منذ أن عرفت المنتديات والإنترنت وأنا أسمع عن تحرير المرأة والمطالبة بأن تعطى حقوقها مساواة بالرجل . بين أخذ ورد وبين تنوع المطالب من رفع الوصي عنها إلى السماح لها بالقيادة وليس انتهاء بحقها في ارتداء ملابسها وحجابها بالطريقة التي تعجبها إلى ما هنالك من المطالب التي يُخيل للقارئ الخارجي أنها لا تعدو كونها أشياء أساسية لا يمكن ان يتصور الإنسان الطبيعي كيف تُسلب هذه الأشياء منه . أعتقد أن الصراع السرمدي هذا تنقصه الحلقة الأهم والذي بدونه لن يكون هناك حل مفصلي له سواء بالقبول أو الاعتراض الكلي .
هذه الحلقة التي أقصدها هو دور المرأة نفسه في توجيه هذا الصراع الذي أراه مازال ضعيف وقاصر عن إدراك حجم المطالب نفسه . فأنا مثلاً أستطيع أن أضع نسبة تقريبية لعدد المطالبين بحقوق المرأة من الذكور بالنسبة للمطالبين بالحقوق نفسها من الإناث . فالإناث تقريباً لا يشكلون 10% من المطالبين بتلك الحقوق في الوقت الذي تذهب فيه الـ90% المتبقية للذكور .
وللتأكد على القارئ المشكك أن ينظر في الصحف ويحسب عدد الأقلام التي تكتب في الإعلام والتي تعمل فيه من الذكور مقارنة بالإناث . هذا ناهيك عن أن نسبة بسيطة من تلك النسبة البسيطة ليست في موقف المطالب بالحقوق بل في موقف المعارض لها .
وأتوقع بأنه لو تم عمل إحصائية وطنية وتكون الأسئلة الإحصائية مستوفية أهم المطالب الحقوقية للمرأة والتي تكون طبعاً مغلفة بالحدود الشرعية “لزوم البركة” وتكون هذه الإحصائية فقط للإناث وأن تكون في مراكز انتخابية ولا يسمح للمرأة التي ستصوت بدخول أحد معها لا أبوها ولا أخوها حتى لا يكون هناك تأثير ذكوري عليها ستكون النتيجة على حسب توقعاتي رافضة لأي تغيير حقوقي لها .
وهذا هو الرهان الذي يتكئ عليه معظم المعارضين . في الحقيقة أن الأمر يحتاج إلى معالجة اجتماعية معينة وهذا رأي أقوله قياساً على الكثير من الأمور التي يتناولها معظم الكتاب الليبراليين أو المحافظين في المملكة فنحن مثلاً نجد أن غياب الوعي الحقوقي وفهم سطحي للديمقراطية هو السائد على هؤلاء الكتاب وعلى مقالاتهم سواء كانوا ليبراليين أو محافظين .
فأحد الليبراليين المشهورين كتب في إحدى مقالاته أن حرية الإعلام لابد وأن تكون لها حدود خصوصاً في الأمور التي تساهم تشويه صورة المملكة في الخارج !
هذا في الواقع لا يشير إلا لأزمة حقيقية في البلد فنحن عشنا سنين طويلة تحت تيار ديني وذو توجه محدد وهذا ما جعل المجتمع يعاني من مشاكل وأمراض مستعصية تحتاج في البدء إلى عملية جراحية حتى يتم علاجها بشكل طبيعي .
الأمر الآخر أن كثير من المتفائلين في العقود الماضية كانوا يعتقدون بأن تطور الحداثة ومخرجاتها سيساهم في صنع القاعدة المطلوبة من الوعي الذي يدفع باتجاه اخذ الحقوق كاملة . لكن الذي حدث كان خارج عن اعتقاد المتفائلين والمتشائمين على حد سواء .
فالذي حدث أن التفكير التقليدي مازال يحافظ على جوهره بشكل مُصان رغم تغير الشكل الخارجي واكتسب الشكل الحداثي .
