هناك الكثير من الناس من يطالب بإيجاد مفهوم جديد لفقه الواقع وهناك من يعتبر أن فقه الواقع لابد وأن يقوم على مشروع تجديد الفقه بشكل يتواءم مع مستجدات العصر ,
وفي ظل ذلك الجدال تبرز أمور كثيرة تستحق فعلاً أن نعيد النظر بها بشكل مغاير لما هو عليه في السابق والحاضر ,
ومن يؤمن بهذا المشروع على الرغم من اختلاف وجهات النظر في بعض التفاصيل إلا أن تلك وجهات النظر تعبر عن مطلب ضروري وملح خصوصاً في العصر الحالي وفي اللحظة التي تجاهد المؤسسات الحقوقية حول العالم لرفع سقف الحقوق المدنية والإنسانية في كل مكان ,
نصر نحن كمجتمع لإهمال أوضاعنا الحقوقية بدوافع مختلفة منها سياسية أو اجتماعية أو حتى دينية . ومن القضايا ذات العلاقة والتي استوقفتني خلال الفترة الأخيرة هي قضية < التبني> بكل أبعادها ورغم كثرة التفاصيل الموجودة في تلك القضية إلا أنها تستحق وقفة تأملية لابد وأن تدفعنا إلى إعادة النظر ومحاولة تحسين الوضع الراهن بتلك القضية .
فهناك جزء من المجتمع يحتاج منا أن نفهم قضيته والتي عادة لا أحد ينتبه إلى مشاكله أو همومه وذلك لأنهم في العادة جزء يتم تنشئته على التهميش الاجتماعي للأسف .
في المملكة لدينا جمعيات تعني بالأيتام وهو مصطلح مجازي يشمل مجهول النسب مع من مات أبويه وتم إيداعه إلى دور الرعايا وهي ما تسمى دار الأيتام . وتلك الدور تعمل بشكل جاد في العادة بتوفير سبل الرعايا لأبنائها .
إلا أن للأسف تلك الجهود تحتاج إلى وقفة تأملية ونقدية لما تقوم به والهدف الأساسي من تلك هي محاولة لتقيم الأداء وتصحيح المسار المغلوط إن وجد .
وذلك النقد لابد وأن يأخذ جوانب القضية بأبعادها القانونية والفقهية وهذا ما أود أن أناقشه أنا في كتابي هذا . تعتمد تلك الجمعيات في المملكة على القانون الإسلامي الذي يدفع المجتمع بالاهتمام بالطفل اليتيم ورعايته وتربيته وتوفير الحياة الكريمة له وهذا أمر إنساني كريم لا جدال عليه .
إلا أن في الفقه الإسلامي الحالي يقرر أن الطفل الذي تمت إعالته من شخص أو من عائلة أن له محددات خاصة لا يأخذ فيها كل حقوق الابن بالدم أي أن ما يحصل عليه الطفل بالتبني كحقوق ليست مساوية للطفل المنتسب للعائلة بالدم , فهو لا يحمل اسم العائلة أو المعيل ولا يرثه ولا يكون في حكم المحرم لإناث العائلة ,
أي أنه في حكم الدونية مقارنة بالطفل صاحب نسب الدم . صحيح أن الشريعة دفعت المجتمع لرعاية اليتيم وكفالته وقد قال النبي – ص – ( أنا وكافل اليتيم كهاتين ) وهناك الكثير من النصوص الدينية التي تحض على فعل ذلك الأمر إلا أن الفقهاء مصرين على استنباط أحكام أخرى لا تكفل الحقوق كاملة وهم في ذلك يعتمدون مبدأ العدالة كما يرونه وهو أنهم لو أعطوا هذا اليتيم الحقوق الكاملة مثل الطفل بالدم سيكون ذلك فيه هضم لحقوق الطفل بالدم ولهذا هم يرون أن أساس الانتماء للعائلة هو انتماء الدم .
في الحقيقة هذا المفهوم قديم وكان منتشر في كل أمم العالم تقريباً إلا أن التطور الحقوقي في العالم اعتبر أن انتماء الدم ما هو إلا انتماء غير كافي لتحديد العلاقة الطبيعية بين الشخص وعائلته ,
لأن الإنسان مشاعره العاطفية وأحاسيسه تجاه الأشخاص والأشياء مكتسبة وليست موروثة بمعنى أن الشخص يحب أخوانة وأهله يشعر تجاههم بالعاطفة أتى نتيجة المعايشة لهم والذكريات التي تكون في داخله من الخبرات المكتسبة لديه والدليل على ذلك هو لو أن مولود تم أخذه من لحظة ولادته ووضعه في عائلة أخرى لشعر هذا الطفل بالانتماء للعائلة الجديدة أكثر من شعوره بالانتماء للعائلة الأساسية التي تربطه بهم صلة الدم .
بل قد لا يشعر بهم نهائياً لو قابلهم في مكان عام أو مكان آخر فالحنين والشعور بالحب يأتي بالاكتساب أي من خلال المعايشة لا من خلال الجينات والموروث ,
فعلماء البايلوجيا يقولون بأن الجينات قد تنقل الأمراض والصفات الفسيولوجية لكنها لا تنقل المشاعر والأحاسيس وبالتالي رابط الدم ليس هو الرابط الحقيقٍ بين الشخص وعائلته أو قبيلته وهكذا وكذلك فإن حرمان الطفل بالتبني من حقوقه مثل أخوه الابن بالدم هو فيه نقصان لحق هذا اليتيم الذي وجد نفسه في كنف عائلة لا تساوي بينه وبين أخيه كما أن في حالات كثيرة نجد الطفل بالتبني أكثر براً بعائلته من الابن بالدم ,
فحق الابن بالدم في الحقيقة لا يزيد عن حق أخوه بالتبني فكلاهما عنصران مكونان للعائلة ومن حق اليتيم أن يتساوى مع معه في الورث وكل مكتسبات العائلة .
