمة من اللقاء .
-————————
خلال الاسبوعين التي قضيتها عند بارب انعزمت انا وهي ثلاث مرات , كل مرة عند احد من اصدقاءها من الذين يريدون التعرف على الكائن السعودي ” الي يقول عنه اليكس انه ليبرالي ” . كانت لقائات جميلة جداً تعرفت من خلالها على طبقة من المجتمع لن اصل لها حتى لو كنت مقيماً في كندا لمدة سنة ..
خلال هذي المدة استفسرت من بارب عن انها مؤقتة وليست دائمة قالت : يا محمد انا صديقة منسقة السكن عندكم في الكلية , وانا توقفت منذ مدة عن استقبال طلاب في بيتي , لأني اريد ان اشعر بحريتي , واستضفتك لأن منسقة الطلاب اتصلت علي وقالت بان هناك طالب في فندق ولم اجد له عائلة حتى الان , فقمت بمساعدتها باستضافتك .
بعدها قمت بزيارة مكتب منسقة السكن في الكلية لتسديد رسوم الاقامة ووجدت انها استقبلتني استقبال حار جداً على الرغم ان هناك طالب قبلي ينتظر في مكتبها , ثم نادت على مديرة المكتب وقالت هذا الطالب الي وصلنا ريبورت بارب عنه بالامس , تقولي بارب كتبت فيك تقرير رائع .
في الواقع انا لم أفعل أي شيء باستثناء الهدية التي قدمتها لبارب ” الوايرليس ” , واعتقد أن بارب ردت لي الهدية بطريقتها ! وبصراحة كان رد ممتاز لاني لا أريد أكثر من ترك انطباع جيد للأخرين عني .
-—————————–
قد يستغرب القارئ بأن معظم التدوينة عن بارب , وفي الحقيقة أن الايام التي بعد بارب لم اعش فيها اي تجربة مثيرة تساوي الايام حينما كنت اقيم عندها .
بعض النقاط المتفرقه التي احب أذكرها في هذه التدوينة عن بارب هي :
* في إحدى الليالي طرق الباب شرطي ومعه شرطية . تحدثها مع بارب وقدمتني لهم لاني كنت في مجال نظرهم حينما فتحت الباب , لم افهم من الحوار شي سوا انهم اعطوها مذكرة وقالوا : بأن الاصل يحتاجون ان يحتفظوا فيه من اجل المستقبل في حالة تم فتح القضية مرة اخرى , وانهم كشرطه يعتذرون من بارب عن انهم لا يستطيعون تقديم سوى صور المذكرات ! .
ثم ودعاها ورحلوا . هنا بارب دخلت غرفتها ووضعت المذكرة ورجعت جلست على طاولة العشاء . قالت الان تريد التوضيح ؟ صح ؟
قلت اذا تحبين .
قالت : واجب علي اشرحلك الموضوع حتى لا تخاف . قلت ولماذا اخاف في كندا بالله عليكي , انا في بلد ممكن تسقط الحكومة اذا خالفوا القانون واعتدوا على حقوقي فما الذي يخيفني من شرطي يطرق الباب ؟!
قالت : ممتاز . الشرطة اتت لتعطيني صورة عن مذكرات ابنتي التي ماتت العام الماضي , هي في الواقع ماتت منتحرة , والشرطة احتفظت بكل اشياءها في مسرح الواقعه , لانهم كانوا يريدون التأكد بأنها ماتت منتحرة وليست مقتولة , بعد انتهاء القضية ابلغتهم بأني أريد أن احتفظ بمذكراتها ورسائلها قبل الانتحار , فما كنت متوقعه انهم حيوصلوها للبيت , كنت انوي اني اذهب استلمها بنفسي من عندهم , لكن هم صنعوا معروفاً واتوا بصورة المذكرات لعندي للبيت .
هذه كانت قصة بنتها ام جينفر
الغريب ان ابنها ايضاً هو الاخر مات منتحراً في السبعينات , اخبترني بذلك في تلك الليلة أيضاً .
لذلك افهم الان سبب تعلقها بجنفر واليكس , لانهم يمثلون لها ابنائها والباقين لديها من اقاربها .
* بارب في احدى المرات اخبرتني بأنها في سبتمبر القادم وفي يوم عيد ميلادها ستقفز من الطائرة بالبراشوت , هذي عادة تمارسها كل عشر سنوات في عيد ميلادها , كررتها خمس مرات سابقاً وتنوي على السادسة الان !
* عزمتني بارب في مطاعم مختلفة وكانت ترفض ان ادفع دولار واحد , وتقول انا لا اقبل ان يدفع عني رجل حساب مطعم ! .
* بارب مؤخراً سجلت عضوية في الحزب الليبرالي , لكنها أكدت بانها ستصوت للمحافظين غالباً .!
* اثناء الفطور من كل يوم كانت بارب تقرأ لي الاخبار من جريدة اوتواه المحلية , وكانت تلك فترة انتخابات رئيس بلدية اوتواه والمجلس البلدي , طبعاً الشخص الي رشحته مافاز
و في المجلس البلدي فاز شاب عمره ٢٤ سنة يعمل مدرب سباحة في مسبح عام , باع سيارته بعشرة الاف دولار واستلف ٥ الاف دولار من البنك وغطى حملته الانتخابية , مستقل غير مدعوم من اي حزب وصغير السن وفاز في المجلس البلدي . هذا الي يسمونه الفرص المتساوية لكل الناس . شعاره الانتخابي كان “لنستبدل دماء العجائز بدماء شابة في المجلس البلدي” . !
هذي نهاية التدوينة الأولى من سلسلة لا اعرف كم سيكون عددها احببت اني اسميها التجربة الكندية