انتهت الانتخابات الأمريكية وما زالت ردات الفعل على ما حدث من مفاجآت تتوالى في كل وسائل الإعلام العالمية بمختلف أشكالها وأنواعها من مدونات وصحف ومجلات وبرامج حوارية وإخبارية بل حتى وصلت تلك التأثيرات على البرامج الفكاهية والساخرة ورسومات الكاريكاتير .وفي خضم ذلك الزخم الكبير وخصوصاً في منطقتنا العربية أصبح فوز باراك اوباما عبارة عن أزمة خطيرة تهدد كياننا الثقافي والفكري بل حتى الوعي واللاوعي لدى مجموع مثقفينا والذين هم في الأغلب لا يختلفون كثيراً في هذه النواحي عن العوام والبسطاء من الناس .
الأزمة التي حدثت هي طبيعية وليست مستغربة وخصوصاً لو فهمنا الخطاب الذي نتج عن النمط الفكري الذي يُخرج لدينا الخطاب الجمعي والذي يصوغونه هؤلاء المثقفين الذين قلت عنهم أنهم لا يختلفون عن الجمهور الشعبي.بحيث تتجلى كل الأفكار البائسة والمشوهة في ذلك الخطاب والتي هي بالضرورة نتيجة النسق العام. كل المثقفين وكتاب الصحف بشكل عام يعبرون عن ذلك النسق في مقالاتهم وكتاباتهم بنية الإعجاب بالنموذج الأمريكي وبأن الديمقراطية هناك لا تفرق بين الأسود والأبيض وأنهم تغلبوا من خلال حرياتهم على الماضي البائس من عقود طويلة في اضطهاد أصحاب البشرة السوداء ومعاملتهم لهم بدونية . النية في ذلك الخطاب حسنة ولكن المشكلة أنهم لا يعون بأنهم يرتكبون التميز بحق الآخرين بطريقة لاواعية وغير مقصودة في المجمل ولإيضاح ذلك سأضرب مثال بمقال الشيخ عائض القرني في صحيفة الشرق الأوسط بتاريخ 4 نوفمبر 2008 العدد 10934 والمعنون بـ الرجل الأسود في البيت الأبيض والذي انتقد فيه الممارسات التي تحدث في الأوطان العربية من سوء معاملة للآخرين والضعفاء من الناس وتميز عنصري بحقهم . كما قلت إن النية سليمة عند كاتب المقال طبعاً كما هو ظاهر . ولكن المشكلة هي في طريقة معالجة تلك الممارسات التي ينتقدها الشيخ في مقاله بحيث انه يعبر عن ذلك النسق بشكل ظاهر في الكثير من الجمل التي وردت في المقال حيث يقول : ألا تعجب من رجل فقير بسيط مسكين سافر بيه أهله من بيت صغير في كينيا بأفريقيا يبحثون عن لقمة العيش فارين من الجوع والمرض والجهل؟ . حيث أن طريقة التعجب لدى الشيخ في اللاوعي هي في كيفية انتقال شخص فقير مهاجر مسكين بسيط إلى أمريكا ومن ثم يصبح ابنه رئيس الولايات المتحدة الأمريكية . وجه الاستغراب والذي ناتج أصلا عن اللاوعي المشبع بمخرجات النسق هي أن الفقير المعدم البسيط المهاجر هو في الوضع الطبيعي اقل من غيره بل أن الذي دعاه للإعجاب بتلك الديمقراطية هي كيف وصل ابن ذلك الشخص إلى هذا المنصب ؟
وكأن الوضع الطبيعي – وللأسف هذه الحقيقة – أن في دول العالم النامي أن يهمش هؤلاء أو وضعهم الطبيعي التهميش والإقصاء والانتقاص من شأنهم كبشر وهذا هو ما دعاه إلى الاستغراب ومن حيث لا يدري بأن هذا الأمر هو في الواقع الحقيقة التي اعتاد عليها الشيخ في مجتمعنا .
