20 أكتوبر، 2009  |  بقلم:  |  يُصنف في: اجتماع, قروشة

إلا أنه من الملاحظ أن تعريف العنصرية غالباً ما يعتمد على جانبين مهمين وهما : ( الجانب التطبيقي – جانب اعتقادي )  الأول كما قلنا هو بسبب أن التعريفات المدرجة أعلاه هي صياغة قانونية أي تطبيقية لو أردنا الدقة أكثر , ولهذا نجد في كلا التعريفين مصطلح ( الأفعال )  وإن كان في التعريف الثاني هو مصطلح (  hatred) والذي يكون قاعدة لتبرير السلوك دون أن يكون لدلالة الكلمة علاقة مباشرة بالاعتقاد , ولهذا نجده في التعريف الثاني يرجع ويؤكد على عنصر الاعتقاد بالقول ( or the belief ) .

أن المحاولين لإيجاد تعريف للعنصرية يكون أكثر شمولية يحاولون جاهدين لحصر أشكال العنصرية كتطبيقات سلوكية في تعريفاتهم إلا أنها تبقى عملية متعذرة , وذلك لأن التطبيقات السلوكية لا يمكن حصرها طالما ما بقيت الظروف الثقافية مختلفة لكل مجتمع , ولهذا ما يهمني أنا في مقالي هذا هو الجانب العقدي والذي يمكن من خلاله تفسير السلوك العنصري وفق المنظومة الثقافية للمجتمع المعين , وبهذه الطريقة يصبح الحكم على تصرف معين بأنه عنصري وفقاً للاعتقاد لا لمقاربة السلوكيات المختلفة في كل مجتمع بمجتمعات أخرى .

وفي محاولة مبدئية لوضع تعريف للعنصرية يمكنني القول بأنه :

هو الاعتقاد بتصنيف الناس إلى طبقات رأسية بناءً على مقومات عرقية أو دينية أو جنسية أو لغوية أو ثقافية أو لونية , مما يترتب على ذلك التصنيف حقوق وواجبات متفاوتة , والاعتقاد بأن الصفة البشرية بها درجات متفاوتة .

وبناءاً على هذا التعريف فإن أي سلوك يكون مبني على هذا الاعتقاد فإنه يمكن اعتباره سلوك عنصري , سواءً كان ذلك ظاهراً أم باطناً . وكذلك فإن أي قانون في أي دولة يميز الناس بناءً على عرقيتهم أو لونهم أو دينهم أو لغتهم أو ثقافتهم  مما يجعل الفرص الحياتية أو الحقوق والواجبات أو العقوبات مبنية على ذلك الاعتقاد فإنه يكون قانون عنصري .

*************

دوافع العنصرية :

هناك دوافع كثيرة أيضاً للعنصرية سواءً كانت تلك دوافع فردية أو دوافع جمعية لا يمكن حصرها ولكن أعتقد ان أهم دوافع العنصرية بصفة عامة هي الجهل . وأعني بذلك بأن هناك علاقة طرديه بين الجهل المسبب للعنصرية والانعزال , فكلما كان زاد الانعزال في مجتمع كلما زاد معه الجهل المسبب للعنصرية , لأنه كلما زاد إختلاط الفرد بمثيله من ثقافات ومجتمعات أخرى كلما عرف أن هناك مزايا بشرية يشاركه فيها الآخر وبالتالي يقل الجهل المسبب العنصرية .

كما أن احتكاك الإنسان بثقافات مختلفة يساعده على فهم تلك الثقافات ويجعله يعرف أن لكل ثقافة ظروف تاريخية ومكانية ساهمت بتشكله بشكل مختلف وبالتالي أن الحياة تقوم على التنوع ولكن الأصل الإنساني له قيمة منفصلة عن تلك الظروف المختلفة .

*************

العنصرية ضد القيمة الإنسانية :

في بحث للأستاذ عبدالله حميد الدين في كتابة المعنون بالكينونة المتناغمة لفت نظري وضعه لفكرة مبسطة لشرح القيمة الإنسانية , فقد قسم القيمة الإنسانية إلى قسمين رئيسين هما القيمة الذاتية للإنسان والقيمة العارضية .