النقطة الأخرى التي أراها سيئة هي أن مجتمعنا أصلا مجتمع عنصري بطبيعته أي قائم على التمييز بين الأفراد على أساس الدين والمذهب والقبيلة والنسب والمناطق وخلافه .
فكيف سيكون شعور هذا الطفل والمجتمع يعرف أنه مجهول النسب أو يتيم مأخوذ من دار أيتام أليس في هذا دعوه للتميز ضده ومهما حاولنا أن ندعو المجتمع لعدم التمييز ضده إلا أن الإنسان بطبيعته يمارس التمييز حتى في الدول المتقدمة هناك ممارسات مبنية على التمييز من بين الأفراد إلا أن القوانين التي توضع في محاولة جاهده لمنع مثل تلك الممارسات خففت من حدتها وأصبحت مجرد تصرفات فردية قد يعاقب مرتكبها , ولكن عندنا المشكلة تكمن هي أن القانون نفسه يسمح بالتمييز بل هو يميز وهنا تكمن الإشكالية ولذلك الطفل اليتيم ماهي فرصه بالزواج أو بالاحتكاك بالمجتمع في الوقت الذي يكون اسمه منسوب لمدينة مثل فلان المكاوي أو فلان الطايفي وخلافه فبهذا اللقب هو يكون واضح أمام الآخرين أنه شخص مجهول الهوية فإذا كان هناك تمييز بين القبائل والحاضرة أو بين أبناء المناطق فما هو مصير ذلك المجهول ؟ ! ,
نقطة أخيرة أحب أن أناقشها وهي أن الكثير من جمعيات ودور الأيتام الموجودة حالياً في المملكة تعمل على تفعيل دور الكفالة عن بعد وهو نظام يعني أن الشخص يدفع مبلغ بشكل دوري سواء كان مبلغ شهري أو فصلي أو سنوي والدار يساعد على صرف ذلك المبلغ على الطفل ,
طبعاً المشروع هذا جميل لكن المشكلة التي أراها في مثل هذه البرامج هي أن المشروع هذا أتى على حساب توفير البيئة الأسرية للطفل وهذا هو الأهم بمعنى أن الأولوية للطفل تكمن في الجو العائلي الذي يعيش فيه أكثر من الماديات صحيح أن الماديات ضرورية ولكن ليست بضرورة البيئة الأسرية التي تكون للطفل . بمعنى أن الطفل اليتيم لو كان يعيش في دار أيتام خمس نجوم فوجوده في عائلة متوسطة الدخل ترعاه أفضل من الدار ذو الخمس نجوم ,
فمن الخلال الأسرة سيكون في جو صحي أكثر من مكان يعيش مع مئات الأطفال الذي يعانون مثله من نفس المشكلة , ولهذا للأسف أن الكثير من الأسر أصبحت تتكفل بأيتام عن بعد رغم أنها تستطيع توفير الأمن والحماية والرعايا للأيتام فآثروا بقاء الطفل في الدار وأن يتم الصرف عليه وطالما أن الأجر والثواب واحد فلا يوجد داعي لرعايته بشكل شخصي , صحيح أن كفالة يتيم عن بعد أمر جيد وحسن ولكن رعايته بشكل مباشر أكثر إنسانية , هناك فكرة قد لا يتفق معها الكثيرين ولكن تبقى مجرد فكرة قالها أحد الأشخاص وهي أنني سألته عن خططه في الإنجاب قال لي
: أنا أفضل أن أتبنى طفل يتيم وأعطيه فرصة في الحياة الكريمة أفضل من أأتي وأتكفل بشخص لم يخلق بعد وهذا لا يمنع أن أنجب أطفال ولكن سيكونون بعد هذا الطفل اليتيم .
وجهة نظر !!


انا مهتم بالسياسة والثقافة العامة والكتابات الدينيةهذه المدونة أكتب فيها ما يعبر عن وجهة نظري في لحظة كتابة المقال وهذا لا يعني أنني سأبقى مقتنعاً بكل فكرة كتبتها مدى الحياةبل أن هناك الكثير من الأفكار قد تتغير وتتبدل إذا تغيرت الظروف واستطعت فهم الواقع بشكل مختلفباب النقد مفتوح على ( البحري ) سواءً في التعليقات أو في الرسائل الخاصة!






Khalid Saleh | 6 نوفمبر، 2009 الساعة 5:02 مساء #
لعل انعدام البيئة الأسرية للطفل هو أكبر المشكلات في فهمناالحالي لفقه التبني.
علي الغزاوي | 13 أغسطس، 2010 الساعة 2:11 مساء #
اوافقك تماما واشكرك على طرح هذا الموضوع
سناء طباني | 30 نوفمبر، 2010 الساعة 11:42 صباح #
سلمت يداك استاذ على هذا التوضيح والمناقشة البناءة لهذه القضية موضوع ممتاز دمت سالما
نبراس | 6 ديسمبر، 2010 الساعة 2:54 صباح #
اوافقك الرأي في أغلب ماكتبته,المشكلة ياعزيزي هي قناعة الناس بعدم جواز التبني مع مافيه من فائدة لليتيم او مجهول الابوين ومن ناحية المجتمع كذلك. دعنا نتفكر قليلا في الاية الكريمة: (وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم…..) لماذا ذكر الله “أصلابكم” في خطابه,معناه أنه يمكن أن يكون هناك لنا أبناء ليسوا من دمنا ولكن بطريقة أخرى هي التبني.
مدونة جميلة…شكرا لك.