وهذا ما يدلل عليه مقولات شائعة أصبحت تردد على فوهة الكثيرين من “المفكرين” العرب فنحن نسمع جمل تورد في الخطاب المُوجه من قبلهم على شاكلة ( نأخذ من الغرب ما ينفعنا ونترك ما يتعارض مع قيمنا وتقاليدنا ) أو مثلاً ( ليس بالضرورة أن نأخذ ما هو جديد ونترك كل ما هو قديم ) وهذا ما ذكره علي الوردي في كتابه وعاظ السلاطين قبل أكثر من أربعة عقود أي في بدايات تأثر المنطقة العربية بالمد العولمي حينما قال بما معناه أن الحضارة تُؤخذ بشكل كامل بإيجابياتها وسلبياتها ولا يمكن تنقيتها وفق قيمنا وتقاليدنا وإلا نتج جيل مشوه .
وهذا فعلاً ما حدث فعلى السبيل المثال اليوم نجد من يستخدم مخرجات الحداثة وهو غارق في التقليدية من – ساسه لرأسه – فليس من الغريب أن نجد أن النعرات القبلية والمفاخرة بالقبيلة وبالعنصرية تنتقل من الصحاري إلى القنوات الفضائية والمنتديات والانترنت . بل حتى أبسط وسائل الاتصال الحديثة تجد فيها مخرجات البدائية فحين تدخل ماسنجرك تجد أسماء من قبيل ” سعودية وافتخر “ أو ” سديراوي وراسي عالي ” أو أحدهم يعبر عن خفة دمه ويكتب في استمارة تسجيل المنتدى ( مكان الميلاد : الصومال ) وتظهر بهذا الشكل على أساس انه خفيف دم على الرغم أنه مولود في الرياض أو جدة وغيرها . بل تصل إلى مستويات مختلفة خالقة نوع من التناقض الغريب في الأمر . فقد تجد مثلاً شيخ دين يظهر على شاشة قناة فضائية أو يستخدم الانترنت وله موقع وإيميل وغيرها من مخرجات الحداثة .
طبعاً الكل يعرف أن العولمة وتطورها ومخرجاتها الحياتية والتي ساهمت في رفع مستوى الرفاهية للبشرية لم تأتي منفصلة عن مجتمعها . بمعنى أن التطور يحتاج بيئة كاملة حتى يستطيع النمو بشكل حر وسليم . وهذا للأسف مالا يتوفر في بيئاتنا . وحينما نقول بأن التطور مربوط بكل أشكال الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية حينها لا نكون مخطئين أبداً بل هو ضرورة حتمية . وهذا ما جعل الكثير من دعاة التقليدية يسفهون محاولات المطالبة بالحقوق الإنسانية بأنها لا هدف لها سوى تدمير البنية الاجتماعية .
فحينما يتحدث أحدهم عن حقوق المرأة بشكل علماني يكون الرد عليه وما دخل حقوق المرأة في صناعتك لكمبيوتر أو سيارة ؟
وإذا انتقد أحدهم الطريقة الحياتية الاجتماعية وأنها سبب التخلف والجهل يكون الرد عليه وما دخل هذه بتلك ؟
في أحد المرات حينما كنت أتناقش مع احدهم قال لي بأنه لا توجد علاقة بأن تخرج امرأة بملابس البحر وبين أن يكون المجتمع متقدم تكنولوجيا .
في الواقع أن مثل هذه الاعتراضات تبدوا منطقية إذا لم يكن هناك وعي حقوقي لها .
وهنا تكمن المشكلة فالذي لابد وأن يعرفه الجميع بأن الحقوق هي جزء من عناصر البيئة الاجتماعية والتي تؤثر بشكل مباشر وكبير على حرية الإنسان داخل مجتمعه وتؤثر على تشكيل المجتمع .
فالشخص الذي يعارض إحداهن في قيادتها لسيارتها هو هنا يمارس دور متعدي على الآخر .
أي بمعنى أن القانون لابد وأن يمنع المبدأ ذاته لا نتيجة ذلك المبدأ . هذا التعدي وهذا المبدأ هو الذي يجعل فلان يعترض على فلان أو جماعة تعترض على جماعة أخرى في تصرف غير مضر بالآخر .
ومن هنا تبدأ المشكلة , فالشيخ أو المفتي الذي يحرم أمر معين لا يُكتفي برأيه فقط بل يُطالب المجتمع كله برأيه أي أن رأيه أصبح متعدي خراج نطاق حياته الشخصية بعكس أن شخصاً ما ذهب وسئل الشيخ أو المفتي عن أمر ويريد أن يسمع رأيه فهنا يكون الأمر حرية شخصية بينما الذي كما قلت بأن المجتمع مرتهن برأي وضغط سواء كان هذا الرأي ديني أو سياسي أو اقتصادي .