فيقول في مامعناه بان الٌقيمة الإنسانية بشكل عام تعتمد على قيمتين أساسيتين قيمة ذاتية وتلك القيمة نابعه من وجوده المجرد فقط دون أن يكون هناك أي مسبب لها غير الوجود فقط , وقيمة عارضية ويمكن أن تشمل القيم المعنوية للشخص ( مثل اخلاصه , تفكيرة , اخلاقه , رغباته ….الخ ) وقيم مادية ( مثل امواله , أو انجازاته العملية …الخ ) ,

وأنه من المفترض أن تكون القيمة الذاتية النابعه من الوجود المجرد للإنسان هي القيمة الأكبر بكثير مقارنة بالقيم العارضية , وهو يقول بأنه هذا لا يعني عدم أهمية القيم العارضية ولكنها تبقى في مرتبة أقل مقارنة بالقيمة الذاتية , ويبرر ذلك بأنه لو استطعنا الوصول لمعرفة أن القيمة الذاتية أي قيمة الوجود المجرد فإنها كافية لمعرفة أهمية الإنسان التي يجب أن يكون عليها بعيداً عن القيم العارضية والتي قد تتغير من وقت لآخر أو من حالة لأخرى .

ويقول بأنه معظم المشاكل التي يقع فيها الإنسان هي بسبب أن معظم الناس تنظر للقيم العارضية وتعطيها مساحة قد تكون مساوية أو أكبر من القيمة الذاتية , فينشأ عن هذا صراع يكون أفقي , ومن هنا أبرر أنا أن العنصرية هي محاولة بناء القيمة الإنسانية على أساس القيمة العارضية ( اللون , العرق , الثقافة , اللغة , الجنس , الدين ) .

وبالتالي فإنه من المفترض أن تكون حقوق الإنسان مبنية على القيمة الذاتية للإنسان المجرده من أي قيمة عارضية , فإنه بناءً على هذا المقياس الذي وضعه المؤلف في كتابه فإنه يمكننا أن نتجاهل أي مبرر لأي تصرف عنصري , لأنه يتجاهل القيمة الذاتية للإنسان ويعتمد في عنصريته على القيم العارضية .

ويمكننا أن نلخص المفهوم بالقول بأن لكل إنسان حقوق إنسانية متساوية مع الآخر , لأن لكل إنسان قيمة ذاتية نابعه من كونه موجوداً فقط . وهذه قيمة أخلاقية مبدئية ضرورية لأي مجتمع .

************

العنصرية اللاواعية :

قد نستغرب من مصطلح العنصرية الخفية أو اللاواعية  , ولكنها موجودة وقد لا نستطيع ادراكها بسهولة , وهي نوع من العنصرية التي نمارسها دون وعي مننا أو معرفة بما نقوم به , بل أنها قد تكون ظاهرة حتى في سياقات محاربتنا للعنصرية دون أن نشعر بتسللها , ويمكن ملاحظتها للقارئ أو الناقد في كتابات بعض الناس أو في سلوكياتهم وتكون أكثر وضوحاً في انفعالاتهم .

تلك العنصرية الخفية , هي النظرة النقدية للعنصرية على أساس أنها سلوك وتطبيق دون أن يكون لها أساس اعتقادي , فيصبح الشخص ينتقد السلوك العنصري و يحاربه دون أن يكون لهذا الاعتراض اساس فكري وعقدي مقنع , فنجده يجنح في بعض الأحيان لاستخدام الوسائل العنصرية لمحاربة العنصرية نفسها هذه في حالة , وفي حالات أخرى قد نجده يمجد قوانين تنهى عن العنصرية وينظر لها كقيمة أخلاقية مجردة من أي أساس فلسفي أو فكري ,

للمثال على ذلك انظر المقال السابق ( الانتخابات الأمريكية وازمة الخطاب العربي ) .

ولهذا فإنه من الضروري معرفة الأساس الفكري للمساواة الفردية بين الناس كنظرية فلسفية , وإعادة تشكيل الثقافة العامة حتى نستظيع التغلب على العنصرية بشكل أكثر وعياً .

محمد الطويرقي

مواضيع مشابهة

  • لا توجد مواضيع مشابهة

0 تعليقات حتى الآن | شاركنا بتعليقك!

أترك تعليقاً

wolverine torrent Ferrari formula 1 mortgage rates calculator loan mortgage calculator