بل يصل التعبير الحقيقِ عن النسق في جملة كتبها وهو لا يعي أنها محملة بالكثير من التراكمات الثقافية التي شكلت الخطاب العام والذي يتحدث بصوته الشيخ القرني في جملة كتبها في مقاله حيث يقول : دُفعةً واحدة يقفز هذا الشاب الأسمر الداكن الصعلوك من كوخ صغير فيه قطعة من حصير وأكواب من فخار وكيس من دقيق الشعير إلى أن يجلس أمام الكونغرس الأمريكي .
لاحظ معي عزيزي القارئ التعبير في كلمة الشاب الأسود الداكن والذي يستخدمها كصفة تميز شخص عن غيره من الأشخاص وكأن السمرة هي من المميزات التي يعتمد عليها واقع إنسان عن غيره من البشر في الحياة والتي هي بالضرورة من المخزون الثقافي في اللاوعي لدى الشيخ وهذا ما دعاه للاستغراب في مقاله والذي يدعوا للمساواة .
ثم لاحظ معي كيف نعته بالصعلوك وللكلمة معنى لغوي بأنه الرجل الفقير الذي لا مال له ولكن الكلمة مشبعة بمعاني ثقافية كثيرة من أن من يتصف بها هو اقل من غيره من البشر .
ثم بدأ يستشهد بنصوص من القرآن الكريم والأحاديث النبوية للتأكيد على المساواة ويظهر في ذلك طريقة اختياره لتلك النصوص بحيث أنها تعبر أيضا بشكل لاواعي عن النسق الذي يتحدث بصوته الشيخ حيث ذكر عدة أحداث تاريخية لعمر ابن الخطاب حينما قال (والله لو كان سالم مولى أبي حذيفة حياً لولّيته الخلافة بعدي)، وسالم هذا مولى أسود فقير مسكين لكنه مؤمن مهاجر حافظ لكتاب الله قائم بحدوده، انظر كيف تعامل عمر ابن الخطاب مع الموقف بحيث انه كان في فترة من الزمن تفرق بين الناس وتميز بناءاً على العرقيات واللون وغيرها ولكن ما يقوله الشيخ القرني أن الإسلام أعطى الولاية حتى لهذا العبد الفقير الأسود وكأن الأسود كما يصفه القرني اقل من غيره فمن عظمة الإسلام أن أعطى ذلك العبد الأسود الولاية .
هذه الطريقة التي يتعامل بها الكثير من المثقفين مع الواقع الذي يريدون إصلاحه والمشكلة أنهم يكرسون تلك المفاهيم بطريقة لاواعية في القراء والناس والجمهور بحيث إنها توصل رسالات باطنية تكرس الدونية للآخرين في اللاوعي للقارئ والإنسان البسيط وهذا ظاهر في معظم الخطابات العربية سواء كانت على المستوى الشعبي آو على مستوى النخبة بل إن تاريخنا الثقافي كله محمل بتلك الصيغ التي وردت في مقال القرني بشكل أبشع وأكثر احتقارا وتميزاً مما ذكر في مقال الشيخ بل إنني اعتبر أن النية الحسنة التي كانت ظاهره في مقال الشيخ كفيلة لان تغفر له ما وقع فيه دون أن يعي ذلك ولهذا نحن نحتاج نقد ثقافي حقيقِ لمورثنا ومخرجات الحاضر حتى يكون مستقبلنا مبني بشكل جيد سواء كان على مستوى الخطاب آو الوعي وحتى نظرتنا للأمور التي نعتقد إننا نستحق بان نصل بها إلى مرحلة من التطور .


انا مهتم بالسياسة والثقافة العامة والكتابات الدينيةهذه المدونة أكتب فيها ما يعبر عن وجهة نظري في لحظة كتابة المقال وهذا لا يعني أنني سأبقى مقتنعاً بكل فكرة كتبتها مدى الحياةبل أن هناك الكثير من الأفكار قد تتغير وتتبدل إذا تغيرت الظروف واستطعت فهم الواقع بشكل مختلفباب النقد مفتوح على ( البحري ) سواءً في التعليقات أو في الرسائل الخاصة!






فهمنا للعنصرية — الجزء الثاني | 20 أكتوبر، 2009 الساعة 11:47 مساء #
[...] على ذلك انظر المقال السابق ( الانتخابات الأمريكية وازمة الخطاب العربي ) [...]