ويندرج ذلك على نطاق العلاقات الشخصية الضيقة بين أفراد العائلة نفسها . فالأخ يُربى على أن تكون له وصاية على إخوانه الصغار بل يُربى على أن من حقه الوصاية على أفراد عائلته من الإناث سواء كانوا أمهات أم أخوات .
والفتاة أيضاً تُربى في هذا المجتمع على أن تكون فرد أدنى ويجب عليها أن تتقبل الوصاية من الأب أو الأخ حتى ولو كانت راشدة وبالغه السن المعرفي الإنساني سواء كانت 18 أو 21 سنة .
ومما يدعم هذا الأمر هو وجود المشاعر الأسرية القوية بين أفراد العائلة وهي مشاعر طبيعية مثل المحبة والحنين لبعضهم البعض .
وهذا بطبيعته يُولد قصور معرفي خطير بالإضافة إلى حصر المرأة في بيئة من مثيلاتها من الإناث اللائي يشابهن حالها تماماً ومع مرور الزمن تتكرس تلك النسقية الثقافية بشكل متواصل .
وهذا ما يجعل الآن الكثير من الإناث والذكور يدافعن عن وضعهم الحالي ويهاجمن أي شخص يُطالب بحقوق مدنية .
الأمر الأهم أن الحقوق المدنية لابد وأن تكون مخرجة من المجتمع ذاته لا أن تكون متلقاة من الخارج أو تكون من طبقة عليا في الهرم الاجتماعي إلى طبقة أدنى منها مستوى .
والذي يدعوا لذلك هو أن الإنسان لابد وأن يكون مستشعر لحاجته لتلك الحقوق . أي أن يكون متضرر من الوضع الراهن ويحاول أن يقلل الضرر.
فالحاجة هي التي تولد الرغبة والرغبة هي التي تولد الفعل الذي يصنع التغيير. فالفتاة مثلاً التي لديها سائق خاص ولديها مورد مالي جيد يكفل لها تلبية حاجتها لا تحتاج إلى القيادة .
وتبقى مسألة قيادة المرأة مجرد رغبة ثانوية ليست أصيلة.
والمرأة التي لم تجد فرص عمل من التي يدعمها المجتمع تطالب بتوسيع فرص العمل حتى ولو كانت في مجالات الاختلاط . حينها تكون الرغبة أكثر قوة وأصالة في المطالبة بحق مثل العمل في بيئة مختلطة .
طبعاً ليس كل المتضررين سيطالبون بحقوقهم فهناك من يعطي القيم الاجتماعية دور اكبر في تشكيل شخصيته من حاجاته ومتطلباته ولكن الطبيعة البشرية بشكل عام ستندفع نحو التغيير للأفضل .
وهذا ما تعرفه الحكومة بشكل جيد وهذا ما قاله الأمير نايف في إحدى تصريحاته حينما قال بأن قيادة المرأة للسيارة هو أمر اجتماعي إذا طالب به أولياء الأمور حينها سيكون لكل حادث حديث .
أي أنه لن يمنح هذا الحق إلا حينما يجد المجتمع يطالب به بشكل كبير .
نهاية أحب أن أقول بأن حقوق المرأة هي مسألة يجب عليها أن تطالب به وأن الوعي لابد وأن يصل لها وأن تغير من ذاتها حتى تفهم أولاً ما هو لها وما هو عليها . ولكن دون وجود ذلك الوعي فلن يصنع أي شيء حتى ولو كتبت ألف صحيفة عن قيادة المرأة وغيرها .




















انا مهتم بالسياسة والثقافة العامة والكتابات الدينيةهذه المدونة أكتب فيها ما يعبر عن وجهة نظري في لحظة كتابة المقال وهذا لا يعني أنني سأبقى مقتنعاً بكل فكرة كتبتها مدى الحياةبل أن هناك الكثير من الأفكار قد تتغير وتتبدل إذا تغيرت الظروف واستطعت فهم الواقع بشكل مختلفباب النقد مفتوح على ( البحري ) سواءً في التعليقات أو في الرسائل الخاصة!





